الغاية والوسيلة

رضوان السيد
جريدة المستقبل (لبنان)
الثلاثاء، 7 أيلول «سبتمبر» 2004
رضوان السيد

     كانت آخر وقائع سياسة "الغاية تبرّر الوسيلة" فتوى الشيخ القرضاوي بمقاتلة المدنيين الأميركيين وقتلهم بالعراق (مع عدم جواز التمثيل بهم!)، بحجة أنّ في ذلك تخويفاً لسائر الأميركيين وحلفائهم في احتلال العراق بحيث ينسحبون منه. على أن هذا ان اتفق والمبدأ الميكيافيللي المعروف، لا يتفق وأحكام الشريعة التي ينطلق منها الشيخ في فتاويه، كما لا يتفق وممارسات المسلمين القدامى في حروبهم الدفاعية والهجومية. فالمبدأ الشرعي "ان غير المقاتل لا يُقتل". والغربيون، أميركيين وغير أميركيين، والذين جرى أسرهم وقتَلُ بعضهم وافتداء البعض الآخر، ما كانوا مسلّحين، ولا جاءوا للعراق من أجل القتال والغزو.

أما الذين جرى التمثيلُ بهم أثناء عمليات القتل أو بعدها، فباستثناء واقعةٍ واحدة، كان الممثَلُ بهم فيها جنوداً قُتلوا في هجوم للمقاومة، كانوا من المدنيين الذين خُطفوا أو أُسروا في الطرقات، ثم جرى قتلهم مع التمثيل أو بدونه بعد ذلك. والممارساتُ في حروبنا القديمة أنّ غير المقاتل لا يُؤسَر، وأن الأسير مقاتلاً أو غير مقاتل لا يُقتل حتَّى لو كان رهينةً في مقابل رهائن عند الأعداء وقام أولئك بقتل الرهائن عندهم. وهكذا فإنَّ الشيخ القرضاوي لم يعترف من "فقه الحرب" القديم إلا بالجزئية القائلة بعدم التمثيل بجثث الصرعى من مقاتلي الأعداء.

وقد يقول قائلٌ إنّ الفظائع الأميركية وآخِرُها قتل المئات في النجف والكوفة، فضلاً عن غزو العراق وتخريبه، لا تُقارَنُ بقتل مدني هنا أو هناك من رعايا الأعداء ومعاونيهم الحقيقيين أو المحتملين، وهذا صحيحٌ لو أنَّ الصراع كان حرباً عاديةَ بين دولتين. لكنه في حالات العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان وكشمير.. الخ تحوّل وبفعل الأميركيين وردود أفعال "السلفيين الجهاديين" إلى حرب "مقدّسة" بين "الحضارة" والإسلام. وهي حربٌ تؤدي فيها العواملُ الثقافيةُ دوراً هائلاً يصبُّ لغير مصلحة المسلمين والعرب في كل مكان. وليس المقصود هنا أنَّ "منظرنا" أو "مظهرنا" سيساء إليه من وراء ذلك؛ بل المُرادُ أنّ وجودنا هو الذي يتعرّضُ للأخطار والكوارث نتيجة ردود الفعل العنيفة التي لا تترك أثراً ايجابياً في مصائر الحرب الدائرة؛ بل تزيدُ من اندفاع الدول والأُمَم باتجاه الانضمام إلى "الحرب على الارهاب" وتحوّلها واقعياً إلى حرب على الوجود العربي والاسلامي، يجري التنكُّرُ فيها لحقوقنا وإنسانيتنا بحجة تنكّرنا نحن للقيم الانسانية العالمية.

ولننظر إلى الواقعة التي انتهت بمأساة في أوسيتيا الجنوبية. فالمشكلة الشيشانية مشكلةٌ قوميةٌ عُمُرُها قرنٌ ونصف القرن. وما كان هناك شكٌّ لدى الأوروبيين والأميركيين حتى العام 2001 بضرورة تطبيق مبدأ وحق تقرير المصير هناك. ثم جاءت أعمالُ العنف ضدَّ المدنيين ـ من جانب جهاديي ابن لادن فالمقاتلين الشيشانيين والعرب الذين معهم ـ وبينهم أخيراً مئاتُ الأطفال، فبرّرت وسوَّغت لروسيا وللعالم تجاهُل الحق الشرعي للشيشانيين في حلٍّ معقول لمشكلتهم القومية، والاندفاع في حملات إبادة ضدَّ أولئك "المتوحشين".

وهكذا، فكما أنه لا علاقة للاسلام وشريعته بقتل الأطفال والنساء والمدنيين غير المقاتلين؛ فإنّ أعمال الإجرام هذه لن تؤدّي إلى جلاء الأميركيين عن العراق ولا الروس من بلاد الشيشان.

ومثل ذلك أو يضاهيه في السوء ما فعَلته الحكومةُ السودانية في دارفور عندما استخدمت ميليشيات محلية (الجنجاويد) لإرعاب المتمرّدين والمتذمّرين هناك. فتحول ذلك النزاع الصغير والداخلي إلى نزاع مصيري بين العرب والأفارقة لأن الجهات الدولية المستغلّة ما وجدت سبيلاً لاتهام الحكومة الاسلامية في السودان بالتعصب الديني لأنَّ أهل دارفور جميعاً مسلمون.

إنّ المقصودَ هنا ليس اصطناع الحكمة أو الموعظة. إنما المقصود أنَّ الغايةَ لا تبرّر الوسيلة أبداً، وأن اتخاذها حجةً من جانب الضعيف بالذات، تنقلب إلى ضدّها، لأنّ الأمر سيفلتُ من يده، وستتمكن الأطرافُ القويةُ من استغلالها للوصول إلى عكس ما قصده أو قصدناه.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic