سوريا قوية أم ضعيفة؟
هذا السؤال الاستراتيجي يطرح نفسه على غالبية المنتديات السياسية في لبنان وسائر الدول العربية. الجواب عن هذه الاشكالية لا يستهدف بطبيعته إعادة التموضع في التعاطي العام مع دمشق، لأن مَنْ يقف إلى جانبها تكتياً واستراتيجياً لا يستطيع أن يتراجع، ومَنْ يناصرها في المصالح الكبرى إنما ينطلق من إدراكه أن قوته من قوة سوريا وضعفه من ضعفها، ومَنْ يحيِّد نفسه عنها أو يناصبها العداء لن يدنو صوبها ضعيفة ولن يلامس خطوط التماس معها، قوية.
ولكن الوصول إلى جواب واضح من شأنه إتاحة المجال أمام المراقبين لفهم ما حصل من تطوّرات على الساحة اللبنانية في الأسبوعين الأخيرين واستشراف ما سوف تكون عليه الأحوال في المديين القريب والمتوسط.
وينقسم الرأي بين الأطراف التي تحاول معرفة الواقع السوري الاستراتيجي بين قائل بقوتها ومؤكد ضعفها وناصح بالتريّث ترقباً للمتغيّرات المتلاحقة على الرقعة الدولية، تنافرات هنا وتحالفات هناك.
معطيات "الضعف"
وينطلق مَنْ يعتقد أن سوريا ضعيفة من إشارات مستقاة من ظاهر الحال، وأبرزها الآتي:
-
مجلس الأمن الدولي دخل على خط الضغط و"عولم" قانون محاسبة سوريا وإعادة سيادة لبنان، إن لم يكن بالعقوبات "الرادعة" في المرحلة الأولى فبالمطالب المثارة.
-
الاتحاد الأوروبي وضع مشروع الشراكة مع دمشق على "الرف" وزاد على تعقيدات "الخلاف" وجوب تخلي سوريا عما يسميه "السيطرة على القرار السياسي في لبنان"، ذلك أن بيروت وبعد عقدها اتفاقية الشراكة الأوروبية باتت ملزمة بمراعاة مبادئ الديموقراطية.
-
فرنسا التي كانت أكثر المدافعين عن سوريا وصلت إلى مرحلة التخلي عن "ديبلوماسية التضحية" بعدما اعتبرت أن دمشق تضرب عرض الحائط بمصالحها الاقتصادية في سوريا والسياسية في لبنان، الأمر الذي نقل نظرة باريس إلى الوجود العسكري السوري في لبنان من خانة مقاربته مع الوجود الأميركي في ألمانيا إلى خانة الوجود الألماني في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية.
-
الولايات المتحدة الأميركية ترفض عقد صفقة شاملة مع سوريا أو إجراء حوار رسمي رفيع المستوى معها، وبالتالي فالعلاقات مأزومة وحلها معقود على أن تنفذ القيادة السورية المطالب الأميركية الخاصة بالعراق ولبنان وفلسطين وبآليات الحكم في سوريا بالذات. وهذه مطالب تكتسب أهميتها من كونها تجسدت قانوناً أقره الشعب الأميركي بمجلسي النواب والشيوخ ووافقت عليه الادارة والتزمت تنفيذه.
-
موقع سوريا الجغرافي الضعيف استراتيجياً: اسرائيل من جهة أولى. الجيش الأميركي على الحدود المشتركة مع العراق من جهة ثانية. تركيا "الأطلسية" من جهة ثالثة. الأردن "أولاً" من جهة رابعة. ولبنان "المدوَّل" من جهة خامسة.
-
عدم القدرة على ترجمة الدعم الشعبي العربي للأدبيات السورية المقاوِمة، بفعل إمساك الأنظمة بالشارع من جهة أولى والتهائها بمشاكلها الوطنية في زمن غياب "الدولة الاقليمية" من جهة ثانية.
-
إن استمرار سوريا في المطالبة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي. عند البحث في حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي سوف يُواجَه بالمطالبة باحترام كل قرارات مجلس الأمن بما في ذلك القرار 1559، ولو استمر في وضعيته الراهنة.
معطيات "القوة"
إلا أن أطرافاً أخرى، وفي مقدمها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ترفض التسليم بضعف سوريا، انطلاقاً من الآتي:
-
إن صقور وزارة الدفاع الأميركية وفي مقدمهم بول وولفوفيتز ودوغلاس فايث قد وصلوا في هذه المرحلة إلى أضعف أحوالهم، بفعل فضيحة التجسس لمصلحة اسرائيل، وبالتالي فهم مهددون بالسقوط إن لم يكن جسدياً فمعنوياً ومعهم ستسقط نظريات توأمة "البعث" العراقي و"البعث" السوري، وبالتالي الدعوة لمعاملة الحزبين معاملة متشابهة.
-
إن ما يحصل في وزارة الدفاع سيعيد الأهمية إلى صوت "الجنرالات" الذي يفضّل عدم اللجوء إلى الحرب على صوت "المدنيين الطارئين" الذي يهزأ بكلفة الحروب على اعتبار أن الانفاق على الجيوش هدفه إرساء امبراطورية غنية وطاغية وليس التدخل في السياسة أو تمضية الوقت في الثكنات وفي المهمات السياحية.
-
إن النتيجة الطبيعية لفضيحة التجسس في وزارة الدفاع هي تقوية صوت وزارة الخارجية الأميركية التي تفضل الحوار ـ بليونة أو بقسوة ـ على أي شكل من أشكال تسوية الصراعات.
-
إن ضعف مكوّنات وزارة الدفاع الأميركية المدنية ستُعيد إلى الواجهة تأثيرات "وكالة الاستخبارات الأميركية" (سي. آي. إي) التي تقيم علاقات جيّدة مع الأمنين اللبناني والسوري على قاعدة مكافحة الارهاب وفق مصطلح الرئيس السوري بشار الأسد، الأمر الذي يفتح المجال لتطويق الاضطرابات الديبلوماسية والسياسية كلما طرأت على واقع العلاقات بين واشنطن ودمشق.
-
إن العراق وبعدما تخطى عدد القتلى في صفوف الجيش الأميركي الألف أصبح ورطة للولايات المتحدة الأميركية وأصبح عالة على ماليتها العامة، في وقت يثبت أنها لا تزال عاجزة عن توفير الأمن للمطار في بغداد فيما الفوضى تدب في كل أوصال العراق باستثناء كردستان.
-
إن قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1559 الصادر قبل ستة أيام مستحيل التنفيذ بالمهلة المطلوبة (انسحاب القوات الأجنبية، حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، نشر الجيش اللبناني في الجنوب...) وغير مرتبط بسلّم عقوبات في حال لم يقترن بالتنفيذ.
-
إن سوريا وصلت مراراً إلى عتبة التصادم مع المجتمع الدولي ولكن سرعان ما تمكنت من حل التعقيدات "بالتي هي أحسن". في العام 1989 اتهمت اللجنة السداسية العربية سوريا بعرقلة حل الأزمة اللبنانية وبعد أشهر شكرت اللجنة الثلاثية العربية وبمباركة الولايات المتحدة الأميركية الدور الايجابي الذي تلعبه سوريا في لبنان.
استراتيجية ما بعد 11 أيلول
ولكن هذا الاستعراض لنقاط الضعف الظاهرة من هذه الجهة ونقاط القوة المنقبة من تلك الجهة، لا يمنع من قراءة تتداخل فيها المعطيات بحيث ترسم صورة شبه موحدة، وذلك بالاعتماد على المعطيات الآتية:
- أولاً: إن ضعف صقور وزارة الدفاع الأميركية يصب في مصلحة سوريا ولكن مع التطوّرات المتلاحقة على مستوى المؤسسات الأميركية ككل فإن السياسة الأميركية المتّبعة حيال سوريا إنما تسترشد بالقانون المعادي لها، خصوصاً وأن "حمامة" الادارة الأميركية الحالية كولن باول لم يجد قبل سنتين ما يعينه على منافسيه الصقور في الأداء السوري.
- ثانياً: إن اللوبي الصهيوني المتحرّك بقوة في أروقة القرار الأميركي لن يسمح بسقوط منطق الصقور حتى ولو تساقط هؤلاء من هرمية المواقع المؤثرة في الادارة التي يرأسها جورج بوش.
- ثالثاً: إن دينامية المعارضة اللبنانية في واشنطن لا تجد ما يحد من اندفاعتها، وبالتالي يستحيل أن تتوقف عن سعيها المناوئ لسوريا، خصوصاً وأنها عقدت علاقات مميّزة في السنتين الأخيرتين مع رجالات الكونغرس الأميركي ومع مفكري مراكز الأبحاث المعنية بصنع القرار وفق آلية العمل الأميركية.
- رابعاً: إن النظرة السلبية إلى سوريا، بفعل التطوّرات الأخيرة وبينها مسار الاستحقاق الرئاسي اللبناني، قد وحدت وللمرة الأولى منذ الحرب على العراق بين الولايات المتحدة ودول أوروبا القديمة المدعومة بوضوح تام من الفاتيكان (والبطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير يعمل وبشكل لا لبس فيه تحت مظلة القرار الفاتيكاني الذي يتأثر إلى حد كبير سياسياً بما توفره فرنسا من معلومات).
- خامساً: إن الادارة الأميركية إزاء ورطتها المتزايدة في العراق تحتاج إلى إجراء تفاهمات عميقة مع "أوروبا القديمة" عموماً وفي مقدمها فرنسا المعنية بالاستفادة من بعض الصفقات النفطية في العراق بعدما سُدَّت أمام شركاتها الوطنية منافذ أخرى والضاغطة ليبقى لها "مرقد عنزة" في لبنان تطل منه على ساحة التأثير في الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وبالنسبة للرئيس جورج بوش لا تعتبر فرنسا تفصيلاً بعد التعقيدات في علاقة بلاده مع العالم، إذ سبق له وقال في خلال زيارته الأخيرة لباريس ان الناس ظنّوا أن الولايات المتحدة على صراع مع العالم، ولكن في حقيقة الأمر كانت على خلاف مع فرنسا التي لها مكانتها في الضمير العالمي.
- سادساً: إن الرئيس جورج بوش، ولو كانت له مصالح اقتصادية واضحة في الشرق الأوسط، إلا أنه في زاوية من شخصيته الجنوبية المتدينة يعتبر أن ما يقوم به هو مهمة إلهية لا بد من إتمامها.
- سابعاً: إن الادارة الأميركية التي رسمت لنفسها غداة الحادي عشر من أيلول 2001 استراتيجية جديدة، تحاول أن تنقذ نفسها من تهمتين أضعفتا مصداقيتها مع الزمن، أولهما انها تتراجع أمام المقاومة التي تلحق بها خسائر بشرية (حالة فيتنام القديمة وحادثة الصومال حديثة العهد نسبياً) وثانيهما أنها تتنازل عن وعودها ومبادئها عندما تتوصل إلى عقد صفقة مع أنظمة تدّعي العداء لها.
- ثامناً: إن قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1559، ولو كان قد أتى بصيغته التعديلية من دون عضل، إلا أنه يشكل اللبنة الأساسية في التعاطي الدولي المرتقب مع سوريا ويجب قبل الحكم له أو عليه، انتظار ما سوف يتقرر بدءاً من الثالث من تشرين أول المقبل أي مع حلول الموعد الذي يفترض فيه أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان تقريره حول مسار التعاطي السوري ـ اللبناني مع هذا القرار.
- تاسعاً: إن خطورة هذا القرار الدولي تكمن في أنه الأول من نوعه بحق سوريا، بعد انتهاء الثنائية العالمية المتوازنة بفعل انهيار الاتحاد السوفياتي، في حين أن كل القرارات الأخرى بما في ذلك القرار 520 صدر في ظل ثنائية كانت توفر التوازن لمصلحة سوريا في صراعها المفتوح مع اسرائيل.
في مطلق الأحوال، فإن الكلام على ضعف سوريا أو قوتها يبقى حتى مرحلة زمنية قريبة معقوداً على مسألتين محوريتين. تتمثل الأولى بالسؤال عما إذا كان سيعود الرئيس الأميركي جورج بوش في أوائل تشرين ثاني المقبل إلى البيت الأبيض لمواصلة سياسته بمبادئها وأدواتها واندفاعتها أم أنه سيخلي مركز القرار لأسلوب جديد مع جون كيري. وتتجسد الثانية في الطريقة التي سوف تتبعها سوريا في التعامل مع فرنسا وعموم أوروبا، بحيث تنجح في سحبها من دائرة الضغط أو تدفعها إلى تبني مزيد من الخطوات التصعيدية.