حتى يقال: في حمى العماد !

عادل مالك
جريدة النهار (لبنان)
الثلاثاء، 7 أيلول «سبتمبر» 2004

     محاولة للبوح بكلام هادىء وسط هذا الجو العاصف. 

والكتابة عن الاحداث الاخيرة التي شهدها الوطن تنطوي على اكثر من اجتهاد. لذا دعونا نقتفي اثر الامام الشافعي ونقول: إن موقف هذا الفريق (المعارضة مثلاً) صحيح لكنه يحتمل بعض الخطأ، وان موقف ذاك الفريق (الموالاة مثل) خطأ لكنه يحتمل بعض الصواب. لذا فلا الصح هو مطلق ولا الخطأ هو مطلق كذلك. وبهذا نسقط لعبة التصنيفات غير اللائقة بحق الوطن ولا بحق المواطنين. 

ان البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية بعد تمديد ولاية الرئيس اميل لحود ثلاث سنوات جديدة هو في ذاته خطة حكم وعناوين سمة مرحلة هذه السنوات، سواء لجهة الاعلان ان لبنان هو على ابواب مرحلة جديدة عنوانها طي صفحة الماضي، او الترفع عن المعارضة والموالاة او رفضه ان تكون نتيجة التصويت في مجلس النواب هي بين مهزوم ومنتصر، بل ان الجميع منتصربفعل الرقي الذي عبّر عنه المجتمع اللبناني في جعل المناقشات السياسية مهما تكن حدتها ، محصورة تحت سقف التعبير السياسي والاعلامي”. 

ثم ان الملاحظة الابرز في البيان “ان يدي وقلبي مفتوحان للجميع من دون استثناء... وتحقيق اجواء المصالحة والتسامح بين مختلف فئات الشعب اللبناني”. 

ومن هذا المنطلق ورغم اننا لا نطمح مطلقا الى بلوغ الجمهورية الفاضلة في وقت منظور، نريد الاعتقاد ان نوايا الرئيس لحود للسنوات الثلاث المقبلة تشير الى انها ستكون اشبه بالبديل من الضائع للولاية الاصلية. 

وبعيدا عن لغة الانفعال وتحريك الغرائز يجب الاعتراف بوجود العديد من نقاط الالتقاء بين رئيس الجمهورية، والمعارضات اللبنانية على اختلاف انتماءاتها في توجيه الانتقادات اللاذعة الى الوضع العام في البلاد. والمهم في التفاصيل الكثيرة التي شهدتها الايام الاخيرة تكمن في اخذ العبر والدروس مما جرى اكثر من البقاء في دائرة التراشق الكلامي. فبين اللبننة والسورنة والامركة والاسرلة رسا الوضع السيادي اللبناني على التدويل او لنقل على وضع مجلس الامن الدولي يده على التفاصيل اللبنانية المختلف على صناعتها، هل هي صناعة محلية ام صناعة لبنانية – سورية مشتركة؟ ام ان الولايات المتحدة وجدتها سانحة لتسجيل بعض النقاط في منازلتها الديبلوماسية مع سوريا في هذه المرحلة من عض الاصابع، فاختارت مسألة تعديل الدستور في لبنان للنفاذ الى هذا الصراع؟ 

ولا ندري ان سابقة مماثلة من هذا النوع حصلت من مجلس الامن وبايحاء واضح من الولايات المتحدة ودور مساند من فرنسا، الا في حال هايتي قبل سنوات قليلة عندما ضغطت واشنطن على مجلس الامن لاستصدار قرار يعهد بالحماية والرعاية الى قوات دولية، كانت في الواقع قوات اميركية خالصة لانقاذ حكم الرئيس برتران أرستيد. 

نستنتج من ذلك ان قواعد اللعبة تغيرت بعدما سادت سنوات عدة ولم نكن نعرف أهمية لبنان ووقعه في تقرير السلم العالمي الى هذه الدرجة حتى نبهنا الى ذلك الناطق باسم الخارجية الاميركية ريتشارد باوتشر، بالاضافة الى التنسيق الاميركي – الفرنسي، ولم نعلم سر هذا الود المستجد بين باريس وواشنطن والتلاقي على ضرورة الدفاع عن مصلحة لبنان. 

كذلك لم نكن نعلم مدى حرص الولايات المتحدة على سيادة لبنان واستقلاله الا في الايام والاسابيع الاخيرة. والسؤال البسيط الى حد السذاجة ربما: لماذا كان الوجود السوري في لبنان كل هذه السنوات يحظى بدعم اميركا في الظاهر او في المستتر، واليوم أصبح الانسحاب السوري من لبنان في غاية الالحاح والخطورة؟ 

طبعا هذا لا يعني اننا كنا لنعارض هذه الدعوات لو تمت في اطار مختلف او في توقيت آخر وظروف غير ما هو قائم. لذا كان هذا السباق المحموم بين انعقاد مجلس الامن في نيويورك واجتماع مجلس النواب في ساحة النجمة. 

كان لبنان نصيرا للشرعية الدولية وصبر طويلا على تنفيذ قراراتها المتعلقة بمصيره. وفي نهاية الامر لم يتحقق تطبيق القرار 524 الا على يد المقاومة. ورغم ذلك يجب ألا تتحول الازمة الناشئة بين “الشرعية الدولية” و”الشرعية اللبنانية” منازلة فعلية بين الشرعيتين لا يستطيع لبنان ان يتحمل اوزارها اذا ما قررت “لعبة الأمم” ان تمارس دورها التقليدي في تغيير الوقائع على الارض بشتى الوسائل او القيام بعملية جديدة لخلط الاوراق من جديد في المنطقة. 

مطلوب من الرئيس لحود ان ينتقل من مرحلة الاعتراض على معارضيه الذين حالوا دون تطبيقه المشاريع الاصلاحية، الى مرحلة عملية تشعر كل مواطن لبناني بأن تغييرا فعليا في أسلوب التعاطي والازمات قد حصل. والتمديد تحقق وكلف غاليا، وهو الفرصة الاخيرة حتى لا تبقى المادة 49 من الدستور عرضة للصراعات والاختلافات عند انتهاء كل ولاية. 

ومطلوب كذلك وسط حال التشنج القائمة تنظيم حال الاختلاف بين الاطراف اللبنانيين على الاقل تمهيدا لقيام وفاق وطني حقيقي. فلا التناحر يفيد، ولا استبعاد الاخر يفيد، ولا الاستئثار بالحكم والوطن والوطنية يمكن ان يكون شعارا محوريا للمرحلة الآتية. ولا يجب الفصل والتفريق بين الجانب الاستراتيجي والوضع الداخلي فكل منهما مهم جدا. 

ان الوطن الصغير رغم هذه الانتفاضة الداخلية ليس في منأى عن رياح الاخطار العاتية والمتدافعة الى المنطقة في أشكال مختلفة. وان رحابة صدر رئيس الجمهورية مرت باختبارات عديدة بعد ما ظهر ويظهر من تعليقات صحافية كاملة الحرية وبدونها لا يكون لبنان ، بل يكون كغيره من الدول، وهذا ما يرفضه جميع اللبنانيين وإن من منطلقات وبأساليب مختلفة. 

وفي الختام أستسمح قراء “النهار” بزيارة ضريح الفقيد العزيز ميشال ابو جودة لاستئذانه باستعارة عنوان لمقال شهير له في حقبة الستينات وهو (في حمى الامير). والمقصود بالطبع كان الامير اللواء فؤاد شهاب. مع اختلاف الكثير من الظروف والمعطيات أردد: “حتى يقال ان الوطن اللبناني كان فعلا في حمى العماد”. 

وحفظ الله الوطن الصغير الكبير من بعض محبيه حينا، ومن بعض الغيارى عليه حينا آخر، فضلا عن المتربصين له والذين يضمرون له السوء. 

لماذا؟ لأنه لبنان.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic