هل فشلت التجربة الحزبية اللبنانية؟ ولماذا؟

رودريك كريّم
جريدة النهار (لبنان)
الأربعاء، 11 آب «أغسطس» 2004

     أربعة عشر عاما مرّت على انتهاء الحرب في لبنان. أربعة عشر عاما تشكل عمر النظام الجديد. نظام الطائف... وإعادة ترتيب التسويات مستمرة. اربعة عشر عاما والاحزاب اللبنانية تشارك الوطن أزماته: ازمة الزبائنية والاستزلام، ازمة التحالفات والولاءات، ازمة الثوابت وتحديد المفاهيم، ازمة البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ازمة التخلف الفكري والقيمي واخيرا ازمة الديموقراطية تنظيرا وممارسة. فمن يتحمل مسؤولية تدهور الحياة الحزبية في لبنان: المزاج الشعبي وقلة الثقافة الحزبية والسياسية، الاحزاب نفسها، النظام الطائفي... ام هذه الاسباب مجتمعة اضافة الى عوامل أخرى؟ 
 
كريم بقرادوني
كريم بقرادوني

كريم بقرادوني يعتبر ان احد اسباب فشل التجربة الحزبية في لبنان يتمثل في كون المجتمع اللبناني ما زال مجتمعا بدائيا، تحكمه العقلية القبلية. فهو على حد قوله "اقرب من الفكر العشائري منه الى الفكر الحزبي المؤسساتي". وغالبا ما تأخذ هذه العقلية اشكالا عدة "كميول هذا المجتمع الى شخصنة كل شيء، فيقولون الشمعونية بدل حزب الوطنيين الاحرار، ويقولون اده بدل حزب الكتلة الوطنية والعونيون بدل التيار الوطني الحر". 

هذه الازدواجية التي يعيشها المجتمع اللبناني بين الحداثة - الممثلة بالمؤسسات والاحزاب من جهة، والرجعية - الممثلة بالعشائرية والولاءات العمودية - من جهة اخرى جاءت نتيجة طبيعية لتراكمات ثقافية طبعت الفرد اللبناني وبالتالي المجتمع. 

توفيق هندي
توفيق هندي

من جهته يرى الدكتور توفيق هندي (المستشار السابق لقائد القوات اللبنانية) انه رغم بعض مظاهر الحداثة التي يتحلى بها الفرد اللبناني، ما زال المجتمع يعاني آفات، تجعله مشابها "لأكثر المجتمعات تخلفا في العالم". فالمشكلة التي تعانيها الاحزاب اللبنانية كامنة في البنية الاجتماعية - السياسية، الناتجة من مزيج من الاقطاع الآري والقبلية السامية - كما يصفها اوهانس باشا كيومجيان (آخر متصرف للبنان) - والتي تتمظهر في ما يسمى البيوتات السياسية الكبيرة والصغيرة، القديمة والمستحدثة، والتي تفرض سيادتها على الحياة السياسية والاجتماعية العامة والخاصة، بكل مفاعيلها. 

ويلاحظ هندي ان هذه البنية متجذرة بايديولوجيتها وانماط العلاقات الملازمة لها، في الاجتماع والسياسة "بحيث لا تكمن المشكلة في تصرفات هذه الزعامات فقط، انما ايضا في خضوع الفرد الذي يرتضي سلطتها عليه. فهذه الزعامات تحقق له مصالحه خارج المسالك القانونية والنظامية، وتحميه من ملاحقة الدولة المركزية - ايا تكن السلطة التي تتولاها - مقابل ولاءه الاعمى، واستزلامه البحت لها". ويتابع قائلا: "لبنان عبارة عن مجموعة دويلات، متناحرة، متنافسة تتشكل من البيوتات السياسية، التي يسعى كل منها الى اقتطاع حصة من سلطة الدولة المركزية لحساب دويلته الخاصة". 

هذا التوصيف المجتمعي الذي يتبناه الوزير بقرادوني والدكتور هندي، لا يشكل تربة صالحة لنمو الاحزاب ومأسستها، بسبب ضعف الفكر والثقافة المؤسساتية للفرد واستبدالهما بولاءات ضيقة وبدائية. فكلما اقتربنا من دائرة العشائرية تضيق مساحة العمل الحزبي والعكس صحيح. 

محمد عبدالحميد بيضون
محمد بيضون

اما النائب الدكتور محمد عبد الحميد بيضون (قيادي سابق في حركة "امل") فيعتبر أن علاقة الاحزاب اللبنانية بجمهورها، تمر عبر قناتين لا ثالثة لهما: 
   1- قناة الطائفية والمذهبية. 
   2- قناة شخصية الزعيم. 

فالعمل الحزبي في لبنان غالبا ما يرتبط بصورة الزعيم ويعمل من اجله. اي ان القرار بيده والنظام العام مختصر بشخصه. نتيجة لذلك تنحرف العلاقة، من علاقة جمهور بحزب لتتحول علاقة جمهور بزعيم، وعندها يطغى طابع المحسوبيات والزبائنية على حساب العلاقات الحزبية السليمة. وهنا مكمن الخطورة، فنمط العلاقات السائدة (بين الجمهور والزعيم) يربي المجتمع على ثقافة القبول بموضوع الوراثة السياسية المنافية لثقافة العمل الحزبي المؤسساتي. 
 

النظام السياسي

     نتج من تركيبة المجتمع اللبناني نظام سياسي وثيق الارتباط بالنسيج الطائفي والتعددي لهذا المجتمع. فكان واضحا ان اي محاولة تغييرية، تسقط من حسابها الاعتراف الفعلي بحقيقة التنوع الطائفي واختلاف الرأي والتوجهات، ستؤدي الى كسر العمود الفقري للديموقراطية الهشة القائمة في بلد تعددي كلبنان. 

من رحم هذا الواقع ولد النظام اللبناني: نظام مبني على اشكال من الديموقراطية التوافقية والتوزيع الطائفي للسلطة، ادت ممارساتها الخاطئة الى تفكك السلطة المركزية وتجاذبها من الطوائف عبر نخبها. 

هذه الممارسات انعكست سلبا على الحياة الحزبية السليمة، فتداخل الحزبي بالطائفي والطائفي بالمذهبي والزعامات التقليدية بالمؤسسات الحديثة... 

يقول الوزير بقرادوني: "كما يكون النظام تكون الاحزاب. والنظام اللبناني، باعتباره نظام الافراد والعائلات، نظام الاقطاع التقليدي والاقطاع المالي، اصبح يحاصر العمل الحزبي من زاويتين: 
   1- زاوية العشائرية التي تكتسب غالبا صبغة الطائفية. 
   2- زاوية الرأسمالية المسيطرة في المجتمعات البورجوازية، والتي تكتسب غالبا صبغة المال والفساد". 

ويعتبر بقرادوني انه بقدر ما يكون النظام السياسي ديموقراطيا، بقدر ما تنمو الاحزاب. كما يؤكد ان النظام الحالي، ان لجهة قوانين الانتخاب المتتالية او قانون الجمعيات والاحزاب او قانون اللامركزية الادارية، لا يساهم بجوانبه المجتمعة تلك، في توسيع مساحة العمل الحزبي، بل بالعكس فهو يساهم بإنتاج واعادة انتاج القوى التقليدية على حساب الاحزاب. ويتابع: "الظاهر ان السلطة ترتاح اكثر في التعامل مع الافراد بدل تعاملها مع الاحزاب. فالفرد مهما علا شأنه يبقى محدود التأثير والمطالب، بينما تكون برامج الاحزاب ومطالبها، اكبر واوسع بكثير". 

بالاضافة الى مشكلة الديموقراطية السائدة على مستوى النظام اللبناني، تأتي التركيبة الطائفية لتقلص مساحة العمل الحزبي اكثر فأكثر. فالنظام الطائفي يولّد احزابا طائفية، وهذه الاحزاب لها مصلحة في الحفاظ عليه، مما يؤدي الى الدوران في الحلقة المفرغة. 

وفي هذا المجال يقول بقرادوني: "بعد تجارب عدة ثبت ان النظام اللبناني اقوى من احزابه، لا بل اقوى من الحرب. فعلى ابواب هذا النظام سقطت الحروب، وسقطت الجيوش وسقط الاقتصاد وسقطت الاحزاب وبقي النظام". 

هذا الامر ليس موجودا في اوروبا على سبيل المثال. فالاحزاب الاوروبية اقوى من انظمتها. تتغير من ملكية الى جمهورية، وتنتقل من الجمهورية الاولى الى الخامسة كما في فرنسا، وذلك بقوة دفع الاحزاب. 

هذا ما لا نراه يحصل في لبنان، والسبب يعود في رأي الوزير بقرادوني الى ان الطائفية في المجتمع اللبناني اقوى بكثير من العقائدية ومن البرامج السياسية. 

إلياس عطالله
الياس عطاالله

اضافة الى العقبات الممثلة بعقلية المجتمع اللبناني وثقافته السياسية من جهة، والنظام الطائفي من جهة اخرى، يرى الياس عطاالله (عضو سابق في الحزب الشيوعي ومن مؤسسي حركة اليسار الديموقراطي) ان مكمن المشكلة هو في نموذج الاحزاب السائد المنافي للديموقراطية. "فمعظم التشكيلات الحزبية في لبنان تجافي بشكل كامل الآليات الفعلية للديموقراطية الممثلة بنصوص وضوابط، وتغرق هذا الموضوع بكم من الكلام والتمجيد الشكلي من دون صوغ آليات فعلية لصون حق الفرد والاقليات". 

هذا العقم الحزبي - الديموقراطي ناتج من اعتماد "الديموقراطية المركزية" على مستوى الهيكلية التنظيمية لأغلب الاحزاب اللبنانية. وبالتالي، فالتساوي بين قطبي المركزية والديموقراطية هو مفهوم مبيّت لإلغاء كل الاسس الديموقراطية للمؤسسة الحزبية، لا بل يحمل في طياته معنى تغليب المركزية، ما يؤدي الى انتاج اشكال من الديكتاتورية والشخصانية. 

على هذه الثنائية "الديموقراطية المركزية" وضعت دساتير الاحزاب. فأصبح من غير المنطقي ان تقول الاحزاب علنا وامام الرأي العام انها تسعى الى تحول ديموقراطي متدرج بمشاركة الناس، وتبقى على المفاهيم المركزية المحددة لحياة الاحزاب. 

ويسأل عطاالله: "كيف يمكن حزباً ينطلق من قدسية الطاعة وقدسية الاوامرية المستندة الى مبادئ المركزية، المخففة بكلمة ديموقراطية، بغاية التضليل، ان ينتج ديموقراطية في المجتمعات؟ فنحن هنا كمن يقول: يمكن لسكين ان تكتب". 

ومشكلة الديموقراطية على مستوى البنيان الحزبي تعانيها الاحزاب اللبنانية على مختلف تلاوينها: التشكيلات الدينية، الاحزاب الماركسية والقومية والاحزاب ذات القواعد الطائفية. 

هذه الاحزاب تتشارك المنطق نفسه وتعتمد الآليات عينها وتهدف الى تحقيق الاهداف ذاتها. تنطلق من تعظيم الارادوية وفكرة التغيير القطعي، ومبدأي الاوامرية والطاعة، انما كل منها يسـتخدم تعابيـر متـباينة في الشكل. 

ويتابع عطاالله: "بدل القرار الحزبي عند الشيوعيين وفرض الطاعة من اعلى الى ادنى، يعتمد "حزب الله" مثلا، الفتوى الدينية، والنتيجة واحدة. التنفيذ من دون وعي، الطاعة غير المشروطة، نفذ ثم اعترض، وبما ان الاعتراض لا آليات له، يبقى نفذ وسرعان ما يدخل الاعتراض في تصنيف الخيانة". 

بدوره لا يبرئ الدكتور هندي حتى الاحزاب التغييرية من فشل تجربتها التغييرية. فهندي الذي يذكّر بمقولة فاقد الشيء لا يعطيه، يرى ان التنظيمات والاحزاب التي ارادت ان تطرح نفسها كقوة تغيير، لم تتمكن من مواصلة الطريق وصولا الى تحقيق الهدف المنشود. فتحولت، او هي على طريق التحول "من جماعات سياسية تلتف حول مشاريع وطنية وتغييرية، الى مجموعة ازلام، تدين بالولاء البدائي لزعيم بيت سياسي مستجد، يختصر "القضية" بشخصه ويشكل "نموذجا مسخا" لتلك الزعامات التي طرح نفسه اصلا بديلا منها". 

ويتابع هندي: "هذه حالة غالبية الاحزاب اللبنانية التغييرية وغير التغييرية، حيث الرئيس ابدي، سرمدي لا يرثه الا ابنه او زوجته او شقيقه او ابن اخيه او حفيده او اقرب الناس اليه بالدم. فالسياسة في لبنان، كما في اكثر البلدان تخلفا، لها علاقة وطيدة بالجينات او بعقد الزواج او سره لزعيم البيت السياسي". 

من جهة اخرى يرى الدكتور بيضون ان غياب البرامج والخطط، سواء كانت سياسية، اقتصادية او اجتماعية تساهم بشكل اساسي في تعميق جراح الحياة الحزبية "فالاحزاب اللبنانية تكتفي بحمل الشعارات الفضفاضة من دون التطرّق الى جوهر المشاكل والقضايا المطروحة، والعمل على استنباط الحلول لها. وربما المثل الاوضح حاليا، هو اكتفاء الاحزاب اللبنانية بالنقد وتسجيل الملاحظات، من دون العمل على برامج اقتصادية، في ظل الازمة الاقتصادية التي يعانيها البلد". 
 

الخروج من الازمة

     بناء لما تقدم من تشخيص لبعض العقبات التي تقف عائقا في وجه نمو التجربة الحزبية في لبنان، كان لا بد من طرح بعض الاسئلة المركزية: 

- كيف يمكن كسر الحلقة التي تدور فيها الاحزاب اللبنانية واصلاح وضعها الحالي؟ 

- كيف يمكن انتاج نخب حزبية جديدة، طالما ان "كارتيل" الزعامات والبيوت السياسية يهيمن على الحياة الطالبية عبر ترؤسها وبالتالي توليد النخب الموالية لها؟ 

عن هذه الاسئلة يجيب عطاالله، ان اي محاولة اصلاح للحياة الحزبية، يجب ان تركز على ضرورة تغيير الصيغة الحزبية بكل ابعادها، وذلك عبر اضعاف المركزية باعتماد مبدأ الديموقراطية، الغاء مبدأ الطاعة الادنى للاعلى والاقل للاكثر، واحلال مبدأ الالتزام، لأن الالتزام هو نقيض الاوامرية والطاعة وينطلق من الاقتناع والاحساس بالحق. 

بينما يرى الوزير بقرادوني ان الخروج من هذا الوضع يرتب على الاحزاب اتخاذ سلسلة اجراءات، اهمها: نقد ذاتي حقيقي، التحول الى العمل المؤسساتي وليس الوراثي، التكلم بلغة البرامج السياسية وليس بلغة العشائرية والرأس مالية. 

ويتجه طرح الدكتور هندي اكثر نحو العملانية، اذ يطرح فكرة تشكيل سياسي يخرج الحياة الحزبية من مأزق الاختيار بين حزب طائفي يحمل في بنيته خطر الانزلاق نحو ممارسات غير توافقية، او حزب غير طائفي لا يتلاءم مع طبيعة المجتمع اللبناني. وعليه، فهو يدعو الى التوجه نحو تشكيل حزبي يتشكل من منبرين: احدهما مسلم والآخر مسيحي، لكل منهما شيء من الاستقلالية، وتتجمع في هذا التشكيل النواة الفاعلة ذات المصلحة الحقيقية بالتغيير، والتي تسعى الى استقطاب الجزء الاكبر من الشعب اللبناني، الذي يئس من الطبقة السياسية الموالية وجزء كبير من المعارضة، على حد سواء. 

ويؤمن هندي ان هذا التشكيل "يجب ان يكون نموذجا حيا للعمل المؤسساتي، بحيث ينظم التنافس الايجابي بين اعضائه على قاعدتي المصلحة العامة والانتخابات الديموقراطية". 
 

* * * 

     في زمن يمر فيه الوطن بأشد ازماته السياسية والاقتصادية، تنازلت الاحزاب عن دورها الطليعي بقيادة دفة التغيير والارتقاء بالمجتمع والبلاد باتجاه آفاق اكثر اشراقا. واذا كان تغير شيء منذ ما بعد الحرب حتى اليوم، فهو توأمة الاحزاب اللبنانية "بشقيقاتها" العربيات فأصبحت جزءا لا يتجزأ من النظام بفساده وتبعيته!

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic