خطورةُ افتعال الفرز بين الحلفاء

 نصير الأسعد
جريدة المستقبل (لبنان)
السبت، 28 آب «أغسطس» 2004

     في وقت تمرّ الساعات ثقيلة الوطأة على الوضع اللبناني منذ أن أعلن رئيس الجمهورية إميل لحود رغبته في تجديد ولايته ست سنوات إضافية، وبعد أن بدا واضحاً أن ثمة ميلاً تقول المعلومات أن دمشق تدعمه نحو الإسراع في حسم هذا الخيار، توقفت أوساط سياسية عدة أمام عدد من الملاحظات في موازاة اللقاءات التي يعقدها الرئيس بشار الأسد مع القيادات اللبنانية.

أولاً ـ بحسب "المصادر القريبة من العاصمة السورية" التي تحدّثت الى الإعلام مساء أول من أمس، أي بعيْد استقبال الرئيس الأسد للرئيسين نبيه بري ورفيق الحريري، فإن الرئيس السوري وضع "الحلفاء اللبنانيين" في أجواء الضغوط التي تواجهها سوريا، وتحدث الى هؤلا الحلفاء عن "التحالف اللبناني العريض" الذي تستند دمشق إليه في هذه "المواجهة" و"على رأسه الرئيس لحود"، وأبلغهم أن "على الحلفاء الذين يعتبرون أنفسهم حلفاء فعليين لسوريا أن يكونوا معاً في هذه "المواجهة". وذكرت المصادر نفسها أن الأسد "شرح للحلفاء الوضع بحيث يبني كل حليف حساباته في موقع التحالف مع سوريا أو خارجه".

من منطلق هذه المعلومات المنسوبة الى مصادر قريبة من دمشق وإذا صحّت هذه المعلومات، تكون سوريا برأي أوساط سياسية عدة قد اتخذت قراراً باعتبار الاستحقاق الرئاسي اللبناني المقبل "ساحة" من "ساحات المواجهة" مع الولايات المتحدة التي تكثّف ضغوطها على دمشق في هذا الموضوع وغيره، كما أن سوريا تكون قد اتخذت قراراً باعتماد لحود عنواناً لهذه "المواجهة".
 

الفرز بين الحلفاء ومع.. البطريرك والمعارضة

ثانياً ـ وترى الأوساط السياسية أن الحسم السوري باتجاه لحود ووضع المصادر القريبة من دمشق هذا الحسم في خانة المواجهة مع واشنطن، إنما يعني أن قنوات التفاوض بين سوريا والولايات المتحدة محكمة الإغلاق، أو أن دمشق تقدّر أن رد الفعل الأميركي حيال "خيار لحود" لن يكون قوياً. لكن ما تلفت إليه هو أن تقديم "خيار لحود" على أنه عنوان "المواجهة" يقود الى فرز بين حلفاء سوريا من جهة والى مزيد من الفرز على الصعيد اللبناني العام من جهة ثانية. ذلك أن الاعتراض على تعديل الدستور وعلى التجديد للحود، قائم بين حلفاء سوريا، أو بكلام أدقّ بين من استمرّت دمشق في مخاطبتهم كحلفاء الى ما قبل يومين. وبكلام أوضح أن تقديم "خيار لحود" على الأساس المشار إليه آنفاً جعل الرئيس رفيق الحريري والزعيم وليد جنبلاط مطالبيْن بالبرهنة على أنهما ليسا أميركيين وأنهما حليفين طبيعيين لسوريا!... ودائماً إذا صحّت معلومات المصادر المقرّبة من دمشق.

ثالثاً ـ وفي تقدير الأوساط أنه في ضوء واقع أن اللقاءات التي أجراها الأسد مع القيادات اللبنانية وضعت تحت عنوان الحوار مع الحلفاء، فإن استبعاد المعارضة عن هذا اللقاء يؤشر الى أن دمشق لا تصنّفها في دائرة الحلفاء، كما أن عدم البحث مع البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير يضعه تالياً خارج موقعه الحقيقي الرافض للمراهنات على أميركا. وفي ذلك مزيد من الفرز على الصعيد اللبناني العام.
 

جنبلاط وصفير

رابعاً ـ وتعرب الأوساط عن اعتقادها أن الاستحقاق الرئاسي لم يكن يستحق الدفع باتجاه فرز هو غير حقيقي في الواقع، تماماً كما ليس حقيقياً اعتبار "خيار لحود" عنواناً لمواجهة الضغوط الخارجية، أو بالأحرى ليست للمواجهة صيغة واحدة.

فإذا جرت قراءة "وثيقة النقاط العشر" التي أعدّها وليد جنبلاط، وإذا تمّت العودة الى تصريحاته، وقد طرح "اللبننة العربية" شعاراً، سيكون مضحكاً استنتاج أن ما قدّمه يشكّل انقلاباً على العلاقة اللبنانية ـ السورية أو على المصالح الاستراتيجية الحقيقية لسوريا. ذلك أن جنبلاط المعارض لتعديل الدستور وللتجديد، هو أكثر السياسيين اللبنانيين إداركاً لمعنى التحالف مع سوريا وأكثرهم التزاماً لنهج مواجهة "الشروط الإمبراطورية" للولايات المتحدة، وهو القائل أن التمسّك بالخصائص اللبنانية لا يتناقض مع الالتزام الوطني والقومي.

والى ذلك، تضاف حقيقة أن جنبلاط الذي يرفض كل ما يقود الى ترسيخ وجود "دولة أمنية" في لبنان، في ضوء تمسّكه بالديموقراطية والحريات، يطرح تسوية جدية بين لبنان وسوريا في إطار العلاقات بين البلدين، بما يخرجها من دائرة الضغوط التي تتعرّض لها، وهي تسوية يمكن أن يتحقّق إجماع لبناني حولها، فيما تثير الصيغة الراهنة لأداء العلاقات الكثير من الإشكاليات. وبهذا المعنى، فإن "اللبننة العربية" هي التحالف مع سوريا في موازاة توسيع دور الداخل اللبناني نحواستعادة دوره ... هي نوع من "الاستقلال الذاتي" أو "الحكم الذاتي اللبناني" في إطار التحالف مع سوريا، الأمر الذي يُسقط كل مبرّرات الضغط على العلاقة اللبنانية ـ السورية. وليس خافياً هنا أن جنبلاط الذي يرى بالتجربة أن الرئيس إميل لحود الذي شكّل "حصان سوريا الأبيض" في لبنان لم ينجح في إخراج هذه العلاقة من دائرة الالتباسات الى رحاب الجدية، يرى في المقابل أن أحداً من العاقلين في لبنان لا يرفض معادلة جديدة تفرز بين المنطق الاستراتيجي للعلاقة وبين المصالح الضيّقة والخاصة للبعض هنا وهناك وتسأل هل يستكثرون على جنبلاط المناداة بـ"حكم ذاتي"لبلده ؟ !.

كذلك تعتبر الأوساط أنه سيكون مضحكاً أيضاً استنتاج أن ما يقول به البطريرك صفير إنحياز مع أميركا ضد سوريا، وهو الذي رفض طيلة السنتين الماضيتين خصوصاً، الحرب الأميركية في المنطقة وكل مفاعيلها، ودعا الى مراجعة العلاقة بدمشق لتطويرها وتحصينها. وتضيف أن الحرص المشترك الذي يبديه صفير وجنبلاط، من دون تنسيق، على النظام الديموقراطي الذي سيؤدي تعديل الدستور الى "إعطابه"، هو من باب التمسك بديموقراطية لبنان علّة وجوده في المنطقة، وبديهيّ أنه إعلان لقدرة لبنان حيث ثمة دستور قائم وديموقراطية برلمانية موجودة، على الصمود في وجه الضغوط الغربية تحت عنوان "الديموقراطية".
 

الاستنفار السياسي

خامساً ـ وفي معرض تسجيلها للملاحظات، تبدي الأوساط نفسها تقديرها أن الحسم السوري بـ"خيار لحود" مقدّماً على النحو المشار إليه، سيتبعه "استنفار سياسي" حاد لا حاجة للبنان به. وإذا كانت "الحملة" التي أعقبت اللقاءات في دمشق خلال اليومين الماضيين، مؤشّراً الى هذا "الاستنفار"، فينتظر أن يبلغ الاستنفار ذروته عندما يعلن "حزب الله" بوضوح انحيازه الى "خيار لحود" الذي تدعمه دمشق. وتضيف الأوساط هنا أن "حزب الله" الذي سعى خلال الفترة السابقة الى "كتمان" خياره حتى اللحظة الأخيرة، إنما كان يفعل من منطلق الحرص على تجنّب أن يكون "رأس حربة" التجديد من ناحية والعمل على عدم مرور الاستحقاق الرئاسي بممرّ "كسْر" من ناحية ثانية، وإن لم يكن الحزب معارضاً لتعديل الدستور في المبدأ.

سادساً ـ وفي انتظار كلمة الرئيس الحريري الأخيرة في هذا الموضوع، تتساءل الأوساط عمّا إذا كان "التخيير" الذي وضع فيه بين أن يكون مع المواجهة بـ"خيار لحود" تأكيداً لتحالفه الأكيد مع سوريا أو أن لا يكون حليفاً سوريا بخيار آخر، منطقياً وهو الذي "أشهر" علاقته بسوريا كما لم يشهرها زعيم لطائفته من قبل، أو ما إذا كان صحيحاً وضعه في هكذا مناخ من "الإحراج" وهو الذي حمل راية هذه العلاقة في كل المحافل.

على أي حال، فإن الأيام المقبلة لـ"ناظره قريب"، والأوساط تتطلّع الى ألا يكون "الممرّ" الى الاستحقاق متوتراً وقاسياً.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic