أنجز الباحث الإيراني الدكتور مسعود اسد اللهي دراسة أكاديمية حول تجربة "حزب الله" في لبنان تحت عنوان "الإسلاميون في مجتمع تعددي: حزب الله في لبنان نموذجاً"، وستصدر الدراسة قريباً في كتاب عن "الدار العربية للعلوم".
ويمكن القول ان هذه الدراسة تشكل أهم دراسة أكاديمية عن تجربة الحزب وأسباب تحوله الى الواقعية والتعددية بعد مرحلة التشدد التي سادت عمله في الثمانينات.
وتكمن أهمية الدراسة في كون معدها باحثاً إيرانياً نجح في الوصول الى مصادر المعلومات الخاصة (سواء في إيران أو في لبنان)، بالإضافة الى اعتماده على عشرات الدراسات والوثائق المنشورة في العديد من الدول العربية والأجنبية إضافة الى إسرائيل.
وتولت الدكتورة دلال عباس ترجمة الدراسة وأشرف على إعدادها مركز الاستشارات والبحوث في بيروت، وهو من المراكز المتخصصة بالدراسات المتعلقة بحزب الله وإيران.
أهداف الدراسة
تهدف الدراسة الى شرح أسباب التغيير الذي طرأ على أداء "حزب الله" خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1982 و2000، وتعيين العوامل المؤثرة في أداء الحزب سواء الداخلية أو الخارجية، الفكرية والسياسية والاجتماعية.
ويستند الباحث في دراسته الى العديد من النظريات الاجتماعية في العمل السياسي والاجتماعي، إضافة الى ما تم إنجازه من دراسات وأبحاث حول تجربة "حزب الله" سواء من الباحثين اللبنانيين أو الأجانب.
كما يسعى الكاتب الى عرض مختلف التطورات التي مر بها الحزب منذ تأسيسه عام 1982 وصولاً الى العام 2000 (قبل تحرير الجنوب) من دن ان يتعرض لمرحلة ما بعد تحرير الجنوب وان كان يقدم بعض الملاحظات والآراء حول التوقعات المستقبلية.
العوامل المؤثرة
ينطلق الباحث في دراسته من خلال تقسيم العوامل المؤثرة في تطور مواقف وسياسات "حزب الله" الى قسمين أساسيين:
1 ـ عوامل تسهيل راديكالية لدى "حزب الله".
2 ـ عوامل الضبط الراديكالية وتسهيل الواقعية لدى "حزب الله".
في القسم الأول يضع الباحث العوامل الآتية:
تعاليم الثورة الإسلامية في إيران، الاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 1982، الحرب الأهلية في لبنان وانهيار النظام الديموقراطي التوافقي، الحرمان وفقدان العدالة الاجتماعية، تدخل الدول الأجنبية في لبنان، الحرب الباردة والنزاعات الإقليمية، السلطة التنظيمية والإطار التنظيمي المغلق.
اما القسم الثاني فيتناول عوامل الضبط الراديكالية وتسهيل الواقعية وتضم: توقيع اتفاق الطائف وإحياء النظام الديموقراطي التوافقي، التحولات السياسية في إيران في أواخر الثمانينات، انتهاء الحرب الباردة وانهيار نظام القطبين، إحياء محادثات التسوية العربية ـ الإسرائيلية، التحولات التنظيمية، النفوذ السوري في لبنان.
نتائج الدراسة
من خلال دراسة تطور "حزب الله" التنظيمي والمعطيات الداخلية والخارجية المؤثرة في سياسته ومواقفه تصل الدراسة الى الاستنتاجات الآتية:
"يمكن الاستنتاج ان حزب الله في الثمانينات بسبب عوامل متعددة، اتجه نحو الراديكالية، إلا ان السبب الرئيسي لهذا التوجه كان تأثر "حزب الله" بتعاليم الثورة الإسلامية الإيرانية ومن ناحية اخرى كانت هناك ايضاً في التسعينات أسباب مختلفة وراء توجه حزب الله نحو الواقعية والتعددية. لكن السبب الأساسي لهذا التغيير والتحول في توجهات حزب الله يبقى: انتهاء الحرب الأهلية وتغيّر ظروف المجتمع اللبناني بعد اتفاق الطائف".
وتضيف "لقد اثبتت تجربة حزب الله ان ممارسات الحركات الإسلامية، لا تتأثر فقط بالقيم الايديولوجية الدينية، وانما ايضاً بخصوصيات مجتمعاتها وظروفها وتتكيف على المدى الطويل مع واقع المجتمع الذي تتحرك فيه بناء على ذلك فإن الحركة الإسلامية الناشطة في مجتمع متعدد، على الرغم من مواقفها الراديكالية والثورية، تجد نفسها في النهاية مجبرة على تعديل مواقفها، للمحافظة على وجودها واستمرارية نشاطها، وبقبولها للتعددية هي تراعي قواعد اللعبة الديموقراطية".
وحول الاحتمالات المستقبلية بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان تقول الدراسة "ان الانسحاب شبه الكامل للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار من العام 2000، ستنبثق عنه بالتدريج ظروف جديدة في لبنان، وعلى الرغم من أن المشاكل الأمنية على الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية لم تحل نهائياً حتى الآن، ولا تزال هنالك خلافات عديدة بين لبنان وإسرائيل حول الكثير من القضايا. لكن الأوضاع ستستقر بمرور الزمن وهنالك احتمال قوي ان يصبح الوضع في جنوب لبنان مشابهاً للوضع القائم على الحدود السورية ـ الفلسطينية، وحين تصبح الأوضاع الأمنية في لبنان عادية، ومستقرة، ستتغير الأولويات في المجتمع اللبناني وبخاصة لدى الشيعة. وسيضطر قادة حزب الله مقابل التغيير الذي سيطرأ على مناخات الرأي العام في لبنان الى إيجاد مرحلة جديدة من التحول والتعديل في مواقفه، والى تعزيز مسيرة الحزب الواقعية".
ملاحظات سريعة
ستشكل هذه الدراسة الإيرانية الأكاديمية مرجعاً هاماً وأساسياً لفهم "حزب الله" ومواقفه والتغييرات التي طرأت على أوضاعه وهي تتميز بغزارة المعلومات والمصادر، بالإضافة الى المنهجية العلمية التي اعتمدت.
لكن ذلك لا يمنع من ايراد بعض الملاحظات السريعة حول ما أورده الكاتب على صعيد التغيرات في الحزب ودور بعض قادته ومسؤوليه وخصوصاً بالنسبة الى الأمين العام الأسبق الشيخ صبحي الطفيلي. فالكاتب يحمّل الشيخ الكثير من المسؤولية حول توجهات الحزب الراديكالية وعدم معالجة مشكلة الرهائن، مع ان الكاتب يدرك ان كل المواقف التي اتخذها الحزب سواء في فترة الشيخ الطفيلي أو من بعده، كانت تتم من خلال القيادة الجماعية وبالتعاون والتنسيق مع المسؤولين الإيرانيين سواء كانت هذه المواقف راديكالية أو واقعية، وان حل قضية الرهائن الأجانب في لبنان لا يرتبط بمواقف قادة "حزب الله" بل بالمواقف الإيرانية وبالمسؤولين الإيرانيين.
قد يكون صحيحاً ان شخصية الشيخ الطفيلي تتميز بالتشدّد تجاه بعض القضايا، لكن ذلك لا يلغي ان ما اتخذ من مواقف خلال الفترة الممتدة ما بين 1982 ـ 1992 ليس هو الوحيد المسؤول عنها وان العديد من قياديي الحزب الموجودين حالياً في القيادة شاركوا في اتخاذ هذه القرارات والمواقف.
النقطة الاخرى التي لم يتوقف عندها الكاتب في قراءة المتغيرات تتعلق بمستقبل الأوضاع في فلسطين وإنعكاساتها على دور الحزب، صحيح انه أشار الى ان الوصول الى تسوية سلمية سيؤدي الى تراجع دور الحزب وعمله المقاوم، لكن الكاتب لم يشر الى التطورات التي حدثت في فلسطين على صعيد فشل تطبيق اتفاق أوسلو وتصاعد العمليات في فلسطين ودور الحزب في هذا الصراع لان ذلك سيؤثر على أداء الحزب ومواقفه وهذا ما برز بعد اندلاع الانتفاضة الثانية وما قام به الحزب من عمليات في مزارع شبعا.
هاتان الملاحظتان السريعتان لا تنفيان أهمية وعمق الجهد الذي بذله الباحث وتحول الكتاب عندما يصدر الى أحد المراجع الأساسية في فهم "حزب الله" وتحولاته".