...حول مسألة التمديد للرئيس لحود

زهير شكر*
جريدة السفير (لبنان)
الخميس، 2 أيلول «سبتمبر» 2004

     بداية أتوجه بتحية احترام وتقدير للصحافي الكبير الاستاذ طلال سلمان الذي أقرأ دائما بشغف، افتتاحياته وأتابع تحليلاته القيمة والتي تشكل زاداً لكل متشوق الى معرفة الحقيقة. 

ثم لا بد من توضيح السبب في مقالتي هذه. فأنا أستاذ جامعي تعوّد الكتابة الاكاديمية في مجالي العلاقات الدولية والقانون الدستوري والنظم السياسية، وهذه أول تجربة لي في الكتابة الصحافية التي أتهيبها وأعتبرها أكثر صعوبة لما تتطلبه من تحليل وتركيز في مقالة لا تتجاوز عدة صفحات فولسكوب. ولهذا السبب فإني ألتمس العذر من الاستاذ طلال سلمان ومن القراء اذا ما وقعت في هفوة أو فاتني جانب من جوانب المسألة التي سأعالج. 

ثم لا بد من توضيح ثان، فأنا ألتقي مع الصديق الاستاذ طلال سلمان في مواقفه الوطنية والقومية، وفي حرصه على الديموقراطية وحقوق الانسان وتداول السلطة التي لها قيمة أساسية تميز لبنان عن بقية دول العالم العربي جميعها. 

التوضيح الثالث هو اني مؤمن ايضا مع الاستاذ طلال سلمان في موضوع التحالف الاستراتيجي بين لبنان وسوريا، وفي نقده لبعض الممارسات من قبل بعض المسؤولين في البلدين الشقيقين والتي أساءت كثيرا الى هذه العلاقة الاخوية التي يجب أن تتطور وتتقدم بخطوات ملموسة، ان على صعيد عقد القمم التي نصت عليها المعاهدة اللبنانية السورية، أو على مستوى تمتين العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإزالة الحواجز الجمركية كافة. 

كذلك فلقد كان ضروريا ان تتطور العلاقات في اتجاه تبديد حالة الخوف والاحباط المشروعة الموجودة عند بعض اللبنانيين، وفي مقدمتهم المرجعية الوطنية في بكركي التي اتخذت في السنتين الاخيرتين مواقف وطنية وقومية داعمة لسوريا ورافضة للتدخل الغربي في الشأن اللبناني خاصة والعربي عامة (مسألة اجتياح العراق وحقوق الشعب الفلسطيني). 

ولذلك لا بد في هذه المسألة من الاعتراف بوجود خلل في العلاقات بين الدولتين، وفي بعض الممارسات والإساءات الى البلدين الشقيقين من سوريين ولبنانيين منتفعين من استمرار الوضع الراهن على ما هو، من ضعف في الثقة المتبادلة، ومن فساد سياسي وإداري مستشرٍ يكاد يقضي على أهم مقوّمات صمود لبنان. 

التوضيح الرابع هو اني لم أكتب أو أصرح أو أقوم بخطوة يستدل منها محاولة التقرب والتزلف والمنفعة المعنوية أو السياسية، مع إيماني العميق بحتمية التحالف الاستراتيجي الثابت والضروري بين الدولتين السورية واللبنانية. 

التوضيح الاخير هو ان فشل عهد الرئيس العماد لحود الجزئي على المستوى الداخلي يتحمل تبعته بعض المحيطين به قبل خصومه السياسيين. 

صحيح ان الرئيس لحود أشار الى مسؤولية الرئاسات الثلاث وبقية السلطات والمؤسسات في فشل بناء الدولة، ولكن ذلك لا يمكن أن تستنتج منه فشلا مطلقا للرئيس لحود وسببا أساسيا لعدم التمديد. ذلك انه من الصحيح ايضا ومن العدل عدم جواز تحميل الرئيس لحود شخصيا مسؤولية هذا الفشل. فإذا لم ينجح العهد في لجم تنامي الدين العام، فذلك نتيجة لحساب بسيط بتراكم فوائده. ومن الصحيح والمؤكد ايضا ان الاكثرية الساحقة من اللبنانيين التي تعاني اجتماعيا وماديا، مؤمنة ومقتنعة بأنه لولا وجود الرئيس لحود على رأس الدولة لكان الدين العام تجاوز ما هو عليه بعدد من المليارات يزيد على أصابع اليدين، ولكان القطاع العام ومؤسساته العامة قد خصخص لقاء حفنة من الدولارات، في حين ان الخصخصة السليمة تفترض بيع الدولة جزءاً من أسهم هذه المؤسسات الى المواطنين اللبنانيين الذين يدخرون أموالهم في المصارف بدل عدم استثمارها. 
بعد هذا التوضيح، أود الاجابة على تساؤل الاستاذ طلال سلمان حول أسباب التمديد فأقول: 
 

اولا: في صناعة الرئيس اللبناني

     تاريخيا منذ أن أنشأ الجنرال غورو لبنان عام 1920، انفردت فرنسا حتى الاستقلال في اختيار رئيس الدولة. ومنذ بداية مرحلة الاستقلال، كان الرئيس اللبناني يُصنع، على ما يقول الياس الديري في كتابه "من يصنع الرئيس"، دوليا وإقليميا وبرلمانيا وشعبيا. هذه هي مع الاسف خصوصية وفرادة النظام السياسي اللبناني، خاصة ان الدستور اللبناني لم يلحظ عام 1926 ولا في تعديل 1990 أصولا وإجراءات للترشيح كما هو في فرنسا والولايات المتحدة الاميركية مثلا. فالرئيسان بشارة الخوري وكميل شمعون انفردت باختيارهما بريطانيا، والرئيس فؤاد شهاب كان نتيجة توافق أميركي مصري. الرئيس شارل حلو كان تسوية إقليمية دولية مع مباركة فرنسية فاتيكانية. مع الرئيس فرنجية، ونتيجة توازنات دولية واقليمية، كانت كلمة النواب اللبنانيين، ولأول مرة، فاعلة، وأنتجت الممارسة الديموقراطية انتخاب رئيس بأغلبية اقل من صوت واحد. 

مع الرئيس الياس سركيس عدنا الى التوافق الاميركي السوري مع مباركة أوروبية وعربية، لتنفرد اسرائيل لاحقا بعملية انتخاب الرئيس بشير الجميل التي شارك فيها بعض النواب وأيدها بعض السياسيين الذين ينعون الديموقراطية اليوم في لبنان. الرئيس أمين الجميل ورث شقيقه كما ورث سابقا الشيخ موريس الجميل في ظل ظرف داخلي متوتر وفي ظل حرب أهلية أخذت مع الاسف بعدا طائفيا، وبدعم اسرائيلي نتج عنه اتفاقية 17 أيار التي أجاز البرلمان الموافقة عليها، والتي وللتاريخ لم يصدقها الرئيس الجميل. تملك الاتفاقية التي كانت تهدف الى إخراج لبنان من دائرة الصراع العربي الاسرائيلي، والتي رفضها أو امتنع عن التصويت عليها عدد قليل من النواب، والتي حاربتها الحركة الوطنية بكل فصائلها، وبصورة خاصة حركة "أمل" والحزب التقدمي الاشتراكي، بدعم لا محدود من الشقيقة السورية، وأدت في النهاية الى إسقاطها وعودة لبنان الى الخيار العربي عامة والسوري خاصة. 

الرئيس الشهيد رينيه معوض انتخبه صناع اتفاق الطائف، أي أميركا وأوروبا والسعودية وسوريا تحديدا، ليأتي بعده الرئيس الياس الهراوي بخيار سوريا التي كان لها الفضل الاول والدور الاول في خلاص لبنان من حالة الحرب الاهلية والطائفية المدمرة، عندما تعاون الجيش العربي السوري مع الجيش اللبناني لإخراج الجنرال المتمرد من قصر بعبدا. وهنا، وأياً كانت التحفظات على بعض إخفاقات الرئيس الهراوي، فإن عهده كان "عهد إنجازات وإخفاقات". لا بد من طرح سؤال يساعدنا على فهم أسباب التمديد للرئيس لحود: هل يمكن الجزم بأن الرئيس الشهيد رينيه معوض أو غيره من الشخصيات المارونية التي أشار اليها الصديق طلال سلمان، والتي نحترم مواصفاتها الوطنية والقومية ومبادئها الدستورية والديموقراطية ومصداقيتها تجاه سوريا، أقول: هل كان من السهل أو الممكن على أكثرهم اتخاذ هكذا قرار استراتيجي جريء سال بنتيجته دم بعض ضباط الجيش اللبناني وأفراده دفاعا، للأسف، عن العماد عون وليس عن السيادة الوطنية؟ 

وهنا لا بد لنا من مقاربة المسألة، أي مسألة الرئاسة، من زاوية سيكولوجية القيادة ومدى قدرتها على تنفيذ قناعاتها الاستراتيجية عندما يقتضي الامر مواقف جريئة وخطيرة عسكرية أو سياسية، أو صمودا في وجه التحديات الجدية التي تواجه لبنان، سواء من اسرائيل او من قبل بعض الدول الكبرى التي تسعى الى توطين الفلسطينيين في لبنان، والتي تتداعى اليوم لاستصدار قرار من قبل مجلس الامن حماية للديموقراطية في لبنان، وهو قمة التدخل الاجنبي في الشأن اللبناني. وأنا على يقين من ان قلة قليلة جدا من اللبنانيين تؤمن بما أعلنته أميركا وفرنسا وألمانيا وغيرها، من ان تحركها هو لحماية الديموقراطية، والذي لا يختلف كثيرا عن الغزو الاميركي للعراق لإنقاذه من نظام دكتاتوري واستبداله بنظام ديموقراطي! 

ويكفينا في هذه المسألة ان نتذكر تصريح نائب وزير الخارجية الاميركية ارميتاج، في محاولة ساذجة وفاشلة لابتزاز سوريا بالتهديد والترغيب والاغراءات في ما خص الرئاسة اللبنانية لقاء تنازلات على كل المستويات الامنية بقوله "ان مسألة انتخاب رئيس جديد للبنان يخص الحكومتين السورية واللبنانية"، وذلك بعد ان غاب الموضوع الرئاسي عن جدول أعمال جلسات عمل أميركية سورية عدة تركزت على الجانب الامني في فلسطين المحتلة ودعم المقاومة فيها، وعلى خط الحدود مع العراق، وصولا الى جنوب لبنان، إن من حيث نشر الجيش اللبناني او من حيث نزع سلاح المقاومة الاسلامية. ويكفي ايضا ان نستشهد بتصريح وزير خارجية لبنان جان عبيد، وهو من أكثر الحلفاء قدماً وصدقاً مع سوريا، وأكثر شخصية لبنانية ذات حظوظ بالرئاسة الاولى حيث يقول: "ان تلك الدول تحاول من خلال مسألة داخلية لبنانية يدور حولها البحث، الى إثارة قضية اخرى هي العلاقات اللبنانية السورية، في وجوهها السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية. ليس في هذا الطرح الدولي الغربي أي صدق أو براءة في التوصل الى مقاربة الديمقراطية في لبنان بشكلها الصحيح ومعالجة مسائلها، بل على العكس من ذلك، نرى انها تدخل في سياق المحاولات الدولية المتعددة أو المتقطعة من أجل تحقيق أهداف... لا علاقة لها بما يطرح، وهدفها التلاعب بالوضع الداخلي وليس تحصين مستوى الديمقراطية في لبنان". ("السفير" عدد 31 آب 2004). 
 

ثانيا في عهد الرئيس العماد اميل لحود

     نعود الى مسألة انتخاب الرئيس العماد اميل لحود، والذي استوجب، كما التمديد للرئيس الهراوي، تعديلا مؤقتا للدستور أجاز انتخاب موظفي الفئة الاولى للرئاسة دون شرط الاستقالة قبل سنتين. 

في مؤلفي "الوسط في القانون الدستوري اللبناني" الصادر عام 2001 وأنا سفير سابق لم يتم التجديد له أسوة بسائر السفراء من خارج الملاك، كتبت ما يلي: "يمكن الجزم بأن الرئيس العماد اميل لحود هو أول رئيس للجمهورية اللبنانية ينتخبه الشعب اللبناني بالإجماع قبل ان يضفي البرلمان على هذا الاختيار الشرعية الدستورية بانتخابه بشبه إجماع رئيساً للجمهورية في 15/10/1998. ويمكننا الجزم ايضا بأن أكثرية النواب لم تكن متحمسة، واختيار العماد لحود الذي فضلته سوريا على الخيارات الاخرى، لما تميز به من خلال قيادته الجيش من صفات ومؤهلات:

1 المواصفات القيادية، قوة إرادة ودينامية في العمل ونزاهة كف وانتماء وطني نقي. 

2 اعتماده عقيدة وطنية للجيش وتنسيقه الدائم مع القيادات السورية في ما خص الامور الاستراتيجية، (ولنتذكر قرار الرؤساء في إرسال الجيش اللبناني الى الجنوب اثر العدوان الاسرائيلي) المرتبطة بمسائل الحرب والسلم وتحييده للجيش من خلال كف يد السياسيين في الامور التنظيمية" راجع ص 370 371. 

صحيح ان عدم حماسة البعض القليل للعماد لحود ارتبط بالخوف عسكرة النظام، وهو أمر عانى منه لبنان بعض الشيء من خلال سيطرة الاجهزة الامنية على مؤسسات الدولة وتدخلها في عمل السلطة القضائية، إلا ان أكثرية السياسيين رأت في وصوله الى سدة الرئاسة تعارضاً مع مصالحها الشخصية على أنواعها، بدءاً بتقاسم الجبنة، ومن ثم الهيكل العظمي وانتهاء بالخدمات الشخصية والتوظيفات غير النظيفة للأتباع وللأزلام. 

هنا لا بد من طرح الاشكالية التالية: هل كان تعديل الدستور عام 1998 لإجازة انتخاب العماد لحود انتهاكاً للدستور وهدراً للديموقراطية على مذبح المصلحة الشخصية للعماد؟ بمعنى آخر، ألم تكن الشرعية الدستورية التي أقرت التعديل ترجمة وانعكاساً للشرعية الشعبية التي كانت تعتبر العماد لحود المنقذ من حالة الفساد وانهيار مؤسسات الدولة؟ ألم ينحن المجلس الدستوري الفرنسي عند الشرعية الشعبية التي عدلت الدستور من خلال جعل انتخاب رئيس الدولة من قبل الشعب مباشرة، مخالفة بذلك الاصول الدستورية للتعديل التي ينظمها الدستور الفرنسي، وذلك بقوله "وبصرف النظر عن دستورية التعديل فإنه ليس للمجلس الدستوري الصلاحية في الرقابة على القرار والارادة الشعبية". 

اذاً المجلس النيابي انتخب عام 1998، كما في كل السوابق، ليس وفقا لقناعاته ولإرادته بل تمشياً مع الانتخاب الشعبي المدعوم من الشقيقة سوريا. 

وحتى لا يعتقد البعض اني من مداحي الرئيس لحود، أقول اني في نفس المؤلف قيمت الثلاث سنوات الاولى من عهد الرئيس لحود بعنوان "الوعد الذي لم يتحقق"، واستفضت في شرح اسباب فشل مشروع الرئيس لحود في بناء دولة القانون والمؤسسات. (راجع ص 371 وما يلي). 

اذاً المجلس النيابي الكريم جدد للرئيس بشارة الخوري وعدل الدستور عام 1995 لتمديد ولاية الرئيس الهراوي، وأعاد الكرة عام 1998 لإجازة انتخاب العماد لحود رئيسا للدولة، سيعدل مرة جديدة الدستور في 3/9/2004 لإجازة تمديد ولاية ثلاث سنوات إضافية "لمرة واحدة واستثنائية". وكأننا أصبحنا أمام عرف دستوري جديد يقضي بجواز التعديل الاستثنائي وهو طبعا أمر غير ديموقراطي وغير دستوري لمنصب الرئاسة الاولى. فلماذا كل هذا التهييج هذه المرة، وبين المعترضين كثر كانوا من مؤيدي التجديد للرئيس الهراوي، ومن مؤيدي تعديل عام 1998، وكان يمكن ان تكون للمواقف الرافضة للتمديد فاعلية أكبر وشعبية أكثر لو انه يحدث للمرة الاولى، ولكنها ليست الاولى ولن تكون الاخيرة اذا ما استدعت الظروف اللبنانية والاقليمية والدولية ذلك. 
 

ثالثا في الاسباب الموجبة للتمديد 

     هل يعني ذلك ان القرار السوري في التمديد، ولا أقول التمني حتى تكون الامور واضحة، هو ترجمة لإرادة شعبية جامعة حول الرئيس لحود باعتباره رجل المرحلة؟ بالتأكيد لا، ولكن بالمقابل يمكننا الجزم بأن الرئيس لحود هو أكثر المرشحين شعبية على الاقل، ايمانا من هذا الشعب الفقير والمقهور والمحروم بنظافة كفه وهذا واجبه في كل حال، ولكنه أصبح مع الاسف فضيلة في المجتمع السياسي اللبناني وبحمايته ودعمه المطلق للمقاومة اللبنانية، وبلا طائفيته وتنسيقه الكامل في المسائل الاستراتيجية مع الشقيقة سوريا، ووقوفه سداً منيعاً في وجه محاولات الفصل بين المسارين اللبناني والسوري، وهذا ايضا واجبه وواجب كل لبناني، لأنه لولا الموقف السوري الداعم للمقاومة لما كان التحرير، ولأنه كان بإمكان سوريا ان تفاوض الاميركي والاسرائيلي على حساب لبنان وهو الورقة الاضعف، ولان المصلحة الاستراتيجية اللبنانية تتلاقى بل تتوحد مع المصلحة الاستراتيجية السورية. 

نعود الى المسألة المركزية: "لسوريا أسبابها ولكن..."، فنقول انه لا بد من إعادة طرح المسألة من زاوية سلوكية وسيكولوجية. صحيح ان كل الشخصيات التي ذكرها الاستاذ طلال سلمان في مقالته، وغيرها ايضا، فيهم من المواصفات ما يؤهلهم للوصول الى سدة الحكم. ولكن السؤال الاساسي الذي أملى الخيار السوري بالتمديد وليس بالتجديد هو التالي: هل يمكننا التأكيد على ان كل هذه الشخصيات مع احترامنا لمواصفاتها الوطنية والقومية وإيمانها بأهمية تثبيت علاقات استراتيجية مع سوريا قادرة في لحظة تاريخية ما على اتخاذ قرار استراتيجي يتعلق بمسائل الحرب والسلم ومتطلباتهما؟ بالتأكيد لا. قد يكون لدى بعضها هذه الميزة، ولكن في ظل ظرف إقليمي دقيق وعصيب، وفي ظل ضغط أميركي كبير على لبنان وسوريا، وفي ظل ما يحاك على الصعيد الدولي حول توطين الفلسطينيين في لبنان، وفي ظل طرح مستقبل المشرق العربي وجوداً وأنظمة وشعوباً، هل يمكن المجازفة؟ الوحيدان اللذان اختبراه هما الرئيس الهراوي والرئيس لحود. 

باختصار، ان القاعدة الدستورية أو القانونية تقول انه في ظرف استثنائي لا بد من حل استثنائي يخرج عن القواعد والاطر المحددة والمعروفة، لان مصير الدولة والشعب هما على المحك، وليس مستقبل الديموقراطية في لبنان التي لها من المرتكزات الثقافية والسياسية والاجتماعية والوطنية ما يجعلنا نطمئن على مستقبلها. 

وحتى لا نصل الى حالة من الحرب الاهلية الباردة، ولنتجنب مزيداً من الانشطار السياسي بين أهل الحكم جميعهم، وكلهم من أركان اتفاق الطائف وأنصار التحالف السياسي والاستراتيجي مع سوريا، وحتى لا تكون فئة لا بأس بها من اللبنانيين مهمشة ومحبطة وبعيدة عن المشاركة الوطنية في الحكم، وهي مشاركة ضرورية لاستئناف تطبيق بقية بنود اتفاق الطائف، والذي لا يمكن الحكم عليه إلا بعد تطبيقه كاملا نصاً وروحاً في ما خص الشق الاصلاحي الداخلي، لأنه من السذاجة وعدم الثقة والريبة ربط استكمال بناء الدولة بموضوع الانسحاب السوري من لبنان، وذلك من خلال قانون انتخاب عادل يؤمن أوسع مشاركة وطنية شعبية وطوائفية ومناطقية، مما يعجل في تحقيق الوحدة والانصهار الوطني، الامر الذي ينتج برلمانا تنبثق منه حكومة وحدة وطنية حقيقية تمارس سلطاتها الدستورية تحت إشراف ورقابة رئيس الدولة، الذي هو رئيس كل المؤسسات وليس رئيساً لمجلس الوزراء فقط. 

من هنا أهمية ان يقتصر التعديل الدستوري على تمديد ولاية الرئيس لحود ثلاث سنوات إضافية، مما يؤكد على الطابع الاستثنائي لهذه الخطوة، وليس التجديد، وأهميته ان يكون التعديل استثنائياً واستبعاد فكرة تعديل الدستور لجهة جواز التجديد بصورة دائمة، لأننا في نظام برلماني ولسنا في نظام رئاسي أو شبه رئاسي، وانه سينتج عن ذلك إضعاف للرئيس أمام المطالب النيابية في الاستيزار والخدمات، مما يحجب عنه الهالة التي يجب أن يتمتع بها ويضعف من حصانته وكرامته، وتأمينا للقاعدة الديموقراطية في تداول السلطة والتجديد. 

والحمد لله ايضا ان ما سمي بسلة التعديلات الدستورية قد استبعدت، لأنها كانت في جزء منها تستدعي توافقا وطنيا غير متوافر اليوم. 

إن تجربة السنوات الست الاخيرة يجب أن لا تتكرر، والاخطاء التي ارتكبت من الجميع، بمن فيهم الرئيس لحود، يجب أن تكون عبرة لجميع النخب السياسية اللبنانية التي لا يمكن لأحد أن يلغي دورها لكي ترتقي في أدائها الى مستوى الاهداف الوطنية الكبرى. وإلا فإن الفشل لن يشكل إدانة لهذه النخب وحسب، بل إلغاءً لدورها ولوجودها، وربما لوجود النظام الديموقراطي اللبناني، الحصن الحصين للوجود اللبناني، والدخول في نفق مظلم جديد له أول وليس له آخر. 

(*) سفير سابق وأستاذ القانون الدستوري

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic