قراءة صريحة ومتأنية في الحدث اللبناني السوري

كريم مروة
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 22 أيلول «سبتمبر» 2004

     قبل جلستي مجلس الوزراء والمجلس النيابي، اللتين فرضت عقدهما القيادة السورية في شكل مفاجئ، وعلى استعجال، من أجل تعديل الدستور اللبناني وتمديد ولاية رئيس الجمهورية العماد إميل لحود لمدة ثلاث سنوات، كانت الأمور في البلاد تشير إلى ما يشبه العودة، ولو بحدود، أو هكذا خُيِّل إليَّ وإلى آخرين مثلي إلى ممارسة الديموقراطية اللبنانية القديمة في انتخابات رئاسة الجمهورية، تأكيداً لمبدأ الديموقراطية في تداول السلطة، الذي ينفرد لبنان في احترامه، ولو في شكل لا يرضي اللبنانيين. فما الذي دعا القيادة السورية إلى تغيير ذلك المسار إذا كانت تصوراتنا عنه صحيحة وإلى الوقوع في ذلك الخطأ الذي استدعى بخلاف ما كنا نتمنى اتخاذ ذلك القرار الخطير بدلالاته في مجلس الأمن ضد سوريا في الأساس، وضد لبنان، التابع في سياساته للقرار السوري بالجملة وبالتفاصيل؟ هل لأن الرئيس إميل لحود كان، مثل سلفه الرئيس الياس الهراوي، الذي كان قد مدد له بالطريقة ذاتها ولمدة ثلاث سنوات، من الشخصيات النادرة التي لا يتكرر أمثالها ولبنان مشهور بكثرة الوطنيين فيه من رجالات الدولة الأكفاء وأن إنجازاته، وإنجازات سلفه، كانت من النوع الذي لم يشهد لبنان مثيلاً لها (!) في ما يتعلق بتحرره وبتطوره وبتقدمه، وفي ما يتعلق بالمصالح الأساسية المشتركة ذات الطابع الاستراتيجي المتصلة ب”الثوابت الاستراتيجية” التي تربط بين لبنان وسوريا، وتوحِّد مصيرهما في مواجهة التحديات الكبرى على الصعيدين الإقليمي والعالمي؟ 

يدفعني ويدفع كثيرين غيري إلى هذا التساؤل بشقيه إحساسنا العميق بالمسؤولية تجاه بلدنا لبنان في الدرجة الأولى، وحقنا في معرفة إلى أين يُسار بنا، بالنيابة عنا، وخارج إرادتنا وضدها. وهو تساؤل لا نريد أن يُفهم على غير حقيقته. فنحن لا نرمي من طرحه، قط، إلى التشكيك بأهمية العلاقة الصحيحة بين لبنان وسوريا، ولا نبتغي، قط، الإساءة إلى شخص كل من الرئيسين. وجوهر ما يهمنا، كمواطنين وطنيين وديموقراطيين لبنانيين، هو التأكيد أن ثمة خطأ قد حصل في السياسة والممارسة، ويستمر في الحصول منذ زمن غير قصير، وأن نتائج هذا الخطأ المتمادي تزداد تفاقماً في الاتجاهين، لبنانياً وسورياً، وتهدد باحتمال الخروج عن سيطرة العقلاء، وأن الضرورة الوطنية والقومية على السواء تستدعي منا أن نسمي الخطأ باسمه بصراحة، وأن نسمي، بصراحة أيضاً، كلا من مصدر هذا الخطأ والمسؤول عن فعله. ففي مثل هذه الصراحة، فقط، يكمن الرجاء في احتمال المراجعة النقدية من أجل العودة عن الخطأ برمته، واقتلاعه من جذوره، والسير في الأمور في الاتجاه السليم والنظيف، وطنياً وقومياً، ولمصلحة كل من لبنان وسوريا، في حاضرهما وفي مستقبلهما، منفردين، وفي تضامنهما أخوياً، وفي تكاملهما في كل ما هو ممكن وضروري من القضايا.

ولهذه الأسباب جميعها نكرر التساؤل: لماذا حصل ما حصل في مثل ذلك الاستعجال المفاجئ، ومن دون حساب لإرادة الكثرة من اللبنانيين، وللظروف الإقليمية والدولية؟ ولماذا عجز العقل السياسي عن قراءة ما كان سيحدث وقد حدث فعلاً بعد ذلك الاستعجال السوري المفاجئ؟ ولماذا افتقدت المسؤولية لدى كثرة من المسؤولين اللبنانيين باستثناء قلّة تستحق التقدير فخضعوا أو أُخضعوا لذلك القرار الآتي إليهم من الخارج، وهو الشقيق القريب والشريك الأساسي في قضايا مصيرية كثيرة؟ ولماذا انساق هؤلاء المسؤولون وردفاؤهم وحلفاؤهم في “المغامرة”، ولم يبادروا إلى تحكيم العقل والإرادة الوطنية، بدلا من الانجرار وراء كل موقف يأتي إليهم من الأشقاء السوريين كما لو أنه قدَر، والقول للأشقاء، من موقع المسؤولية الوطنية والقومية، بأن مثل ذلك التدبير، وتدابير أخرى كثيرة من نوعه مخالفة للدستور، ولمصالح اللبنانيين ولمشاعرهم، يعرض البلدين والشعبين لمخاطر داخلية لا يعرف أحد كيف ومتى ومن أية جهة تأتي، ولمخاطر خارجية تشكل العزلة الدولية والتناقض مع الشرعية الدولية أحد أبرز مظاهرها المثيرة للقلق؟ 

هذه الأسئلة والتساؤلات التي نطرحها، هنا، والتي تلتقي وتتجمع حولها وحول كثير غيرها المعارضة اللبنانية المتعاظمة، بتوجهاتها واتجاهاتها المختلفة، المعارضة لتعديل الدستور وللتدخل السوري فيه، هي محور الهم الذي يتطلب من العقلاء في البلدين الوقوف عنده، والبحث في كيفية مواجهة ما يرتب عليه تطور الأمور من نتائج، محلياً وإقليمياً ودولياً. 
 

قراءة الحدث: قبل وبعد

     وقبل الدخول في البحث عن كيفية الخروج من المأزق الجديد القديم أحب أن أذكِّر بما كان عليه الوضع عشية تينك الجلستين لمجلس الوزراء والمجلس النيابي، كما كان بعضنا يتصوره، وكان خاطئاً في تصوره الساذج ذاك. كنا، آنذاك، نراقب باهتمام احتمال حدوث تحولات تنبئ بتغيير مفاجئ، ولو بحدود، في العلاقات اللبنانية السورية، تغيير كنا نتصور او نتمنى أنه اذا حصل سيحرر سوريا من تبعات سياسات خاطئة دامت ثلاثة عقود ونيفا في التعامل مع لبنان، وأنه سيحرر لبنان من سياسات خاطئة ارتكبتها الطبقة السياسية اللبنانية، من موقع التبعية الكاملة للقيادة السورية، في تعاملها مع هذا البلد، الذي دمرته الحرب الأهلية، وتابعت تدميره سياسات تلك الطبقة في مرحلة ما بعد الحرب، مدعومة من الأشقاء السوريين، وذلك باسم مجموعة من الشعارات، معظمها كان نقيضاً في الممارسة لمدلولاتها العامة المعلنة. كنا نراقب احتمالات ذلك التغير، رغم أن بعضنا كان شديد الحذر إزاء مثل هذا التفاؤل، انطلاقاً من أن الشروط لم تكن متوفرة لاحتمالات تحققه. 

كان ذلك قبل وقوع الحدث. أما وقد حصل ما حصل فقد صار لزاماً علينا أن نعيد قراءة الوضع برمته، ما قبل حصول الحدث، وما بعد حصوله، وإلى مدى أبعد من اللحظة التي نحن فيها. ونقطة الانطلاق في هذه القراءة هي الإقرار بأن الحدث هو لبناني سوري. أي أنه ليس سورياً وحسب، ولا هو، بالطبع، لبناني وحسب. والجانب الأساسي في الحدث هو سوري. أما الجانب اللبناني فهو الجانب الملحق بالجانب السوري. والعلاقة بين الأساسي والملحق هي علاقة الوصي بالموصى عليه، إما لأن هذا الأخير لم يبلغ بعد سن الرشد، أو لأنه بلغ تلك السن وأصيب بالإعاقة، ودخل في حرب مدمرة مع ذاته وجلب إليها العالم كله، وعجز عن ايقافها، وصار بحاجة إلى منقذ ووصي؛ أو لأن الوصي، وهو الشقيق الأكبر والأقوى والأكثر نفوذاً، قد فرض على الموصى عليه وصايته بالقوة. وهي جميعها توصيفات لنوع العلاقة القائمة التي تربط البلدين منذ خمسة وثلاثين عاماً. وهي أعوام يفترض أنها كافية لكي يستعيد الموصى عليه رشده ووعيه، ويتعلم من تجاربه ومن ارشادات الوصي عليه ما لم يكن يعلم! بكلام آخر نستطيع الجزم بأن الوقت قد حان لمراجعة كاملة لتلك الحقبة، كي يحسم اللبنانيون أمرهم، بإرادة حرة وواعية ومن دون تدخل خارجي، فيختاروا مستقبلهم من بين أحد الاتجاهين الاثنين التاليين: 

الاتجاه الأول هو الذي يحرر لبنان من تبعات تلك الوصاية بالكامل، انطلاقاً من كون شعبه قد بلغ سن الرشد وفاض، وأنه قد أصبح(!) غنياً بالكفاءات وبالطاقات وهو الذي صدّر منها الكثير الى العالم العربي والى العالم وأنه يستطيع أن يجعل من بلده لبنان وطناً حقيقياً، أي وطناً غير مصطنع، وطناً لشعب حقيقي هو الشعب اللبناني ذي الشخصية التاريخية الواضحة السمات، وأنه، بذلك، يملك المقومات ذاتها التي تملكها سائر الشعوب العربية في أوطانها، وأنه بتحرره هذا يستعيد سيادته واستقلاله المفقودين، ويستعيد مرحلة كان يتطور فيها نظامه، وسط صعوبات وانقسامات طائفية وحروب داخلية، في اتجاه تقاليده الديموقراطية التي كان يتميز بها لبنان، رغم ما ساد فيها من تشويهات، عن سائر البلدان العربية الأخرى، الملكية بأنواعها والجمهورية بأنواعها والجماهيرية الاشتراكية! 

الاتجاه الثاني هو الذي يتم فيه الإقرار من قبل اللبنانيين جميعهم بأنهم ليسوا أهلاً لأن يكون لهم وطن مستقل، ودولة تحمي وتنظم مصالحهم، ويحددون معها سياساتهم وقضايا تطورهم، فيبقون في صيغة من الصيغ ومنها الصيغة القائمة تحت لواء الوصاية أو الرعاية السورية، بما في ذلك الدخول في الوحدة معها، إذا اقتضى الأمر، اندماجاً أو في اتحاد فدرالي، وينتهي الأمر! 

وبالطبع فلن يكون خيار اللبنانيين صعباً بين الاتجاهين. ولن يترددوا، بأكثرية ساحقة باستثناء قلة من فاقدي الإحساس بالمسؤولية الوطنية والقومية معاً، المنتفعين من الوضع السائد المليء بالخطأ، في السياسة وفي الممارسة بكل المعاني في تأكيد انتمائهم إلى وطنهم لبنان، أي بالانتماء إلى الاتجاه الأول، حتى ولو اختلفوا في ما بينهم في تحديد صيغة نظام بلدهم، وفي تحديد صيغة علاقاته مع سوريا ومع العالم العربي ومع العالم. 

وإذا كان ذلك كذلك فلماذا تأخرت عملية تحقيق مضامين ذلك الاتجاه، ولماذا تأخر تحديد آليات الوصول إليه، ولماذا اختلف اللبنانيون على كل من تلك المضامين وتلك الآليات، إلى أن وصلت الأمور إلى ما نحن عليه من مأزق لا نعرف كيف نخرج منه، كي نرسم طريق تطور بلدنا في الحقبة القادمة، قبل أن يتحكم بنا هذا المأزق، ويدمر المزيد من مقومات إعادة بناء بلدنا، كوطن لنا حر وسيد ومستقل، ومقومات إعادة صياغة وحدة شعبه المتعدد الأديان والثقافات والعقائد والأفكار، بصفته كان ولا يزال شعباً واحداً، خلافاً لما يوحي به شعار “العيش المشترك” المثير للالتباس! 
 

الخروج من المأزق

     لم يفت الوقت للخروج من المأزق القديم الجديد، وإن كان قد تأخر كثيراً. وللتأخر مصدران يجب أن نحددهما بوضوح، وبصراحة: 

المصدر الأول، بإطلاق، هو الطبقة السياسية من اللبنانيين التي أفرزتها الحرب، ووضعها التطبيق السيئ لاتفاق الطائف في موقع المسؤولية والقرار، وذلك في حقبة كانت ولا تزال أعقد الحقبات في تاريخ لبنان الحديث منذ الاستقلال. والطبقة المشار إليها هي طبقة هجينة تكونت في ظروف الحرب، واغتنت بالفساد وبالموبقات التي حفلت بها الحرب. وتابعت، من موقعها في المسؤولية، كل ما كانت قد تكونت عليه خلال الحرب. وكانت مصالحها تقتضي أن تستمر حقبة السلم الأهلي في المنطق ذاته والشروط ذاتها للحرب الأهلية، لكن من دون استخدام السلاح، إلا سلاح المقاومة، الذي جرى تضخيمه لأغراض لم تكن كلها في خدمة الهدف الأساسي المرتبط بالمقاومة، بل لأهداف داخلية وإقليمية كانت تتوضح باستمرار، إلى أن صار وضوحها مثل شمس لبنان الساطعة. 

المصدر الثاني هو القيادة السورية، التي أُوكلت إليها، بقرار عربي ودولي أو أَوكلت هي لنفسها مهمة تطبيق اتفاق الطائف، الذي وضع بقرار عربي ودولي، وبغطاء لبناني. وقد يبدو غريباً ولكنه في واقع الأمر ليس غريباً قط أن تتقاطع مصالح تلك الطبقة السياسية الآنف ذكرها مع مصالح سوريا الشقيقة أو مصالح فئات معينة فيها الراعية لذلك الشعب الخارج من محنة حربه العبثية المدمرة، الطامح إلى تحويل تلك الحقبة التي تلت الحرب، إلى حقبة تهيئ الشروط لانتقال لبنان إلى مصالحة وطنية تزيل آثار الحرب وذكرياتها، وتفتح صفحة جديدة من الحياة الديموقراطية، مليئة بالدروس والعبر.

والتفسير الواقعي للموقف السوري هو أن القيادات السورية جميعها وفي جميع العهود، منذ بدايات استقلال البلدين، كانت تطمح بصراحة إلى إقامة علاقة مع لبنان تكون لسوريا فيها الغلبة في الرأي والغلبة في تحديد المصالح التي أعطيت على الدوام صفة “المصالح القومية”، وذلك قبل أن يصبح حزب البعث العربي الاشتراكي، القومي العقيدة والوحدوي التوجه والاتجاه، الحزب الذي يقود سوريا. وكانت قوى لبنانية عديدة تشترك مع القيادات السورية في ذلك الطموح، بدلالاته واتجاهاته، بما في ذلك في صيغة الوحدة مع سوريا، إن بالاندماج، أو، على الأقل، بإقامة اتحاد فيدرالي بين البلدين، أو في أية صيغة أخرى. ولن أدخل، هنا، في التفاصيل، كي أشير إلى أن المعارضة لذلك الطموح لم تكن مسيحية صرفة، وإن كانت في معظمها، في فترات معينة، كذلك. وكانت قوى عديدة علمانية، أحزاباً وتجمعات وشخصيات سياسية، وقوى من اتجاهات برجوازية إسلامية كذلك، تقف ضد تذويب شخصية لبنان، رغم رفعها شعارات تدعو إلى وحدة عربية ديموقراطية تحافظ على خصوصيات كل بلد وتعمق ما هو مشترك بينه وبين اشقائه في شتى الميادين وحول شتى القضايا. 

المصدران اللبناني والسوري لسوء تطبيق اتفاق الطائف هما اللذان أوصلا البلاد إلى ما هي عليه الآن، أي إلى المأزق الذي يتمثل اليوم في مفاعيل تعديل الدستور والتمديد للرئيس إميل لحود، وفي طريقة التعامل مع قرار مجلس الأمن البالغ الخطورة في مدلولاته، بخلاف محاولات التبسيط هنا وهناك، التي يقوم بها سياسيون ومحللون في كلا البلدين، من ذلك النوع الخادع والمخدوع الذي يحب في الظروف المعقدة أن يتزلف للمسؤولين فيتجاوز ما يريدون، أو من النوع الذي يحب في الظروف ذاتها أن يقلد النعامة، إذ يخفي رأسه في الرمال، فلا يعود يرى الخطر، ولا يحس بمفاعيله. 

لقد وقعت خلال الأعوام الخمسة عشر التي أعقبت انتهاء الحرب الأهلية أخطاء فادحة في لبنان، في السياسة وفي الاقتصاد وفي كل ما يتصل ببناء الدول، لا سيما في الفترات التي تعقب الازمات الكبرى، مثل الحروب الأهلية وسواها. كما تحققت إنجازات، أهمها تحرير ما كان قد تبقى من أراضٍ لبنانية تحت الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، بدعم من سوريا. ولكن الأخطاء التي ارتكبت من قبل المسؤولين اللبنانيين أنفسهم، في الدرجة الأولى، والأخطاء التي ارتكبها الأشقاء السوريون في طريقة تعاملهم مع لبنان في شؤونه الداخلية الكبيرة والصغيرة، قد وضعت تلك الإنجازات، ومنها الإنجاز الكبير المتمثل باستكمال تحرير الأرض، على قاب قوسين أو أدنى من نقيض ما كان يفترض أن تقدمه للبنان وللبنانيين. وقد ترافقت تلك الأخطاء بتفجرات كبرى في المنطقة، كانت تتهيأ الظروف لحصولها، سرعان ما أحدث وقوعها تحولاً كبيراً في اتجاهات التطور في المنطقة بكاملها. وتمثلت هذه التغيرات ومفاعيلها وانعكاساتها في الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق وتداعياته التي لم تنتهِ فصولاً، وفي العملية العسكرية والسياسية الإسرائيلية، المدعومة أميركياً، التي وجهت ضربة كبيرة ومؤلمة للشعب الفلسطيني ولسلطته الوطنية ولحركة المقاومة فيه ولمشروع الدولة الفلسطينية. وهو ما تمثل بما يشبه الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني وما يشبه القضاء على آماله وطموحاته الوطنية. ومن الغريب أن أحداً من أصحاب الرأي في بلداننا العربية، لا سيما من هم في موقع المسؤولية، لم يستخلص من هذه التغيرات الكبرى الدروس الضرورية. وظلوا يتعاملون مع الأحداث الداخلية في بلدانهم، ومع الأحداث الإقليمية والدولية، كأن شيئاً لم يتغيَّر، وكأن الحياة على جبهتنا ما تزال كما هي من دون تعديل في اتجاه سير الأحداث. 
 

العودة عن الخطأ

     أما الآن وقد حصل ما حصل، وباتت الشرعية الدولية، التي نتوسل تطبيق قراراتها الخاصة بحقوقنا الوطنية والقومية المشروعة، في موقع الإدانة لسياساتنا، وملاحقتنا لتطبيق ما نص عليه القرار الأخير لمجلس الأمن، فماذا سنفعل؟ وما هي الوسائل التي علينا اتباعها للخروج من المأزق إلى حرية نحن بحاجة إليها في هذه الحقبة من تحولات العالم الكبرى؟ 

الجواب الوحيد، الذي لا خيار سواه، هو التأكيد على ضرورة العودة عن الخطأ، والكف عن مراهنات خاطئة، سبق أن جربت في كل من سوريا ولبنان، وجربت في أماكن أخرى من عالمنا العربي.

وللعودة عن الخطأ صيغ عديدة. ولا أعتقد أن أحداً من معارضي تعديل الدستور سينتظر من المجلس النيابي أن يفعل في موضوع التعديل مثلما فعل قبل عامين، حين عاد خلال أسبوع عن قرار صح كان قد اتخذه في شبه إجماع حول قانون اصول المحاكمات، تلبية لطلب سوري مستعجل لا يقبل التأجيل. فالإكثار من إذلال المؤسسات الدستورية، ومنها المجلس النيابي، الآتي معظم نوابه اليه عن طريق المحادل في شبه تعيين، عندما يكثر القيمون عليها من الأخطاء، تجعل النظام الدستوري والقوانين والبلاد كلها في خانة اللاشرعية، فتصبح قضية التعبير فيها كلها بمستوى الثورة، في وقت لا تتوفر فيه لهذه الثورة، حتى إشعار آخر، المقومات والشروط. سيكون للعودة عن الخطأ، في هذه الحالة، مدخل آخر، لا بد من التفكير جيداً في اختياره في هذه اللحظة بالذات، وفي امتداداتها المتعلقة بمرحلة ما بعد استقالة الحكومة الراهنة، عندما ستتخذ قرارها بالاستقالة. وأول ما ينبغي التفكير به، كشرط للدخول في تصحيح الخطأ، هو الإقرار من قبل الذين شاركوا في ارتكابه، أن الرئيس الممدد له لن يكون هو ذاته، في الوظيفة والدور والسياسة، الرئيس الذي انتهت ولايته، وأن الحكومة الجديدة التي ستتشكل للحقبة القادمة لن تكون، هي الأخرى، في وظيفتها وفي سياساتها، من طبيعة الحكومات السابقة، سواء في العهد الذي انتهت ولايته، أم في العهد السابق عليه. لكن الأهم من هذا وذاك هو أن يحصل تغيير جوهري في دور سوريا في لبنان، تغيير تكف فيه القيادة السورية وموظفوها في لبنان عن ممارسة دور الوصي في الكبيرة والصغيرة على هذا البلد الذي بلغ حتماً سن الرشد، وأن يُترك ليقرر أبناؤه فيه، على اختلاف فئاتهم، وكل قوى المجتمع المدني، مصيره، وليتحملوا مسؤولياتهم في إعادة تشكيل بلدهم، في ظل الحرية والسيادة والاستقلال، وفي ظل الديموقراطية، بعد تحريرها من سياسات وممارسات العهود الماضية. 

وفي اعتقادي فقد حان الوقت كي تدرك القيادة السورية أن مصلحة سوريا ولبنان، في مواجهة تحديات الحقبة القادمة، وتحديات الحقبة الراهنة، بما في ذلك في التعامل مع الشرعية الدولية وقرارها الأخير والقرارات التي تطالب بتنفيذها، باتت تتطلب تغييراً كاملاً في طرائق تعاملها مع لبنان، وأن يحصل هذا التغيير بقرار ذاتي، وليس تنفيذاً لقرار صادر عن مجلس الأمن، أو تحت ضغوط تمارسها دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية التي أقرَّ فيها الكونغرس قانوناً بمحاسبة سوريا، نقف بوضوح مع سوريا ضده، وضد كل تدخل خارجي يمس سيادتها واستقلالها، أو نتيجة حركة احتجاج يمكن أن تقوم بها المعارضة اللبنانية، بأنواعها المختلفة، وباتجاهاتها المتعددة، رغم أن معالم هذه الحركة لم تتوضح بعد. إلا أن هذه الحركة آتية لا ريب في ذلك، إذا لم تتغير السياسات باتجاه العقلانية، وإذا لم تتبدل القوانين باتجاه الديموقراطية السياسية والاجتماعية، وإذا لم يتغير نوع المسؤولين باتجاه الكفاءة والنزاهة، وإذا لم تصبح الأخلاق والمسؤولية الوطنية أساس الممارسة. وقد تتطور الأحداث في سرعة غير مألوفة. وقد تأتي بمفاجآت من النوع الذي لا يدخل في الحسبان. وقد يعيد مثل هذا التغيير، إذا ما حصل، العقل السياسي المستقيل من مسؤولياته، إلى تلك القوى، اللبنانية على وجه الخصوص، التي أرهقتنا بسياساتها في المجالات كافة، ومارست تدميراً منظماً لكل مقومات البلاد، وأفقرت السواد الأعظم من اللبنانيين، وهجرت وشتتت خيرة شبابنا وخيرة الكفاءات بينهم في جهات العالم الأربع. لكن المسؤولية في إحداث هذا التغيير إنما تقع على عاتق القوى الديموقراطية واليسارية على اختلاف مرجعياتها وتعدد اتجاهاتها، إذا ما هي ادركت أهمية المهمة الملقاة على عاتقها ووحدت طاقاتها وهيئات الآليات التي توصل الى هذا التغيير. 
 

أربع مجموعات من القضايا

     وفي أي حال، فإن أهم ما يمكن وينبغي أن يحصل في الحقبة القادمة، كعناصر من صيغة العودة عن الخطأ الأخير، وعن الأخطاء الكثيرة السابقة، يتلخص، في قراءتي للحدث اللبناني السوري ولمفاعيله ولتداعياته، في أربع مجموعات من القضايا ومن المهمات المرتبطة بها: 

المجموعة الأولى تتعلق باتفاق الطائف. والمطلوب في هذا الموضوع هو التنفيذ الكامل لبنود هذا الاتفاق، بدءاً بإعادة انتشار القوات السورية، تحضيراً لخروجها النهائي من لبنان، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للبنان، الكبيرة منها والصغيرة. وعلى قاعدة هذا التغيير في الدور السوري في لبنان يعاد النظر في معاهدة الأخوة لجهة تقوية الجوانب الإيجابية فيها، المتعلقة بتعزيز التعاون والتضامن والتكامل في المجالات السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية، وإزالة الجوانب السلبية فيها، التي تشير، بشكل أو بآخر، إلى الوصاية، سورياً، أو إلى التبعية، لبنانياً، أو إلى ما يشبههما، ويتجاوزهما في التفاصيل! 

المجموعة الثانية تتعلق بتحديد دور الرئيس الممددة ولايته في شكل مختلف عن السابق، وبتشكيل حكومة من نوع مختلف تتمثل فيها القوى الأساسية في البلاد، جميعها من دون استثناءات، وذلك على قاعدة اتفاق يتقرر في مؤتمر وطني، أو في أية صيغة من الصيغ؛ اتفاق تحدد فيه الأولويات التي تواجه البلاد في الحقبة المقبلة، ومن ضمنها فتح الملفات السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والإدارية والقضائية، والذهاب فيها إلى آخر المطاف، وإقفالها على أسس صحيحة، من دون مساومات، بهدف القضاء على سياسات الفساد والسرقات والمحسوبيات والمحاصصات الطائفية والمذهبية البغيضة. 

المجموعة الثالثة تتعلق بضرورة بسط سيادة الدولة بكل مؤسساتها، الإدارية والاجتماعية والأمنية والعسكرية، على كامل الأرض اللبنانية، وإلغاء الجزر الأمنية القائمة. وتدخل في هذا الإطار استعادة الجنوب إلى الدولة، بدلاً من الاستمرار في إقطاعه، في صورة غير شرعية، أي غير دستورية، إلى “حزب الله”، وذلك باسم المقاومة، بعد أن قامت هذه المقاومة، بأطرافها وقواها المختلفة القديمة منها والجديدة، بدورها التاريخي، وفقدت مبرر وجودها بعد إنجاز التحرير، وجعل مهمة الدفاع عن الحدود مهمة القوات المسلحة، مهمتها التي يحددها لها الدستور، والتي تقتطع قسماً كبيراً من ميزانية الدولة يفيض عن حاجتها لتنفيذ هذه المهمة. وبعودة القوات المسلحة الى ممارسة مهمتها الأصلية هذه تتوقف، أو ينبغي أن تتوقف، محاولات خطيرة لعسكرة النظام اللبناني، التحاقاً بأنظمة المنطقة واتحاداً معها، خلافاً لتقاليد لبنان الديموقراطية العريقة، برغم التشويهات المتصلة بممارستها. وسيكون من الخطأ الفادح الاستمرار في تجاهل حاجة الجنوبيين إلى عودة الدولة إليهم بكل مؤسساتها، بعد معاناة دامت نصف قرن كانوا فيها الضحية الدائمة للعدوان والاحتلال الإسرائيليين، وكانوا، في الوقت عينه، الحاضنة الأساسية للمقاومة التي حررت الأرض، وشكلت بإنجازها هذا نصراً هو الأول من نوعه في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. سيكون من الخطأ الفادح أن تستمر المقاومة في صيغها المسلحة، وأن تتخلى عن سلاحها تنفيذاً لضغط دولي إمبريالي، أو تنفيذاً لقرار صادر عن مجلس الأمن، بدلاً من أن يكون ذلك بقرار ذاتي، يعزز فيه “حزب الله” الذي نحترم، كحزب سياسي، دوره في الحياة السياسية، كحق من حقوقه، وممارسة واجباته الوطنية على قدم المساواة مع القوى السياسية الأخرى. وعندئذ تصبح المقاومة لاستعادة بقية الأرض، ومنها مزارع شبعا التي ينبغي أن يحسم الوضع بشأنها مع الأشقاء السوريين، والعمل لاستعادة عميد الأسرى سمير القنطار واستعادة بقية جثامين الشهداء، تصبح تلك المقاومة مقاومة سياسية يشارك فيها جميع اللبنانيين، كمسؤولية وطنية يلتزمون بها جميعهم على قدم المساواة، كحق لهم وكواجب عليهم. أما في ما يتعلق بالمخيمات الفلسطينية فقد حان الوقت كي تتعامل الدولة معها على أنها أرض لبنانية يقيم عليها أشقاء للشعب اللبناني مهجرون من بلادهم بقوة العدوان والاغتصاب، وأن لهم حقوقاً على الدولة، وأن عليهم واجبات إزاءها. وكل من الحقوق والواجبات يمكن ويجب أن يلتزم بها الجميع من دون “غيتو” مدجج بالسلاح مخيم عين الحلوة تحديداً يرتع فيه الهاربون من وجه العدالة، ومن دون قهر وتمييز يمارَسان على الأشقاء الفلسطينيين، في كل المخيمات، بأشكال شتى، تحت شعار محاربة التوطين، الذي صار لكثرة الحديث عنه شكلاً من أشكال التعامل العنصري مع الفلسطينيين. وهو أمر معيب. 

المجموعة الرابعة تتعلق بإعادة صياغة العلاقات اللبنانية السورية على قاعدة الاحترام الكامل لسيادة واستقلال وخصوصية كل من البلدين الشقيقين، وتحديد صيغة واضحة للتضامن والتكامل بين البلدين والشعبين، في كل ما يتصل بالمصالح الأخوية والمصيرية المشتركة بينهما، لا سيما في وحدة المسارين. 

سيكون من الخطأ المراهنة على أن الأمور ستسير في الاتجاه المشار اليه في شكل تلقائي. على العكس من ذلك، سيحتاج الأمر الى نضال صعب، نضال مثابر، من أجل خلق الشروط لتحقيق ذلك. وهي مهمة ينبغي أن تضطلع بها القوى الوطنية والديموقراطية واليسارية بكل تنويعاتها، احزاباً وتجمعات وهيئات مجتمع مدني، ومن خارجها، وضدها، أو ضد بعضها، في بعض الحالات. 

وإذا ما تحقق ذلك، وتم العمل على الأسس الآنف ذكرها، نكون قد خرجنا، سوريا ولبنان، من المأزق الذي وضعنا أنفسنا فيه، ومن مفاعيل أخطائنا المتمادية، قديمها وجديدها، بما فيها الخطأ الذي تمثل بتعديل الدستور للمرة الثانية، وفي الشكل الذي تم فيه هذا التعديل. ويكون خروجنا هذا، عندئذ، خروجاً من الأسر الذي نحن فيه إلى الحرية التي نحن، الشعبين الشقيقين والدولتين الشقيقتين، بحاجة إليها في مواجهات تحديات الحقبة القادمة، وما أكثرها. وسيكون علينا، نحن اللبنانيين، ان نودع بأسى وأسف الجمهورية الثانية التي قتلتها السياسات الخاطئة، وندخل موحدين، وفي أعلى قدر من المسؤولية، وبخلاف كل تاريخنا السابق، في المهمة التاريخية المنتظرة، مهمة بناء أسس الجمهورية الثالثة. وهي الجمهورية البرلمانية الديموقراطية، التي في ظلها سيكون لبنان حاملاً شخصيته الوطنية اللبنانية، بسماتها الخاصة، وسيكون في الوقت عينه، عربياً بكامل مقومات هذا الانتماء.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic