الموقف الفرنسي: محاولة “فهم” 

 جوزف سماحة
جريدة السفير (لبنان)
الثلاثاء، 21 أيلول «سبتمبر» 2004
جوزف سماحة

    لم يقدم أحد، حتى الآن، تفسيراً مقنعاً للدور الذي لعبته فرنسا في إصدار القرار 1559. واللافت أن باريس لم تكن مهتمة كثيراً بشرح هذه الخطوة. أو لنقل إنها تعمّدت تقديم روايتين متناقضتين بعض الشيء. 

الرواية الأولى، رسمية، تحلّق في عالم المثاليات، وتغرف من ترسانة أخلاقية يتقنها الدبلوماسيون في العادة عندما لا يريدون قول شيء. فالموقف الفرنسي، في هذه الحالة، نابع من الحرص على سيادة لبنان، وعلى دستوره، وعلى الحريات فيه، وعلى تجنيبه الخضوع لدولة أخرى، وعلى حمايته من أن ترتد عليه تهديدات صادرة منه، وبرغم إرادته، ضد الاستقرار الإقليمي. ومن دون التشكيك بنبل هذه العواطف سيكون مسموحاً القول بأنها لم ولن تشكل مبررات كافية لسياسة دولة مثل فرنسا. 

الرواية الثانية جرى تسريبها عبر الصحف ووسائل الإعلام. وهي تهبط من عالم المثاليات إلى وحول المركنتيلية. وفيها أن باريس أرادت معاقبة سوريا ولبنان جراء ما تعرضت له “توتال” و”فرانس تيليكوم”. كما فيها أن علاقات شخصية قد تكون لعبت دوراً، وأن الرئيس جاك شيراك مستاء من وعود سورية لم تنفذ ومن سلوك لبناني قام به الرئيس إميل لحود وأضر بالرعاية الفرنسية “المشخصنة” لباريس 2. 

الروايتان، على تناقضهما، غير مقنعتين، ولا تردان على تساؤلات المتسائلين. فالحقيقة تقتضي التذكير بأن سلوك فرنسا فاجأ الكثيرين هنا في حين أنه لم يكن موضع استغراب فعلي في فرنسا نفسها. 

ربما تقع مسؤولية المفاجأة على من أصيبوا بها. فهؤلاء يخلطون، على الأرجح، بين فرنسا كما ترى نفسها وسياستها وبين فرنسا المرفوعة في المتخيّل العربي (الجماعي؟) إلى مرتبة لم تقل يوماً إنها تريدها لنفسها. 

ربما كان مكمن الخطأ أن هناك، بيننا، من أساء فهم الموقف الفرنسي في الحرب الأميركية على العراق. لم يكن هذا الموقف نابعاً من حرص باريس على النظام العراقي وموقعه، ولا من استعداد للتساهل مع حيازته أسلحة دمار شامل وإنشائه علاقة ما مع الإرهاب الدولي. كما لم يكن الموقف صادراً عن نعرة قومية عربية ألمت بفرنسا فجأة وهي البلد الذي يتساءل، منذ سنوات، عن معنى العبارة القائلة “سياسة فرنسا العربية”. وهو، بالمناسبة، تساؤل في محله نتيجة التشرذم العربي ونتيجة الفشل المدوي في وجود “سياسة عربية للعرب”. 

لقد قاوم جاك شيراك نهج جورج بوش انطلاقاً من حسابات فرنسية وأوروبية محددة: عدم الحسم في تصديق الادعاءات الأميركية، الرغبة في إعطاء المفتشين وقتاً أطول، الإصرار على إجازة من مجلس الأمن حيث “يتساوى” الخمسة الكبار، الخشية من حرب غير شرعية تضرب الاستقرار وتعزز الانقسامات في العالم وتوفر زاداً إضافياً للأصولية وتياراتها. ويمكن القول بسهولة، وخلافاً لاعتقاد عربي شائع، إن فرنسا كانت ستكون طرفاً في الحرب لو أن الإدارة الأميركية الراهنة لم تكن على ما كانت عليه من رعونة. 

يستند هذا الخطأ العربي في قراءة الموقف الفرنسي إلى خطأ أشد جسامة في التقدير. ثمة وعي سائد، لدينا، يعتبر أن استقطاباً دولياً جديداً ورث الاستقطاب السابق، وأن فرنسا هي، بمعنى ما، البديل “العصري” للاتحاد السوفياتي. هذه مزحة سمجة تجعل أي فرنسي يستلقي على ظهره من الضحك. إن “المحافظين الجدد” في أميركا هم 

من يتهمون فرنسا بأنها تريد بناء استقطاب من هذا النوع، وردفه بشبكة علاقات ثابتة، بما في ذلك في الشرق الأوسط، من أجل مناهضة الولايات المتحدة أو منافستها. وليس سراً أن النخبة الفرنسية تتعاطى مع هذا التوصيف بصفته تهمة أو، في أحسن الأحوال، بصفته “شرفاً” لا يدعيه أي فرنسي عاقل. 

ولأن الوضع كذلك، أي لأننا لا نعيش صيغة جديدة للاستقطاب الدولي، فإن التحالفات ليست بالثبات الماضي. ففي عام 76 مثلاً دخلت القوات السورية إلى لبنان خلافاً لرأي الاتحاد السوفياتي وكان كوسيغين في دمشق. لم يمنع ذلك استمرار التحالف وبخاصة عام 83 في تحقيق إنجاز في لبنان. أما اليوم فهذه الواقعة غير قابلة للتكرار. 

ويمكن لمن يريد التأكد أن يراجع وضعية “المحور” الفرنسي الألماني الروسي الذي عارض الحرب الأميركية. إنه، باختصار، ليس “محوراً”. إنه تحالف ظرفي يحتج على أسلوب أميركي وعلى الانفراد وعلى تجاهل المؤسسات المشتركة من مجلس الأمن إلى حلف شمال الأطلسي. أي أنه يحتج على عدم الاعتراف الأميركي بثبات التحالفات ضمن المعسكر الغربي وفي إطار التوافقات المستجدة مع روسيا. وهذا التحالف الظرفي يقوم ما دامت له وظيفة، ويستمر ثنائياً بين ألمانيا وفرنسا طالما للبلدين مصلحة مشتركة في التأثير على تطورات البناء الأوروبي. 

وبمناسبة الحديث عن أوروبا يجب القول، لواهمين عرب، إن فرنسا، وحدها، لا تملك القدرة ولا الادعاء على خوض سياسة كونية، كما أن فرنسا الأوروبية مقيّدة بأثقال هائلة تزداد وزناً مع توسيع الاتحاد ومع وفود دول جديدة إليه أميركية الهوى في الغالب. 

يسمح ما تقدم بوضع الموقف الفرنسي الأخير في إطار واقعي. ولمزيد من الوضوح يجب القول بأن شيراك لا يسمح لنفسه بأي مفاضلة بين الولايات المتحدة من جهة وبين تحالف يضم الرئيسين بشار الأسد وإميل لحود ومعهما “حزب الله” و”حماس”، و”الجهاد الإسلامي” و”المقاومة العراقية”، خياره حاسم في هذا الشأن. إنه حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأميركية وطامح إلى إصلاح ما أعطبه بوش في هذا الحلف، وإلى ان تكون كلمته مسموعة في واشنطن أكثر من كلمة توني بلير خاصة إذا كان يملك تقديراً متبايناً لما يتوجب على التحالف الغربي القيام به. 

يفترض بهذا التقدير للسياسة الفرنسية أن يخفف من وقع المفاجأة على من فوجئوا. غير أن هذا التقدير، بالضبط، هو الذي يحملهم مسؤولية أكبر في إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه. لقد كان واجباً التعاطي مع مهمة إبقاء فرنسا على مسافة ما، ولو قصيرة، من الولايات المتحدة بصفتها “مهمة نضالية”. ولعل معاملة فرنسا كما لو أنها في الجيب هي ما أسماه وليد جنبلاط، عن حق، “سذاجة دبلوماسية”. 

لا نعلم ما هي الحكمة في عدم تمكين فرنسا من الاستفادة سياسياً واقتصادياً في لبنان وسوريا. لا نعلم ما هي الحكمة في عدم إعطائها وضعية تفضيلية والاستفاضة معها في مناقشة “نصائحها السياسية”. لا نعلم ما هي الحكمة في جعلها هامشية في سوريا ولبنان وفلسطين وعرضة لانتقادات أياد علاوي. هل نعتقد أنها تعتاش على التضامن معها في قضية الرهينتين علماً أنه تضامن لم يفك أسرهما بعد وهو صادر عن قوى لا تستطيع فرنسا تحمّل العلاقات معها لا حيال رأيها العام ولا الرأي العام الأوروبي والغربي. 

لا وهم حول ما كان يمكن القيام به وتأثيره على القرارات الكبرى في فرنسا. ولكن المستحسن هو امتلاك شعور بأننا قمنا بما علينا. لو فعلنا ذلك لبات في وسعنا أن نطرح على باريس الأسئلة المحرجة التالية: 

1. لماذا الإصرار على قرار من مجلس الأمن، سيطارد لبنان وسوريا، وليس على بيان رئاسي؟ 

2. لماذا التوجه نحو طرح مهمات على لبنان مستحيلة التنفيذ بأدوات محلية وهي، في حال تنفيذها، لا تنقله إلى موقع حيادي موهوم في صراعات المنطقة بل إلى الدوران في الفلك الأميركي الإسرائيلي؟ 

3. لماذا عدم الإشارة في قرار مجلس الأمن، وخلافاً لمواقف فرنسية سابقة، إلى ارتباط العلاقات اللبنانية السورية بالتسوية العامة في المنطقة؟ 

هذه أسئلة مقلقة. وهي تستدعي غيرها وخاصة السؤال الذي يتعلق بما إذا كانت فرنسا مقبلة أو متجهة نحو إعادة تموضع إجمالي يأخذ بالاعتبار أن الحرب العراقية حصلت وأن “أبواب جهنم فتحت”. 

إن إعادة التموضع هي كناية عن انتقال شيراك من اعتبار الانفراد الأميركي حلماً سيئاً إلى اعتبار الهزيمة الأميركية كابوساً لا يحتمل. وفي هذه الحالة لا يضير الرئيس النيو ديغولي توظيف سياسته اللبنانية السورية في خدمة منع الانكسار الأميركي في العراق على يد عدو مشترك. 

يستحق هذا التساؤل بحثاً على حدة.
 

* رئيس تحرير جريدة السفير

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic