علم لبنان أسود. الأرزة سوداء والأحمر، أحمر الشهداء في العلم، صار أسود يُثقل القلب. هكذا قرر طلاب القاعدة الكتائبية أن يروا لبنان يوم تظاهرة المتحف الجمعة الفائت. هكذا قرروا أن يحتفلوا بالاستقلال وقد شرح لنا سامي الجميل أن ألوان العلم لن تعود إليه إلا بالحرية التي كتبت على العلم نفسه باللون الأحمر: مقاومون حتى الحرية.
سامي الجميل هو رئيس القاعدة الكتائبية. وهو أيضا نجل رئيس الجمهورية الأسبق الشيخ امين الجميل. وسامي كان على رأس التظاهرة الآتية من الشرق صوب المتحف ترفرف فيها أعلام سود. سامي كان يمشي إلى طرف الصف الأول لممثلي القوى المشاركة وقد تشابكت سواعدهم. المصورون الصحافيون ركضوا صوب شاب تبدو عليه سعادة عارمة حين تهتم به العدسات. يبتهج باهتمام الآخرين. الشاب هو نديم بشير الجميل، نجل رئيس الجمهورية الراحل بشير الجميل، ابن عم سامي.
نديم وسامي. أم علينا أن نقول سامي ونديم؟ نديم يتحضر كي يكون يوما ما قائدا لقوات صولانج الجميل اللبنانية. نديم والنائب بيار الجميل حجزا مقاعدهما في الصف الأول من كتائب المعارضة منذ زمن بعيد. لو بقيت الكتائب على حالها لكانا في الصفوف الأولى من الحزب. دانييل سبيرو على رأس طلاب القوات اللبنانية. من دانييل سبيرو؟ ليس وريثا لأحد على ما يبدو. بكفاءته احتل مقعده. سمير جعجع السجين ليس وريثا. بكفاءته احتل موقعه.
لا يجيد نديم الجميل الكلام. يستنسخ والده استنساخا في زمن مختلف عن زمن بشير الجميل. ذاك كان قويا وهذا ضعيف. ذاك كان الأصل وهذا مجرد نسخة. مع ذلك، يكفي أن يطل حتى يصفق له الشباب ويهتفون باسمه. أليس هو ابن بشير؟
لا يجيد سامي الجميل الكلام. سامي، الذي يفترض منه أن يحكي بلغة اليوم، يتذكر في خطابه، بنزق، مئة ألف قذيفة سقطت على الأشرفية في حصار المئة يوم. متى سقطت مئة الف قذيفة على الأشرفية؟ هل تحتمل الأشرفية مثل هذا العدد المهول من القذائف؟ صفقوا لسامي حين قال إنه سيذهب إلى الحوار ولن ينسى المئة الف قذيفة. الحوار مع من يا سامي؟ ثم.. لماذا هذه الذكريات؟ لو أن سامي تذكر، مثلا، مأثرات والده حين كان رئيسا.. لو أنه تذكر كيف كان الجيش اللبناني يومها. لو أنه تذكر الوجه والوجه الآخر، لهان الأمر. لكن الحشد هنا يسمح لمثل هذه اللغة، مثلما قد يتذكر حشد آخر يحمل السواطير مجزرة الأونيسكو ومجازر المسيحيين في حق المسلمين. الحشد المسلم يتذكر قذائف الآخرين. والحشد المسيحي يتذكر قذائف المسلمين.. مع الإشارة دائما إلى أن اي حشد من الحشدين لا يريد للحرب أن تعود ويريد الحوار. لماذا، إذاً، توحي كل كلمة من كلام سامي أنه يجهل أن الحرب انتهت، وأن لغة جديدة يجب أن تحكى؟ لماذا لا يحكي بلغة جيله الذي يقف أمامه. أم أنها هذه هي لغة هذا الجيل؟ بعض هذا الجيل يحن إلى ذاك الزمن. يرتدي قمصانا قطنية زيتية. اللون نفسه لبزات الكتائب. من يلوموهم وحزب الله يجري عرضا عسكريا كاملا في البقاع لا ينقصه إلا السلاح؟ من يلوم من هنا؟ لا أحد. لكن أمر الوراثة هذا غريب. ما الذي يتفوق فيه سامي على أقرانه كي يكون على رأسهم؟ لن نحلل كثيرا. هو نجل أمين الجميل. ماذا عن نديم. هو نجل بشير. حتى الأحرار يجدون ممثلا من آل شمعون. يتكرر لبنان على ايدي الناس أنفسهم. ما الذي في إميل إميل لحود حتى يكون أصغر نائب في البرلمان وأول واحد من الذين أدوا خدمة العلم يصلون إلى قبة البرلمان؟ ابن رئيس الجمهورية.
أين نجل العماد ميشال عون؟ ليس هنا. أين ابن شقيقه؟ ليس هنا. من هذا الشاب الممتلئ الجسد الذي يلاحق الإعلاميين ويمازحهم ويضخم أرقام المتظاهرين ويضخم الأخبار عن المضايقات التي يتعرض لها الطلاب الآتون إلى مركز التظاهرة؟ هو طوني نصر الله.. وهو محام شاب ناشط في التيار الوطني بحماسة هائلة.. وهو علماني حتى العظم.. عمن ورث طوني كرسيه في التيار؟ عن لاأحد.
العونيون، حتى اللحظة، ليس فيهم ورثة. رَجلهم في الأصل لم يرث كراسيه. هؤلاء الأقرب بين أطراف الجمعة الفائت إلى لبنان مفترض، تفهم فيه الناس بعضها على بعض. هؤلاء يقعون إلى آخر يسار اليمين المسيحي. ما زالوا عند حربهم الأخيرة مع سوريا التي لم تنته.. ومن حقهم أن يبقوا هناك ما دام شعار الحرب لم يتحقق بعد. حين يقمعون فإن اقل ما يقال في صورتهم إنها ممتازة. حين لا يقمعون، حين يسمح لهم بالتظاهر والتعبير عن رأيهم يظهر خطاب قاعدتهم واضحا ومسطحا: عداء سافر لسوريا. لا لسوريا النظام فحسب بل لشعبها وكل ما يتعلق بها. شعارات عنصرية وشخص يرتدي قناع بن لادن يقفز كقرد من مكان إلى آخر شاهرا بندقية بلاستيكية مستعرضا أمام كاميرات التصوير وقد علق على صدره لافتة تقول: الإرهاب السوري.. كره شديد لسوريا يبدو أنه العصب الوحيد الذي يجمع البرتقاليين، إضافة إلى الخصومة السياسية مع أطراف التظاهرة الواحدة. عصب لا يؤسس لمستقبل ما مع الآخرين.
يوم الجمعة الفائت كان هناك تظاهرة في المتحف. ضمت ثلاثة آلاف كحد أقصى. كان فيها ورثة سياسيون وكان فيها شبان عاديون وصلوا إلى مناصب في تياراتهم السياسية نتيجة إيمان وجهد. هؤلاء جميعا كانوا في تظاهرة يمكننا أن نسميها معارضة. لكنها لم تكن كذلك. كانت تظاهرة مسيحية لم تقدر على جلب بعض اليساريين ومنظمة الشباب التقدمي إليها. لم يتفق الطرفان على نقطة يتيمة تجمعهما.. ولن يتفقا. تظاهرة الجمعة الفائت كانت مسيحية تحمل أعلام للبنان سوداء اللون وهذا محبط. يحكون عن تظاهرة ضد القرار 1559. ستكون تظاهرة مسلمين ضد اميركا بعد تظاهرة مسيحيين ضد سوريا. ستحمل أعلام للبنان ملونة لأن هؤلاء يرون أن زمنهم ملون. وسنرى ورثة أحزاب وورثة مقاعد وورثة الشعارات الممجوجة نفسها.. طرفان وجهان لعملة صدئة واحدة.
هو أمر غريب. ندور في مكاننا منذ عقود.. ومع ذلك لا نخترق الارض تحتنا وننزل فيها ونختفي.. وعندها تليق بحالنا أرزة سوداء ثكلى.