 |
“إن كنا نقدم لكم العدد الأول من هذه المجلة التي نأمل أن تنال دعمكم ومساهمتكم، فإننا نقدم لكم عددا متواضعا بسيطا، سيساعدكم بالطبع على فهم منهجيتنا الخاصة التي لن نقبل بأن تخضع لأي تدخلات خارجية”.
الفقرة أعلاه مقتطعة من كلمة التحرير في مجلة “آراء قيد الاعتقال”، الصفحة الثانية.
“نحن مجموعة تطالب بالحرية والحق والسلام وبالإستقلال والسيادة لوطنها اللبناني والعربي وتبحث عن خير الإنسانية. ربما تجدون أحلامنا وأهدافنا مثالية للغاية، مستحيلة التحقيق، لكن الأمر يستحق عناء المحاولة فلا تيأسوا أبدا وحاولوا مساعدتنا”.
الفقرة أعلاه مقتطعة من مقال من نحن الموقع باسم المجموعة العالمة في مجلة “آراء قيد الاعتقال”. الصفحة الثالثة.
“آراء قيد الاعتقال”. اسم طويل على مجلة. لكننا لا نحكي عن مجلة عادية. نحكي عن مجلة رئيس تحريرها يبلغ من العمر 15 عاما، تلميذة في الثانوي الأول اسمها غنى الزيباوي. أما التأسيس والإدارة العامة والإخراج الفني فلتلميذ اسمه أحمد عبد الله. مدير التحرير هو مصطفى نعمة. الصبية والشابان لم يبلغا السادسة عشرة بعد. “آراء قيد الاعتقال” ليست مجلة بالمعنى التقليدي إذا. هي مجلة تصدر عن طلاب ثانويين في صيدا. يتدفق كلام رئيسة التحرير نهرا... هل تعرفون كيف يكون إبن الخمسة عشرة عاما حين يتحمس لأمر ما. ما لم تكونوا في عمره فالأرجح أنكم نسيتم كيف كنتم. تذكروا إذا.
لماذا هذا الاسم؟ تقول غنى إن آراء جيلها ما زالت معتقلة. تحدد أكثر. الأهل والأساتذة. لا تتهم هذين الطرفين بالظلم أو بالقسوة... تتهمهما بأنهما لا يفهمان تماما على جيلها. بهذا المعنى فمن المفترض بالمجلة أن تعبر عن جيل غنى... عن رأيه المعتقل. وقد حددت افتتاحية العدد أنها ترفض اي تدخل خارجي. بداية موفقة.
لا تدخل خارجياً. تقاسمت عائلة المجلة المناصب بالانتخابات. المجلة ليست كما قد نتخيلها. مجلة بالأبيض والأسود إستنسخ منها عبر آلة التصوير مئتا نسخة دفع التلامذة أنفسهم تكاليفها ثم باعوا 180 نسخة للزملاء والأقارب بألف وخمسمئة ليرة للنسخة الواحدة التي كلفتهم 1300 ليرة.
التدخل الخارجي ممنوع في هذه المجلة لذا يفترض بالطلاب الذين يحضرون لعدد جديد يصدر في ايلول المقبل أن ينتبهوا إلى أخطائهم في الإخراج والتبويب وغيرها. التدخل الخارجي ممنوع لكن غنى سمحت بالنقد. لا نقد هنا. مجرد قراءة في المجلة التي تراها غنى “منبرا نحن بحاجة إليه للتعبير عن انفسنا”.
في الصفحة السادسة يكتب علي وهبي (الصف الثانوي الأول) مقالا بعنوان: تحية إلى الطبقة العاملة نقرأ فيه: “تحية للطبقة العاملة اللبنانية والعربية والعالمية، التي أثبتت مع مرور التاريخ أنها الطبقة الأساسية والضرورية لبناء الأوطان واقتصادها، فلا اقتصاد دون عمال ولا أوطان من دون طبقة عاملة”... ويختم علي: “حان الوقت لاتحاد أفراد الطبقة العاملة في لبنان بوجه رب العمل المتوحش الذي يستغل كل طاقاتهم بلا رحمة”. يذهب علي إلى موضوعه مباشرة ويكتب ما يفكر فيه من دون أن يحتال على الكلام. يسار؟ بالطبع. لكنه يسار لطيف وواضح. يسار صادق. بعد علي يكتب أحمد عبد الله بحثا حول الفقر. العنوان: لست بكافر... بل الجوع كافر. يوم الأسير. فلسطين. العراق. تمر صفحات المجلة الصغيرة (30 صفحة) مستعجلة الواحدة بعد الأخرى. لا تعود اللغة الغاضبة دوما خاضعة لأي نقد مفترض. فالمجلة مشروع يتحمل مسؤوليته طلاب في السادسة عشرة أمام جمهور يماثلهم سنا واهتماما وخبرة. وعلى عاتقهم يقع نقد هذا الجمهور المراهق. لنا أن نقرأ بعيونهم وإلا فلن نفهم ما الذي يكتبونه. لنا أن ننتبه إلى حماسة ما “للتغيير” تجعلهم يقدمون على “إنشاء” مجلة تبدأ من الصفر في كل شيء، في الأقلام الصغيرة التي خلقت مساحتها الخاصة والشديدة الحرية للتعبير، في التجربة التي تحتمل قبل الخطأ والصواب الاستفادة من تفاصيلها. ما الاختصاص الذي ستدرسه غنى؟ لا مجال للتردد في إجابتها: صحافة. حين تذهب إلى كلية الإعلام ستكون أول طالبة في الجامعة كانت رئيسة تحرير قبلا. كذلك أصدقاؤها. نحن نحكي عن أناس يعرفون ما الذي يفعلونه... أو أنهم يحاولون أن يعرفوا على الأقل.
هي حماسة مفتقدة. من النادر أن يجرؤ شباب في مثل سن هؤلاء على القيام بخطوة تبدو كبيرة كهذه. هم مصرون على عدد ثان. تقول غنى إن مواضيعه ستكون أكثر تنويعا وأكثر إلتصاقا بمشاكل جيلها وقضاياه. حماستها جارفة... على الصفحة الأخيرة تضع عائلة آراء قيد الاعتقال رسما لناجي العلي صار أيقونة في العالم العربي. حنظلة مديرا ظهره كما عادته يقول لرجل جالس بقربه: مقالك اليوم عن الديموقراطية عجبني كتير... شو عم تكتب لبكرا.
يجيبه الرجل: عم أكتب وصيتي.
صحافيون مراهقون قرروا صحافتهم وأخرجوا منها عددا أول. أعضاء “عائلة” آراء قيد الاعتقال، ما الذي ستكتبونه بكرا؟