شعب ينتخب رئيسه

بول شاوول
جريدة المستقبل (لبنان)
السبت، 6 تشرين ثاني «نوفمبر» 2004
بول شاوول

     سال كثير من الحبر "العربي" في الجرائد والمجلات العربية حول الانتخابات الأميركية. وكذلك سال لعاب "عربي" غزير حول الموضوع في الاذاعات والفضائيات والأرضيات. وسهر الملايين، حتى الصباح، وربما بعده، متابعين وقائع "الاستحقاق" الأميركي، بلهفة وتعطش وإثارة وانتظار نتائج المبارزة بين بوش وكيري. وعندما أعلنت النتائج نهائياً بفوز الرئيس الحالي، انهالت التحاليل والاستقراءات والانتقادات من شتى المقاييس والعيارات مستشرفة هنا، منددة هناك، متخوّفة، مرتاحة، مرتابة، غير مرتابة... إلخ.

لكن الشيء الوحيد الذي افتقد وسط هذا الامتلاء المتخم للمتابعة الانتخابية: لماذا علينا أن نتابع ما يجري في بلاد الله الواسعة بكل راحة وطمأنينة، وليس علينا أن نتابع ما لا يجري عندنا؟ بمعنى آخر: لماذا يتجرأ المواطن العربي على إبداء رأيه في الأنظمة الأخرى، والانتخابات الغربية، ولا يجرؤ على التفوّه ولو بكلمة عن نظامه في هذا البلد أو ذاك؟ ترى كم تساءل هذا المتابع العربي في سرّه، وهو يعطي رأيه ببوش أو بكيري وقبلهما بشيراك أو لوبان أو بحزب المحافظين أو العمال، لماذا ليس لي الحق بأن أنتخب أيضاً؟ لماذا أحرم من اختيار مَنْ أشاء ليمثلني؟ لماذا يذهب هؤلاء الناس في أميركا بالملايين ليصوّتوا بحرية، من دون أن يعترضهم جهاز أمني، أو تهددهم جهة من السلطة الحاكمة، لماذا يذهب كل هؤلاء الأميركيين ويختارون، وأنا لا أذهب لأختار؟ لماذا يترشح على المناصب الرئاسية متنافسون وأحزاب في بلاد الله الواسعة، وعندنا يرشح أهل السلطة أنفسهم، وينتخبون أنفسهم، ويعلنون فوز أنفسهم؟ لماذا ينتخب في بلاد الله الواسعة الشعب نوابه وحكامه، وعندنا ينتخب الحكام نوابهم وشعبهم؟ وهل نحن العرب، كناس وجماهير... دون سائر البشر؟ ألهذه الدرجة، محكوم علينا أن نبقى ممنوعين عن ممارسة أبسط حقوقنا المدنية والسياسية، لأننا معتبرون غير مؤهلين، لا فكرياً، ولا سياسياً، ولا اجتماعياً، ولا حزبياً، ولا حتى انسانياً، لنمارس ما يجب أن نمارسه؟ ألأننا قاصرون لا نعطى حرية الاختيار؟ وهل يمكن أن نبقى قاصرين إلى الأبد، وأهل الأنظمة يبقون راشدين إلى الأبد، ليفكروا عنا، ويختاروا عنا، وينتخبوا عنا، ويقرروا عنا؟ أي شعب هذا محظور عليه أن يكبُر؟ أي شعب هذا عليه أن يتقبّل (إلى الأبد) ما يُفرض عليه، وأن يشكر ويُقَبِّل الأيدي التي تمنع عنه أن يكون كائناً بشرياً، يُحس، ويفكر، ويعرف، ويحلل وينتقي، ويرفض، وينتقد؟

كل هذه التساؤلات كانت من دون شك تدور في أذهان الناس عندنا، وهم يتابعون انتخابات غيرهم، لأن ليس عندهم انتخابات؟ كل هذه التساؤلات التمعت ربما كالبرق في عقول "الجماهير" وهي ترفض بوش أو كيري، لأنها عاجزة عن أن ترفض أياً من حكامها؟

قلنا كثيراً في الديموقراطيات الغربية، أشبعناها نقداً، قلنا مثلاً إن الانتخابات الأميركية هي من صنيعة الشركات وأصحاب المال والصهيونية ومراكز الضغط، وإنها مزيفة... لا تلائمنا ولا تناسب "عاداتنا" وتقاليدنا... وثوابتنا. انتقدنا بوش ووصفناه بأبشع النعوت (وهو يستحق ذلك). قلنا إنه "مجنون"، و"متعصب" ورجل حرب، وهتلر، وستالين، وامبراطور وامبريالي... وكررنا بذلك ما سبق أن قلناه. في كلينتون. وقبله في بوش الأب. وقبله في معظم الرؤساء الأميركيين. عال! كل هذا صحيح، لكن يبقى أن الشعب الأميركي ذهب وانتخب. لكن يبقى أن هناك تداولاً للسلطة. لكن يبقى أن هناك صراعاً فكرياً وسياسياً، أي أن هناك حياة سياسية تتمثل بمؤسسات المجتمع المدني. وأحزابه. ونقاباته وجمعياته. يبقى أن الشعب هناك مكوّن من الأفراد لا من القطعان. ويحق لكل فرد أن يتخذ الموقف الذي يراه.

نحن نرتاح كثيراً عندما ننتقد سوانا من الأنظمة والرؤساء الأجانب وبشدة وبقسوة، لأننا نعوض عن حرماننا من "المس" بهيبة حكامنا "المقدّسين"، وبالتعرّض للأجهزة الأمنية والقضائية والعسكرية لأنها من "قدس الأقداس". وإذا حدث أن ركب واحد منا رأسه وانتقد وخرج على الطاعة، فالويل له. وعندها تنهال عليه الاتهامات: من العمالة للعدو (أي عدو يختارونه بحسب الظروف)، إلى خيانة الأمة، إلى تهديد الأمن القومي، إلى التهديد بالسجن وفتح الملفات وصولاً إلى القتل والسجن.

مع الانتخابات الأميركية، وبصرف النظر عن الخاسر والرابح، جعلت المواطن الأميركي يشعر، وبرغم كل شيء، (وبرغم أننا ضد هذه السلطة الأميركية أو تلك، أو طبيعة النظام الامبراطوري) جعلت الأميركي ينتخب نفسه. أي مَنْ يمثله، أي مَنْ يراه مناسباً... من دون إكراه، ولا ترهيب، ولا تعليب، ولا ارهاب، ولهذا فرح مَنْ فرح حتى النشوة بالنتائج، ولهذا أيضاً حزن مَنْ حزن حتى الدمع والمرارة... ذلك أن الشعوب تقاس بمدى اختيارها... وحريتها وديموقراطيتها، وليس بمدى خنوعها وغيابها وتغييبها.

تابعنا وقائع الانتخابات الأميركية، وغداً سنتابع وقائع الانتخابات الفرنسية، وبعدها البريطانية، ومن ثم الاسبانية والايطالية... لكن متى سنتابع ونشارك في وقائع انتخابات يسمح لنا، كشعب، بأن نذهب إلى صناديق الاقتراع وبكل حرية، وديموقراطية، نختار مَنْ نشاء من حكامنا وممثلينا؟

متى نخرج من صفوف المتفرّجين ونعتلي المنصة لنمثل أدوارنا وشخصياتنا الحقيقية؟ تفرجنا كثيراً على الغير، فهل سيتفرّج علينا هذا الغير ذات يوم، وذات تغيير، وذات خروج على الطاعة والامتثال؟

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic