أطلب شيئاً لنفسي

 جهاد بزي
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 1 أيلول «سبتمبر» 2004

     فخامة الرئيس، 

أنا لبناني عادي. ولدت في لبنان وتخرجت من الجامعة اللبنانية وأعمل هنا وأديت، مكرها، خدمة العلم، وقد كنتَ، فخامتك، قائدا للجيش يوم كنت أنا مجندا. 

سجلي العدلي نظيف واسمي موجود على لوائح الشطب وأحمل بطاقة الهوية الجديدة. بهذا المعنى، ونظريا، انا وأنت لبنانيان متساويا الحقوق والواجبات أمام وطننا. أجزم أنك لا تحب لبنان أكثر مما أحبه وأجزم أنني لا أحب لبنان أكثر مما تحبه. 

فخامة الرئيس، 

أنا لبناني بسيط لا افهم في السياسة. أجهل إقليميتها ودولياتها ودهاليزها الداخلية الضيقة. وأعترف بأنني لم أنتخب ايا من النواب الحاليين، او السابقين، ولا أرى في الطبقة السياسية أو في اي من الأحزاب اللبنانية من يمثلني أو من يقدر على نيل ثقتي. أنا لبناني بسيط مصاب باليأس العارم من البلد الذي احبه بشدة ولا ارى في افقه اي مجال لأي تغيير، بدءا مني كفرد من هذا الشعب، وانتهاء بهذا الشعب الذي يفرز هذه الطبقة السياسية أو ما قبلها أو ما بعدها. 

فخامتك، 

أنا لبناني محصن ضد كل ما يجري في الساحة اللبنانية. لم اكن اريد أن اكون هكذا، لكن لبنان الذي احبه، فرض علي مثل هذا التخدير العمومي، كي أحافظ على بقية باقية من نفسي. 

لا أخفيك يا فخامة الرئيس أنني استغربت بشدة موقفي الشخصي في الأيام الأخيرة. فقد وجدت نفسي متابعا دقيقا لما يحصل. أتابع نشرة الأخبار واقرأ الصحف وأضع ملاحظات على الهوامش.. وكنت، كلما تابعت اكثر، ازداد الانقباض في قلبي أكثر، حتى تحول إلى اختناق هائل ما زال يشد على عنقي وأنا أكتب هذا السطر بالذات. 

دهشت! فقد كان من المفترض أن يمر كل شيء من فوق رأسي ولا أشعر به. لكنني اختنقت. لم أختنق بالجار الإقليمي ولا بالرئيسين الثاني والثالث. لم أختنق بزملائي اللبنانيين ولا بالوزير عاصم قانصوه والنائب ناصر قنديل. حتى فخامتك لم يكن لك دخل في ما حدث لي. ما حدث هو أنني اختنقت من كل شيء واختنقت دفعة واحدة. انفجرت اختناقا. وكان السبب بسيطا وواضحا: شعرت بأن أحدا لم يسألني رأيي في كل ما جرى. رأيي كمواطن لبناني عادي بسيط خرج فجأة من غيبوبته وراقب وكان لديه بعض الإسئلة. 

فخامة الرئيس، 

سأعتبر نفسي لبنانيا بسيطا ساذجا في السياسة وسأطرح بعض نقاط توقفت عندها ثم أناقشها مع نفسي لأتخذ قراري الخاص بي وحدي. سأناقش نفسي بصفتها مواطنا صالحا ورقيبا مسؤولا في بلد ديموقراطي. 

جاء في الخبر: في مستهل الجلسة تحدث فخامة رئيس الجمهورية قال: “ان الوضع الاقليمي الاستثنائي والحرج في المنطقة العربية، لا سيما في فلسطين وفي العراق، معروف منا جميعا بخاصة في ظل التهديدات الاسرائيلية المتواصلة للبنان، التي ترمي الى اهداف خطيرة جدا، منها محاولة توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلاد العربية التي تستضيفهم ومنها لبنان”. 

واضاف: ان تعاوننا في مجلس الوزراء، كانت ثماره استقرارا عاما في البلاد، جعلها مقصداً للرعايا العرب والاجانب. وان هذا التعاون اثمر ايضا جهودا مكثفة على جميع الصعد التي تهم المواطنين وتخفف عن كاهلهم. 

وختم: ازاء هذين الوضعين الداخلي والخارجي، اشكركم سلفاً على ثقتكم الكبيرة لاستمراري في تحمل المسؤوليات، وتعديل الدستور لما فيه المصلحة العليا للبلاد، واني اترك لدولة رئيس الحكومة ترؤس جلسة مجلس الوزراء نظرا الى ارتباطات سابقة لي”. 

-- انتهى. 

لم أكن قد سمعت قبلا عن “التعاون” في مجلس الوزراء والذي كانت ثماره جهودا تخفف عن كاهل المواطنين. كاهل المواطنين، ومن ضمنه كاهلي، لم يشعر منذ وقت بعيد بأي حمل خفيف. أما أن تكون “البلاد مقصدا للرعايا العرب والأجانب” فأمر يستحق وزير السياحة التنويه عليه. لا يستحق تمديدا. وبصدق يا فخامة الرئيس، لم يقنعني “الوضعان الداخلي والخارجي” بضرورة التمديد. لا اعرف كيف اقتنع الوزراء بهذه السرعة الخيالية، لكنه لم يقنعني كمواطن لبناني بسيط. ثم إن أكثر ما توقفت عنده هو هذه العبارة: أشكركم (...) لتعديل الدستور لما فيه المصلحة العليا للبلاد وإني أترك لدولة رئيس الحكومة ترؤس جلسة مجلس الوزراء نظرا إلى ارتباطات سابقة”. 

لم اصدق أن تعديلا لما فيه المصلحة العليا للبلاد يتم في أقل من خمس دقائق. المصلحة العليا للبلاد! كيف استطاع الوزراء أن يحسموا أمرهم في خمس دقائق؟ إذا ما سئلت، أنا البسيط، عن رأيي الذي لا يقدم ولا يؤخر في المصلحة العليا للبلاد فسأفكر ألف مرة قبل أن أجيب بكلمة. سأسأل لأعرف ما هي المصلحة العليا للبلاد. الأمر سيكون أكبر مني، أعرف. لذا يوجد مجلس وزراء ورئيس حكومة ورئيس جمهورية. لكنني اشك في أن وزراء اي حكومة في هذا العالم، في هذا الزمن أو في اي زمن، يقدرون على حسم أمرهم في موضوع يتعلق بالمصلحة العليا للبلاد في خمس دقائق فقط.. ثم انني لا افهم كيف يكون لدى رئيس الجمهورية ارتباطات سابقة في اليوم الذي ستناقش فيه المصلحة العليا للبلاد فيترك مثل هذه الجلسة المصيرية. ألا تحتاج مثل هذه الجلسة إلى وجود فخامة الرئيس على رأسها، على الأقل كي يكون شاهدا على الحدث الهائل وراعيا له؟ أعذرني فخامة الرئيس، لكنني لم افهم أي ارتباطات سابقة أشد أهمية من قرار يتعلق بالمصلحة العليا للبلاد. 

فخامة الرئيس، 

أنا المواطن اللبناني العادي، بصفتي الشخصية المطلقة، وبصفتي لا أمثل إلا نفسي، أعلن أنني لم أقتنع بما حدث. وقد ناقشت نفسي وقد توصلت إلى قرار واضح: أنا ضد تعديل الدستور وبالتالي أنا ضد التمديد لفخامتك. 

غريب. غريب كيف أن لا شيء يقنعني. غريب كيف اشعر بوطأة كل هذا العجز وكل هذا الغضب على كاهلي الذي تجرب دولتي التخفيف عنه. غريب كيف اشعر بأن الجميع يستخف بوجودي. غريب كيف نعيش، فخامتك وأنا، تحت سقف وطن واحد وتجري الرياح بما تشتهيه سفنك ولا يشتهيه قاربي الخشبي. أنت لا تطلب شيئا لنفسك فتنال ما لم ينله لبناني قط. وأنا أطلب لنفسي كل يوم ولا أنال شيئا. أنا لست زاهدا بشيء. أنا أطلب لنفسي الإيمان بسياسي واحد أو بحزب واحد. أطلب لبلدي أن يكون واضحا وصادقا معي. أن يعلن عن هويته بصراحة.. أن يقول ما إذا كان ديكتاتورية أم تابعا أم مجرد فوضى مطلقة. عشت عمري هنا وما زلت جاهلا بنوع هذه الدولة المتكررة التي تولد من ذاتها لتذهب إلى ما كانت فيه. عشت عمري هنا وأنا اشعر بأنني مستباح والجميع يضحك علي. أنا اطلب لنفسي يا فخامة الرئيس. أطلب لنفسي بلدا أعيش فيه مواطنا عاديا لا يجد نفسه مختنقا كلما أتى استحقاق أو اختلف كبيران على مسألة. أطلب لنفسي ألا اشعر بهذا العجز وهذا الإحباط القاتل الذي لا مفر منه إلا توجيه مثل هذه الرسالة الوهمية التي لا نفع منها ولا ضرر. أطلب لنفسي أن يزول هذا الاختناق. 

فخامة الرئيس، 

أنا ضد التمديد لفخامتك. هذا ما أطلبه لنفسي ولن يتحقق. 

فخامة الرئيس، 

مهامك الآتية كثيرة ووقتك ضيق ولن تقرأ هذه الرسالة. أنا لم أكتبها إليك في الأصل.. أنا مقتنع بيأسي المطلق من لبنان الذي أحب. لا ارى اي فسحة للأمل. أنا كتبت هذه الرسالة كي ازيل هذا الاختناق الذي يشد على عنقي. لكنها لم تساعدني.. فها أنا أقترب من إنهائها وقد زاد اختناقي وإحباطي وكآبتي. 

فخامة الرئيس، 

سأكون واضحا: أطلب شيئا لنفسي. طلبي هو: لمرة واحدة واستثنائية، أطلب بلدا يحترمني أهاجر إليه ثلاث سنوات تنتهي في الثالث والعشرين من تشرين الثاني 2007، وأن تكون هذه المرة الواحدة والاستثنائية قابلة للتعديل لمرة ثانية واستثنائية كي أمدد هجرتي بنفسي، إذا ما شاء الظرفان الداخلي والخارجي بعد ثلاث سنوات تعديل المادة 49 من أجل المصلحة العليا للبلاد... لمرة ثانية واستثنائية!

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic