لبنان... والتحرك الفرنسي الأميركي

جورج علم
جريدة السفير (لبنان)
الثلاثاء، 31 آب «أغسطس» 2004

     اندفعت التطورات بشكل غير مسبوق. رهينتان فرنسيتان في العراق، الرئيس جاك شيراك يستنفر دبلوماسيته للإفراج عنهما، ووزير الخارجية ميشال بارنييه الذي بدأ جولة سريعة على بعض عواصم دول المنطقة. يوازي ذلك كلام عن مشروع فرنسي اميركي برسم مجلس الامن ضد التدخل السوري في لبنان، بعد قرار تعديل الدستور، وتعطيل الانتخابات الرئاسية، لمصلحة خيار التمديد للرئيس إميل لحود. 

يحتاج لبنان الى الكثير كي يعرف حقيقة موقعه في هذا “المشهد المركّب”. يحتاج الى معرفة حقيقة ما يستهدفه، وما اذا كان هناك فعلا مشروع قرار اميركي فرنسي يتعلق بالدور السوري في لبنان، ووفق ايّ نظرة، ومقاربة؟. ويحتاج الى معرفة ما اذا كانت هنالك صلات وصل بين هذا المشروع، وبين ما يستهدف الوجود الفرنسي في العراق، وما اذا كانت هنالك من محاولة جدية لجعل لبنان كما قال البطريرك نصرالله صفير “ككرة قدم تتقاذفها المصالح الاقليمية الدولية”... 

هناك الكثير من الغبار الذي يعمي، والكثير من الضباب الذي يحجب النظر الثاقب، والموضوعي.. لكن وسط تزاحم كل هذه المستجدات، لا بل كل هذا الاستنفار، هناك في صفوف الدبلوماسيين من يأخذ الامور على بساطتها، فيؤكد ان فرنسا والولايات المتحدة الاميركية، تبرران ولو بصورة غير مباشرة قرار التمديد. وان تحركهما في مجلس الامن الدولي يؤكد حجة سوريا بأنها مستهدفة. وان الكلام عن وجود مشروع قرار مشترك لإدانتها، يؤكد حجتها القائلة بوجود تحديات استراتيجية حتمت عليها الإقدام على ما اقدمت عليه في لبنان، على الرغم من ان غالبية اللبنانيين غير مقتنعة بهذه “الحجج، والمخارج”، وغير مقتنعة اكثر بهذه “السابقة التمديدية” التي أكدت من خلالها، كأن ليس لديها في لبنان من أصدقاء، وحلفاء، الا الرئيس إميل لحود؟!. 

لقد “غامرت” سوريا مرتين: مرة عندما أوحت من خلال الإصرار على التمديد، وكأن لا ثقة لها باللبنانيين سواء اكانوا في خانة الحلفاء، والاصدقاء.. او في خانة المعارضة.. ومرة أخرى عندما أوحت من خلال الاصرار على ما اقدمت عليه بأن المطلوب استفتاء فوريّ وبدون مقدمات، إما معها، او مع واشنطن، وباريس، ولندن، وبرلين... وسائر العواصم الاخرى التي أدلت بدلوها في موضوع الاستحقاق.. والمسألة بكل بساطة ليست كذلك، لأن اللبنانيين بغالبيتهم قد حسموا خياراتهم إلى جانب خياراتها الاستراتيجية على الصعيدين الاقليمي والدولي، ووقفوا معها ضد قانون محاسبتها من قبل الادارة الاميركية، ووقفوا معها، وعن طيب خاطر، وموضوعية، ضد كل الحملات الاميركية الاسرائيلية التي تستهدفها، وفعلوا ذلك عن اقتناع وثقة، وتوقعوا ان تبادلهم سوريا الثقة عينها، وتحترم دستورهم، وخياراتهم على صعيد الاستحقاق الرئاسي، خصوصا ان الغالبية كانت تنتظر منها “الوحي” للتصرف “بهديه”، وكانت تؤمن بأن هناك توجهاً سوريّاً واضحاً “للبننة” الاستحقاق، ولمداولة السلطة، دون ان يشكل ذلك “حالة انقلاب” على دورها في لبنان، بل على العكس من ذلك تماما، لأنها لو سمحت للبنانيين بأن يقولوا كلمتهم بحرية كاملة في الاستحقاق، لكان قد وفرّ لها ذلك رصيدا هائلا لا يستهان به على الصعيدين الاقليمي والدولي وأيضا على الصعيد المحلي من الدعم والاحترام لخصوصية العلاقة القائمة بينها وبين لبنان. 

لا يعرف اللبنانيوّن حقيقة ما يدبر ضدهم وضد سوريا في مجلس الامن، والغالبية تحديدا ترفض المغامرة، والرهانات الخاطئة، و”المجربة”، وترفض تحويل لبنان، وشؤونه واستحقاقاته الداخلية الى “كرة قدم، تتقاذفها المصالح الاقليمية والدولية”، والغالبية تقف الى جانب سوريا في خياراتها الاستراتيجية الاقليمية الدولية، وعن مصلحة، واقتناع، وليس عن خوف، او اذعان.. وهذا ما جعل منسوب العتب قويّاً، في صفوف الاصدقاء، والحلفاء.. قبل الآخرين، وعلى قاعدة: “ما هكذا تورد الابل؟!”.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic