تظاهرة الماء البارد

 جوزف سماحة*
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 26 تشرين ثاني «نوفمبر» 2004
جوزف سماحة

    قد لا تكون “مليونية”، وقد لا تكون ضرورية أصلاً، غير أن تظاهرة الثلاثاء شكّلت حتى الآن، وقبل حصولها، فضيحة... للمعارضة. 

الضجة قائمة. ثمة تظاهرة سياسية إعلامية ضد التظاهرة الموعودة. إنها “إرهاب”. أو إنها إعلان تمرد على الشرعية الدولية. إنها توريط للبلد وزجّ به في مشكلة هو في غنى عنها. إنها تهديد لفئة من اللبنانيين. إلخ... 

وهناك من يستبق العديد الذي قد تجمعه بتحقير كل من سوف يتظاهر. السائرون خلف الشعارات كمّ مهمل، قطيع، غوغاء. ومن أراد الرأفة بهم يشير إلى أنهم “مغلوب على أمرهم”. غير أن آخرين يذهبون مذهباً آخر تفوح منه رائحة العنصرية: تظاهرة الاعتراض على الاحتفال الرسمي بالاستقلال والتي ضمت المئات جمعت “نوعية” لا تقارن بها “كمية” الخاضعين للتعبئة والذين قد يسيرون الثلاثاء. عبّر بيض الجمهورية عن رأيهم فلا داعي لانتظار الرعاع. 

يؤكد المشهد الراهن، من دون التباس، أن المعارضة، في بعض أطيافها. أقل ديموقراطية بما لا يقاس من السلطة. إن الوحش التوتاليتاري الفعلي موجود في بطن هذه المعارضة. وهو يعبّر عن نفسه، حالياً، بالإعدام المعنوي لكل مخالف في الرأي استعداداً، ولو بالوهم، لامتلاك وسائل تعبير أخرى. 

ليست المشكلة مع هذه المعارضة أنها أقلية تعتبر نفسها أكثرية، وتقول، عن حق، إن نظام التمثيل الشعبي يظلمها. ليست هذه هي المشكلة. المشكلة أن المعارضة اللبنانية تعتبر نفسها، ببساطة، لبنان كله. فهي، في نظر عدد من أقطابها، المعبّر الوحيد عن الهوية الوطنية والمصلحة الوطنية. إنها الشكل المرئي من هذا الجوهر الثابت. كل ما عداها هباء، ولا يحتاج المرء إلى كبير عناء ليدرك المصائر البشعة التي يقود إليها هذا الادعاء متى أصبح في موقع السلطة. إن الإقصاء والاستئصال هما النتيجة الحتمية الوحيدة لهذا التفكير المفتقد لأبسط مبادئ ثقافة المعارضة، والذي لا يفعل سوى التأكيد المرضي على أنه لن يسامح قوماً، هم أقلية، سطوا على موقعه في ليلة لا قمر فيها. 

يعرف لبنان معارضين ما إن يتكلمون حتى تسقط المقصلة على أعناق خصومهم. يصلون في التصعيد اللفظي إلى أبعد الحدود، ولا يخجلون من اختتام تصريحاتهم بالهجوم على الدولة الأمنية القمعية! يهددون بإسقاط الحكومات بالوسائل الديموقراطية السلمية في حين أنهم يدركون تماماً أن لا طاقة لهم على ذلك، ولا تناغم بين هذا التهديد وبين الغضب من تظاهرة قد يكون عيبها الوحيد حجمها الكبير. 

يتناسى هؤلاء أن السمة الأولى للدولة القمعية هي ادعاؤها النطق باسم جميع المواطنين. يتناسون ذلك لأنهم يصادرون هذا الحق، ولأنهم يرفضون الاعتراف بأن الهمّ الراهن للسلطة اللبنانية هو إظهار “الانقسام الوطني الخطير” (التعبير للرئيس عمر كرامي). أي أن السلطة المتهمة برفض الحوار، ومصادرة الرأي الآخر، وتنصيب نفسها ناطقاً باسم الوطن، إن هذه السلطة هي التي تنتقل إلى موقع الدفاع من أجل أن تزعم لنفسها تمثيل شطر من هذا “الانقسام الوطني”. هذه حالة تكاد تكون فريدة. فليس في العادة أن تكون السلطات بهذا “التواضع”، كما ليس في العادة أن تكون المعارضة بهذا الجموح بحيث ترفع نفسها إلى “الممثل الشرعي الوحيد للشعب” وتخشى وسائل التعبير الديموقراطي بدءاً بالاستفتاء مروراً بالتظاهر وصولاً إلى الانتخابات. 

لماذا وصل لبنان إلى حالة بات معها تظهير “الانقسام الوطني” مصلحة مباشرة للسلطة الحاكمة؟ 

وصلنا إلى هذه الحالة لسببين على الأقل. الأول هو أن المعارضة في مرحلة صعود وأنها تعتبر نفسها في موقع الهيمنة الإيديولوجية على جدول أعمال البلاد. أن تكون في مرحلة صعود فهذا صحيح. أن تكون حققت اختراقات مهمة في أوساط النخبة، فهذا صحيح أيضاً. أن يكون الخليط الذي يواجهها يضم نسبة “محترمة” من الانتهازيين والوصوليين، فهذا أصح من الصحيح. أن تكون أطروحاتها متناغمة مع “القرارات الدولية” فهذا ما لا شك فيه. أن يكون منطقها يخاطب النزعة القائلة بأن رأس الحكمة الانتقال إلى صف المنتصرين أو المتوقع انتصارهم، فهذا بديهي... ولكن، مع ذلك، يبقى مؤكداً أن القوى الأخرى تملك مواقع نفوذ أصيلة تسمح لها بالادعاء بأنها إن لم تكن تمثل أكثرية راجحة فإنها، على الأقل، تمثل أكثرية واضحة. وهذه 

القوى محاصرة (برغم المظهر المعاكس) اليوم بما يرغمها على خفض سقف طموحها من أجل أن تجد مصلحة لها في وضع لا تبدو فيه مجرد حالة انقلابية عابرة معدومة القاعدة الشعبية. 

هذا هو السبب الأول. أما السبب الثاني فهو القرار 1559. فالقرار المذكور ينهض على منطق داخلي يقول إنه صدر باسم أكثرية لبنانية، وإنه إذ يتدخل في الشؤون اللبنانية فإنما يفعل ذلك تلبية لنداء قطاعات واسعة جداً، محددة المعالم، عالية النبرة، وذات ثقل تمثيلي يتعدى ثقل غيرها. يزعم 1559 أنه ينطق باسم غالبية لبنانية معارضة، ويتبنى رأيها في أن كل من يخالفها هو مجرد صدى لصوت سيده الدمشقي. 

ولقد كان واضحاً أن صدور القرار أدخل تعديلاً على الساحة السياسية. فقبله كانت السلطة تتصرف وكأن لا معارضة لها تستحق الذكر، وكانت المعارضة في موقع من يطلب الحوار. أما بعده فباتت السلطة أقدر على التلويح بورقة الحوار في حين أن المعارضة باتت تطل على البلد وكأنها الممثلة المحلية للحكومة الدولية لا بل للشرعية الدولية التي تجعل حكام لبنان، من معارضيها، في وضعية المروق. 

إن إثبات الانقسام مصلحة سلطوية فكيف إذا كان في المستطاع، فوق ذلك، تأكيد أن أكثرية مجلس الأمن هي أقلية لبنانية... أو أنها، في مطلق الأحوال، جهة مطعون في شمولية تمثيلها. 

قد لا تكون تظاهرة الثلاثاء “مليونية”، وقد لا تكون ضرورية أصلاً. إلا أن ما تقوله المعارضة فيها ساقط. فهذه المعارضة تحتاج إلى ماء بارد يسكب على الرؤوس الحامية لبعض الناطقين باسمها. إن ذلك في مصلحتهم لأنهم دخلوا، منذ فترة، في دورة تصعيدية لا يتحكّمون بمقاديرها. لقد انتقلوا في خلال أيام من الدفاع عن الحق المقدس في التظاهر، إلى الإحباط لأن قمعاً لم يحصل، إلى الاعتراض المذعور على حق غيرهم. ومن يجمع هذه اللحظات الثلاث في سياق واحد يخرج بانطباع مؤكد: إن النزعة الثأرية المتحكّمة ببعض المعارضين تجعلهم في حالة نفسية مأزومة. يخجلون من أنفسهم لأنهم أضاعوا السلطة، يكتمون هذا الخجل، ثم يعبّرون عنه بخطاب يضج سلطوية وتعالياً ووعيداً. إنها معارضة نابذة لم تتعلم شيئاً من تجربتها.
 

* رئيس تحرير جريدة السفير

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic