يرى المؤرخ برنار لويس ان العرب لم يترجموا طيلة العهد العثماني إلا كتاباً واحداً في الطب من أجل شفاء السلطان الذي أصيب بمرض جنسي.
وطيلة عدة قرون عاش العرب خلالها خارج التاريخ، ولا أحد يعرف ماذا كنا نصنع خلال ستة قرون، وهذه المدة كانت كفيلة ان نتأخر عن ركب العالم الحضاري حيث لم نعرف الترجمة إلا مع حملة نابليون على مصر ومن ثم ظهور محمد علي كشخصية حداثوية خرقت حاجز المحرمات واتصلت بالعالم المتحضر، وكانت البعثات تتوالى من مهندسين وأطباء وغيرهم إلى فرنسا وسواها للمساهمة في بناء مصر الحديثة.
تأخر التحديث العربي أسبابه داخلية وخارجية ويمكن القول ان هولاكو كان سبباً خارجياً، وأن الحلم النائم على المجد الغابر كان سبباً داخلياً. إذ هل يعقل ان العرب لم يترجموا كتاباً طيلة قرون وهم الذين عرف عنهم شغف الترجمة والتأليف وكان هارون الرشيد يضع ذهباً في الميزان يعادل ثقل كل كتاب مترجم ويمنحه للمترجم.
يعيش العرب اليوم حلماً بائساً يشبه تعلق الأطفال بأمهاتهم فيعملون على تمجيد الماضي والانشداد إليه والعيش فيه إلى درجة الذوبان دون الانتباه للحاضر أو الانطلاق للمستقبل، تلك الانجذابات للماضي والتغني بالأجداد وضعت حضارة العرب والمسلمين خارج الرهان المستقبلي، فالعالم لن يتوقف كثيراً لدى أمم اخترعوا الصفر أو البارود أو اكتشفوا الجاذبية لان دورة الزمن أصبحت أسرع ملايين المرات عما كانت عليه انذاك..
انذاك كان العالم يحكمه قطبان دمشق في الشرق، وقرطبة في الغرب وبزوال أعظم عاصمتين وسقوط بغداد بيد هولاكو عام 1258م دخل العرب في سرداب من الظلام والجهل، ويشير مارتن كريمر صاحب كتاب «القرن العربي» إلى جملة عوامل منها اقتصادية كسقوط البرجوازية العربية بسبب تغيير خطوط التجارة ومنها سياسية كالتصارع على سدة الحكم ولكن أبرزها ما قاله الأقدمون عن إغلاق باب الاجتهاد في الدين وكأننا وصلنا إلى الحقائق المطلقة،
وهذا التوقف عن الاجتهاد لم تظهر نتائجه بشكل مباشر بل بعد عشرات وربما مئات السنوات حيث اليوم تدار معارك باسم الاسلام في محطات القطار بمدريد، أو عبر بيانات الخطف وحز الرقاب في بغداد وكل ذلك نتاج عقلٍ تحجّر وتوقف عند زمن معين، قطعاً كان زمناً متفوقاً ومسامحاً وعقلانياً أكثر من الزمن العربي المعاصر.
إن العيش خارج المعرفة طيلة قرون يحتاج إلى تعويض كبير، لأن الزمن لم يتوقف عند ما أنجزه العرب بل تجاوزهم إلى كواكب أخرى.
وعندما أقلعت الحضارة الأوروبية واجهت الكنيسة وكادت ان تنتصر لولا ان قوة المعرفة ساندت وساهمت في الحد من دوغمائية الكنيسة فانفجرت الثورة الصناعية في كل الميادين ولن يوقفها شيء عن الاطلاق.
ان قراءة «ضعف الترجمة» طيلة تلك القرون سيدفعنا لكي ندرك كم تأخرنا عن العالم، وهذا ما سيكون عليه حالنا مستقبلاً ان لم نعمل على تحديث المعرفة واخضاع فكرة الماضي لفلسفات معاصرة وإصلاح التعليم ليعيش الأطفال في حاضرهم وليس في ماضيهم.