الغضب 

 المطران جورج خضر
جريدة النهار (لبنان)
السبت، 28 آب «أغسطس» 2004
المطران جورج خضر

     كنا في المجمع المقدس في دير مار الياس شويا في ضهور الشوير نتناول القهوة بعد الغداء في الطابق الاول والنوافذ مفتوحة. جاء احد المغتربين وسمع اسقفا يصرخ (ربما كان يتكلم بصوت عال، حمس اذ لا تستطيع ان تصرخ في حضرة البطريرك). سأل من هذا الذي يصرخ. قيل له هذا المطران خضر. بعد اسبوعين او ثلاثة اصطحبني هذا الرجل في سيارته الى قريته اذ كان مزمعا ان يقيم عرسا لابنه وكان علي ان اجري الاكليل. على الطريق سألني اذا قلت لفظة سيارة بصوت عال او صوت منخفض هل يتغير المعنى. ثم قال اذا لفظت كلمة طريق بصوت صارخ هل يقوى المعنى، قلت لا. قال لي: لماذا كنت تصرخ في المجمع. اخذت من كلام هذا المغترب درسا ما نسيته في حياتي وحاولت ان اتروض على الهدوء. الله وحده يعلم لست اعلم اذا ادركت الهدوء كله. هذا يقتضي ان تسكت فيك كل الشهوات اذ الغضب من الشهوة يبرز. فليس صحيحا ان هذا مزاجه غضبي وان ذلك مستكين الى الابد. فالغضوب قد يحلم. ومن سلم صوته من الصراخ قد يقف فيه اذا مال الى شهوة في النفس فانفجرت. 

القضية ليست قضية تطويع الارادة. فالارادة اداة وليست مصدر شيء. انها ليست طاقة والمبتغى ان تفتش عن الطاقة التي تولد فيك السلام الداخلي الذي يجعلك خفيض الصوت. اذكر هنا ان باسيليوس الكبير اوصانا ان نعطي صوتنا الحجم الذي يحتاج اليه لنبلغ من نخاطبه الفكرة. ما كان ابعد من هذا او اضخم فهو صراخ. قيل عن المسيح في متى “لم يسمع احد صوته في الشوارع”. فالآخر قائم وانت كليمه وانت جليسه. انت لست في غابة لتصيح. في المجالسة لا يجوز الصدى. بعض من غضب يأتي اذاً من كونك لا تعرف ان الآخر يطلب ما في عقلك من معنى. ان تقر بالآخر هو انك تعرفه في عالم المعنى وانك عن هذا العالم لست بمقصيه اي انك تدرك انكما عقلان يتعاملان ويتفاعلان وانك طالب من الآخر المعنى كما هو طالبه منك. كل ما كان غير هذا ضجيج عصب. 

كنت احتسب لما كنت اكثر احتدادا من اليوم اني في ثورة غضبي لست اشتم وان الآخر تاليا باق في كرامته حتى ادركت ان من يسمعني يتأذى ابدا اذ يحسب اني ضده واني لولا ذلك لما غضبت حتى فهمت ان الغضب بحد نفسه اقصاء للآخر وتجريح. 

مرة قبل الحرب وبخت بنبرة شديدة خادما لي (نسيت الآن اية نقيصة ارتكب). عدت الى المصيف ووبخني ضميري ولم استطع ان انام. فقلت في نفسي اني ما نبرت امام الرجل الا لكونه اجيري وتابعت التأمل قائلا في نفسي: لو كان امامي ذات من ذوات طائفتي وكان مرتكبا ذنبا لما نبرت. انا استغللت صفتي معطي الاجرة لهذا الخادم حتى زجرته فاحتقرت نفسي. هناك دائما سبب للغضب. ليس الغضب مصدرا لذاته. 

هو يمدك دائما بتحكم او يأتيك من تحكم. انه في تأثيره دائما اذلال ولو لم ترده واعيا. هو دائما قسوة والقسوة تؤتاها من علوك، هذا الذي ظننت نفسك عليه. اذلال اذاً كبرياء. والكبرياء في كثافتها ليست فقط اقصاء. انها الغاء. فمن تعلو به الرتب وكان مسؤولا عن قوم هو الذي يليق به ان يكون حليما. لذلك اشترط بولس على الاسقف الا يكون غضوبا (تيطس 7:1) والح على تلميذ له آخر الا يزجر شيخا (1 تيموثاوس 1:5). وفي هذا المنطق اقول انك لو زجرت كل الناس فلا يحق لك ان تزجر الفقراء لأنهم يحسون انك استعليت. اجل عليك ان تؤدب الناس ان كنت في مقام يسمح لك بالتأديب ولكن هذا ممكن ان يكون بالحنان والرأفة. وبخ بشدة ما شئت على الا تشعر من توبخه انك خصم شخصي له. يجب ان يفهم انك ضد الخطيئة ولست عدوا للخاطئ. فالخاطئ ايضا حبيب لله وان لم تستطع اكرامه فأقله ان يعف لسانك ليدرك انك حر من العدوان. 

اما العدوان الكامن ابداً في الغضب فيتكلم عليه السيد في عظة الجبل: “سمعتم انه قيل للاولين: “لا تقتل، فإن من يقتل يستوجب حكم القضاء” اما انا فأقول لكم: من غضب على اخيه استوجب حكم القضاء” (متى 21:5). ما من غضبة واحدة ليس فيها شعور استبعاد للآخر او تنحيته من امام وجهك او تحريم بعض من وجود. وهذا كله لون من الوان الضرب واكثر الضرب ليس بالعصا. 

هنا تحضرني ذكريات الوعظ لما كنت كاهنا شابا. كانت حماستي الدينية بسبب رفع صوتي تفهم على انها غضب. التأثر لا يجيز لك كل نبرة. واذا بححت واعظا فيعني ذلك انك تنتقم من واحد او كثرة لأنهم صدموك او اغاظوك فتغلف انزعاجك بالصراخ بما يعني انك لم تغفر. انت تحمل خطايا الناس ولكنك لا تقاتلهم اذا عصوا. هناك ديان ينتظرهم هو وحده ويحق له الغضب ولم يفوض اليك وكالة غضب على هذه الارض. حلل الخطيئة ما استطعت واكشف خبثها واذاها وادع الى التوبة برأفة. هكذا تهدي من سمعك. اجل يقول ارميا ان عليك ان تهدم وان تبني. لكن الهدم هنا يعني ان تبين شر المعاصي ومن بعد هذا ان تزرع الرجاء في النفوس وان تلملم الخزف المكسور لتجعله اناء جميلا. 

في الخطابة الوطنية او السياسية القاعدة هي نفسها. فأنت لست تعادي المسؤول في الدولة. اكشف عورات الحكم في تفحص دقيق. واذا استطعت الهدوء في الخطاب السياسي تغلب الخصم بصورة محكمة. 

حاول ان تعرف ما يدفعك الى المخاصمة النابرة وتداوَ من بعد هذا. ولعل اهم ما في معالجة نفسك ان تعرفها ضعيفة. لذلك يبقى المتواضع وديعا ولو هوجم بعنف. اما اذا عظمت في عيني نفسك او عظمك المتملقون فتحقد على من تحسبه لا يعترف بخصالك وتغتنم فرصة للانتقام منه. كذلك يلعب الجنس غير المسترضى دورا في الغضب كبيرا. لذلك نرى الزوج الذي لا تطاوعه زوجته في كل ما يشتهيه ضرابا وسيئ المعاملة او يزعجها كثيرا ليغطي خياناته فيصيل الى ما يشبه الجنون ولهذا قال يوحنا الذهبي الفم “ان الانسان في حالة الغضب يشبه المجنون كليا (العظة الرابعة على يوحنا، الاصحاح الخامس). وفي المعنى ذاته باسيليوس الكبير: “ان الغضب جنون موقت” (العظة العاشرة في الغضب). 

الغاضب الشديد لا سلطان له على لسانه لأن عقله لا يهيمن عليه. يرتجف، يتلعثم. يتلفظ احيانا باصوات مشوهة. يختل فيه نبض القلب. تحس ان قوة غريبة تسكنه وكثيرا ما يصل الى العنف الجسدي. تتمزق النفس، تتشوش. تبطل فيه المحاكمة الحق ويبطل التمييز فلا يرى العقل شيئا بوضوح واذا وقع تحت وطأة هذا الخلل تتدحرج الكلمات المصوتة صخورا تهشمه وتهشم الآخرين ولا يبقى قادرا على رؤية الواقع وتداوله فيدنو من الهذيان او يقع فيه. هذه المساوئ تصيب الغضوب ولو كمن الغضب فيه ولم يظهر باللسان او الحركات. 

التحرر من هذا الضغط على النفس يعني ان تنسى الاهانة والنميمة والبغض، ذلك انها تكمن فيك وتوقظها انت في الغضب. هذا اذا تسلط عليك يطرد الله من قلبك لأن الله إله المتواضعين ولا تبقى فيك محبة. العاصفة اذا هبت فيك على هذه الصورة تحوجك الى بكاء كثير. بداءة حنان الهي ينزل عليك وانطلاق الوداعة فيك من جديد. هذه يصاحبها صوت خفيض هو تعبير عن قلب انكسر امام الحب الالهي.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic