آه كم نحن رخيصـون !

 د. فيصل القاسم
جريدة النهار (لبنان)
الجمعة، 12 تشرين ثاني «نوفمبر» 2004
فيصل القاسم

     ما ان يقع رهينة غربي او حتى آسيوي في الاسر في العراق او في اي مكان آخر حتى يتأهب بلده بأكمله، حكومة وشعباً ومجتمعاً مدنياً ووسائل اعلام، للاهتمام بقضيته لتصبح قضية وطنية بامتياز تشغل الرأي العام المحلي عن كل شيء آخر. فعلى الصعيد الرسمي تستنفر وزارة الخارجية في ذلك البلد ويشد الوزير الرحال فوراً الى اقرب مكان يمكن ان يتابع منه مسألة الرهينة. وحدّث ولا حرج عن السفارات التي تتحول غرف عمليات للبحث عن افضل طريقة لتخليص مواطنها المأسور من براثن الخاطفين. اما رئيس الدولة فيكون كله آذاناً صاغية لتلقي آخر الانباء عن وضع ابن بلده المخطوف، اذا لم يكن الرئيس مربوطاً بخط هاتفي ساخن مع اكثر من جهة للاطمئنان الى صحة الرهينة. اما الصحف والتلفزيونات والاذاعات فتنسى العالم وما فيه وتركز على قضية المخطوف الذي تتصدر اخباره الصفحات الاولى ونشرات الاخبار ناهيك بحديث الشارع. 

شاهدنا كيف انطلق وزير الخارجية الفرنسي بسرعة البرق الى العاصمة الاردنية عمّان للبحث مع اكثر من جهة لتأمين اطلاق الصحافيين الفرنسيين المخطوفين في العراق، لا بل قام بجولة مكوكية في المنطقة والتقى بعض الزعماء العرب كي يساعدوه في اطلاق المخطوفين الفرنسيين، ويا للحمية والنخوة لم يبخل قادتنا بوقتهم ومالهم لمساعدة فرنسا. وعندما تم خطف سيدتين ايطاليتين في بغداد، فعل وزير الخارجية الايطالي الامر نفسه وراح يستخدم وسائل الاعلام العربية لمناشدة الخاطفين الافراج عن المخطوفتين. واجرت الحكومة البريطانية مفاوضات سرية طويلة لاطلاق الرهينة (بيغلي) واستنفرت كل طاقاتها الاعلامية والديبلوماسية والشعبية من اجله. ورأينا الشعب البريطاني وهو يرسل آلاف برقيات المواساة والتأييد لزوجة الرهينة. وها هو وزير الخارجية الياباني يكرر التجارب الفرنسية والايطالية والبريطانية، لا بل ان رئيس الوزراء الياباني نفسه قطع اشغاله وظهر في اكثر من مقابلة تلفزيونية للتعليق على قضية الرهينة الياباني المخطوف في العراق والذي غدت قضيته الهم القومي الاول في البلاد. 

حتى الفلبين البلد الآسيوي الفقير آثر سحب قواته من العراق لقاء المحافظة على روح رهينة فيلبيني هدد الخاطفون بقتله. بعبارة اخرى، فضلت رئيسة الفلبين انقاذ حياة احد مواطنيها على المكاسب التي كان يمكن ان تجنيها حكومتها من غنيمة الغزو الاميركي للعراق، بينما نجد بعض الانظمة العربية تعمل من تحت الطاولة لإرسال قوات عربية الى بلاد الرافدين بعدما قبضت عمولات على رؤوس جنودها الذين تنوي ارسالهم الى المسلخ العراقي. 

الاسرائيليون بدورهم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها عندما يفقدون اسيراً او عندما يُعتقل لهم جاسوس. فهم لم يتركوا باباً الا طرقوه للافراج عن عزام عزام المسجون في مصر وجاسوسهم الآخر جوناثان بولارد المعتقل في اميركا. ولاحظنا ان الحكومة الاسرائيلية تفاوض منذ سنوات من اجل اطلاق الطيار الاسرائيلي رون اراد المختفي منذ اكثر من خمسة عشر عاماً والذين يعتقد بأنه مأسور لدى “حزب الله”. ولا تتردد اسرائيل في مبادلة آلاف المعتقلين العرب لديها برفات جندي اسرائيلي موجود في بلد عربي. وهي لا تيأس ابداً من الطلب والانتظار وفي احيان كثيرة تجند جهات اوروبية لمساعدتها في مسعاها، لا بل انها دخلت في مفاوضات ماراتونية مع ألد اعدائها في المنطقة الا وهو “حزب الله” اللبناني من اجل استرداد أسراها لقاء الافراج عن مئات العرب لديها وكأنها تقول لنا: “ان كل الف عربي يساوون جمجمة يهودي ميت”. 

لا نحتاج الى اسرائيل طبعاً كي تذكرنا بأن قيمة الانسان العربي في المزاد الانساني تساوي صفراً في احسن الاحوال. فلا بواكي للاسرى والمخطوفين والمنفيين والمفقودين العرب لا في الداخل ولا في الخارج، وكل من يتجرأ ويسأل عنهم قد يلحق بهم في بعض الدول العربية. ولاحظنا انه في حين كانت فرنسا تجند العالم من اجل صحافييها المخطوفين في العراق لم يأت احد على ذكر السائق العربي الذي كان يرافق الصحافيين وخطف معهما كأنه بلا اي قيمة تُذكر، مع العلم ان والدته المسكينة قد تمتلك من الحنان والرأفة تجاهه اكثر مما تمتلكه الامهات الغربيات تجاه ابنائهن. واستطيع ان اؤكد ان سفير البلد الذي ينتمي اليه السائق المخطوف في العراق لم يحرك ساكناً من اجله... اذا كان قد تذكره اصلاً. فمن هو السفير العربي الذي سيهتم بمجرد سائق مخطوف؟ لاحظوا الفرق بين التأهب الرئاسي في فرنسا وايطاليا وبريطانيا واليابان وبين اللامبالاة العربية الرسمية الكاملة حيال الاسرى والمفقودين العرب، حتى على مستوى السفارات، فما بالك على مستوى زعمائنا “التاريخيين”. 

كيف تبكي انظمتنا مفقودينا اذا كانت لا تأبه اصلاً لشعوبها داخل اوطانها الا عندما تريد ان تقتص منها وتدوسها؟ لقد تأهبت كل الدول التي اقتيد أسراها الى غوانتانامو باستثناء الدول العربية التي لم تحرك ساكناً من اجل مجرد الاطمئنان الى رعاياها في ذلك المعسكر الفاشي، ان لم تسلمهم اصلاً الى الاميركيين؟ 

ان الانظمة العربية مشهورة بكرمها الزائد في التخلي عن مواطنيها وبيعهم برخص التراب، فبعضها لا يمانع حتى في تسليم رعاياه الى دول اخرى كي يقضوا بقية حياتهم في غياهب السجون الاجنبية. ووصل الامر بأجهزة استخبارات دولة عربية الى تقديم معلومات الى دولة اوروبية عن معتقل مسكين من تلك الدولة العربية في سجن اوروبي مساهمة منها في تأكيد ادانته وتوريطه وابقائه في السجن فقط لانه كان معارضاً للنظام في ذلك البلد العربي، يا للشهامة! في حين كانت فيه جمعيات حقوق انسان اوروبية تكافح من اجل اطلاقه وتأكيد براءته. 

وبينما تبرعت بعض الانظمة العربية بمالها الوفير من اجل المساهمة في الافراج عن رهائن غربيين، تبرعت اخرى بسجونها ومعتقلاتها كي تكون مراكز لتعذيب الاشخاص العرب المطلوبين لوكالات الاستخبارات الاميركية والتحقيق معهم، باعتبار ان التعذيب ممنوع في السجون الاميركية حسب القوانين. لاحظوا المفارقة في موقف بعض الدول العربية فهي تبذل كل ما في وسعها للمساعدة في تأمين سلامة الرهائن الغربيين، بينما تتواطأ على التنكيل برعاياها وسومهم سوء العذاب نيابة عن الاميركيين. 

لسنا طبعاً ضد الافراج عن اي رهينة بريء في العراق او في اي مكان آخر من العالم او المساعدة في اطلاق سراحه، لا بل يجب ان ننحني اجلالاً واكباراً للقادة والمسؤولين الغربيين والآسيويين الذي استبسلوا في انقاذ حياة رهائنهم في العراق بكل السبل. وفي المقابل لا يمكننا الا ان ندين هذا النفاق العربي ومعه موقف الحكومات العربية التي لم تتحرك يوماً لانقاذ مجتمعاتها، فضلاً عن اسراها. متى سمعتم ان زعيماً او حتى وزيراً عربياً او مسؤولاً من الدرجة العاشرة تنازل وطالب بالافراج عن اسير او رهينة عربية؟ متى سمعتم زعيماً عربياً تلفظ باسم سجين او اسير؟ لم يحدث. ولولا “حزب الله” لبقي مئات الاسرى العرب في السجون الاسرائيلية الى ابد الآبدين، لان ليس لهم من يطالب بهم، فثمن الانسان العربي بنظر حكامه ارخص من الماء. 

وما دامت انظمتنا تعامل رعاياها بهذين الاستخفاف والاستحقار الصارخين فسنبقى في مؤخرة الامم، فمن لا يحترم نفسه ويحترم شعبه لا يمكن ان يحترمه احد. ومن لا يصنع قيمة وهيبة لنفسه لا يمكن ان يصنعهما احد له.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic