أكثر من مائتي شخصية شيعية ستلتقي على الغداء اليوم في مقر السيد علي الأمين في دار الافتاء الجعفري في صور. الدعوة اجتماعية والتلبية الحاشدة ربما هذا هو “سرها”. لكن إبعاد السياسة عن صحون اللقاء لا يلغي حقيقة النتائج السياسية التي ستترتب عنه سواء قبل المشاركون ذلك ام رفضوا، ولعل الأقلام ستجتهد كثيرا بدءا من صباح الغد في الاجتهاد والتحليل وسيكون هناك حجم للمبالغة ولكن حتما سيكون هناك محل للواقعية في استنتاج ما يمكن استنتاجه.
أبرز المشاركين في الغداء هم: الرئيس نبيه بري، المرجع السيد محمد حسين فضل الله، نائب أمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم. اما أبرز الغائبين فهو نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان وأسبابه كثيرة وربما أمكن لبيان المجلس الذي التأم امس بهيئتيه الشرعية والتنفيذية ان يقول بعضها.
قال بيان المجلس الشيعي الآتي: “ان نداء الامام الصدر للبنانيين عام 1969 حدد دور المجلس الشيعي الذي وجد ليكون قوة مواطنية صادقة تنصح وتراقب وتطالب وتقوم برأب الصدع وتمنع الاهمال وتحول دون التفرقة. وقد اسس الإمام الصدر هذا المجلس ليكون مؤسسة وطنية ومرجعية رائدة تمثل الاعتدال وتجسد الاستقامة. وهو منفتح على كل المذاهب والطوائف وكان ولا يزال دعامة من دعائم الوطن”.
ولكن ماذا في جعبة المقربين من المجلس الشيعي؟ يقول المقربون ان الاتجاه الذي كان سائدا في أوساط المجلس في ضوء احداث النجف هو الدعوة الى اجتماع موسع للهيئتين الشرعية والتنفيذية في المجلس الشيعي لتحديد الموقف المناسب (عقد الاجتماع امس)، ولكن فجأة، انبرى من يروج للقاء أهل “البيت الشيعي” في صور وغاب عن بال هؤلاء ان المجلس هو البيت الشيعي ومن قرر ان يكون خارجه انما قرر ذلك بملء إرادته، لكن الامام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين ومن بعده نائبه الشيخ عبد الامير قبلان قد عملا ليكون المجلس بعيدا عن الانقسامات السياسية الشيعية وتركها خارج أبواب المجلس والانفتاح في الوقت نفسه على جميع أطياف الطائفة الشيعية.
ويعترف المقربون من المجلس بوجود رغبة بتطوير أوضاع المجلس عبر رزمة مشاريع واقتراحات قوانين موجودة في أدراج رئيس المجلس النيابي فإذا قرر الافراج عنها تم تطوير بنى المجلس وانتخاب رئيس جديد خلفا للراحل شمس الدين، لكن لا جواب واضحا حتى الان حول سبب بقاء هذه القوانين مجمدة في الادراج.
هناك رائحة صفقة يستشعرها الشيخ قبلان ولا يجاهر في الحديث عنها. بعد زيارتي الرئيس نبيه بري الى السيد فضل الله، كثر القيل والقال من حول قبلان. هل هناك محاولة لإدخال “السيد” الى المجلس الشيعي وهل يكون هكذا دخول على حساب “حزب الله” وماذا عن تركيبات تطرح للمجلس الشيعي كالقول ان قبلان سيأتي رئيسا ويكون السيد علي فضل الله نجل السيد محمد حسين فضل الله نائبه؟
الاجواء أثارت نقزة لدى قبلان الذي كان يتمنى ان يأتي السيد فضل الله الى البيت الشيعي الحقيقي من أبوابه الشرعية التي لا تبعد عن دارته اكثر من مائتي متر. اما الذهاب الى صور او غيرها فهو سابقة لا يمكن لقبلان ان يقبل بها مهما كانت الاسباب التخفيفية للداعين والحاضرين. ولذلك جاء القرار النهائي لقبلان: “لن احضر شخصيا ولن ارسل من يمثلني... لماذا صور وليس المجلس الشيعي واذا كان احدهم يقول انه كان غير مرغوب به في زمن الشيخ شمس الدين فإن واقع الحال غيره اليوم؟”.
في المقابل، يبدو السيد محمد حسين فضل الله في مكان آخر. ليس في وارد أي صفقة من أي نوع كان. كل ما في الأمر أن السيد علي الأمين وبعد انتهاء “السيد” من تدشين إحدى مبراته في صور الشهر الفائت، تلقى دعوة للغداء من الأمين، إلا أن “السيد” اعتذر لارتباطات مسبقة واعدا بالتلبية لاحقا. بعد حين تكررت الدعوة مع تعهد من الرئيس بري بالمشاركة شخصيا. رحب “السيد” بالفكرة من باب اللياقة في تلبية دعوة اجتماعية بحتة ومن دون أن يتنازل عن قاعدة: “أنا أُزار ولا أزور”. أما في ما خص ما يروج عن تركيبات للمجلس الشيعي فإن عارفي “السيد” قالوا انه يعتبر نفسه فوق التركيبات المحلية وهو طالما كرر على مسامع سائليه: “أنا لا أنتخب ولا أُنتخب” وهذا الأمر ينطبق عليه وعلى أولاده. إذا “الغداء مناسبة اجتماعية بحتة لا عنوان سياسيا لها لا من نوع البيت الشيعي ولا العراق وغيره ولا جدول أعمال في الأصل للبحث ومن الظالم أن يحمل أكثر مما يحتمل” يقول المقربون من “السيد”.
في الأصل يعتبر الأمين أن السيد فضل الله ظلم من “أهل بيته” وهو يستحق دائما أن يكرم. العلاقة بينهما لم تكن مقطوعة في يوم من الأيام. صحيح أن الأمين كان محسوبا في مرحلة معينة في خط “حزب الله”، وهو ابتعد تدريجيا وتقرب في المقابل من بري حتى صار مرشحا في الآونة الأخيرة لمنصب نائب رئيس حركة “أمل” إلا انه لم يبتعد عن “السيد” وبقيت قنوات الحوار مفتوحة بينه وبين “حزب الله”. الأمين صاحب طموحات بهذا المعنى، ولكنه بالتأكيد ليس صاحب الفكرة اللامعة في لقاء صور بقدر ما هو سهل للرئيس بري أن يزور “السيد” عاصمة “إمارة أمل” في الجنوب أي مدينة صور المعقل التاريخي للحركة وللرئيس بري وهو الأمر الذي كرسته وقائع الانتخابات البلدية الأخيرة. ورب قائل انه لو كان بري يريد للقاء ان يعقد في غير صور وتحديدا في المجلس الشيعي، لأمكن له ان يفعل ذلك غير ان النتائج لن تجير لمصلحته مباشرة. المسألة في صور مختلفة عن عداها وبالتالي بري يقترب من “السيد” والاخير يقترب منه وعلى الباقي ان يعدلوا جدول اعمالهم وحساباتهم على هذا الاساس، ولو ان هناك من يصر على القول انه مهما بلغ تنسيق “السيد” مع بري فانه لن يحصل ابدا على حساب العلاقة مع “حزب الله”.
من المدعوين الذين “نقزوا” من الدعوة وتحفظوا عليها السيد محمد حسن الأمين الذي اعتذر من مفتي صور عن تلبية الدعوة، أما السيد هاني فحص فقال للداعين: “بصراحة أنا أحاول إقناع نفسي بان الاجتماع سيكون مجديا.. لكن لم افلح بذلك وليس بهذه الطريقة تعقد الاجتماعات”.
الاجتماع واقع والعدسات ستفاجىء مأدبة السيد علي الامين. لن يكون بمقدوره ان يحصيها. ستلاحقه العدسات أياما وعلى غيره ان يقوم بجني القطاف وربما سيكون “السيد” للمرة الاولى في دائرة المحاسبة من دائرة المحبين له سواء اكانوا من مقلديه او من الذين يحترمون مكانته الدينية والفكرية والانسانية. هكذا تفرض الوقائع ولو حاول صانعوها ان يحملوها أبعادا مختلفة.