في العرف... فإن الدول والشعوب التي تقيم اعراس النصر عندما تدحر المحتل، تبدأ خطواتها الاولى بإعلان حالة طوارئ تنموية لإزالة (آثار العدوان) أو آثار الاحتلال، وكثيرة هي الامثلة دولياً وحتى عربياً التي تحوّلت فيها المناطق الخارجة من الاحتلال الى مناطق منكوبة توضع لها خطة طوارئ لتعويضها عما فات.
ماذا فعلنا للمناطق المحررة، ما هي الإنجازات التي يمكن ان تتباهى بها الحكومات المتتالية منذ التحرير وحتى اليوم، ما هي المؤسسات التي نشأت، ما هو حجم التعويضات الحقيقي خارج المحسوبيات لسكان هذه المناطق، ما هي الخطة الزراعية لتنمية المنطقة التي لا تزال اسيرة زراعات بدائية، ما هو المشروع التنموي الحقيقي بمدلولاته الذي عمدت الدولة بوزاراتها ومؤسساتها إلى إنشائه، كيف عالجت الدولة مشكلة 80 بالمئة من شباب المنطقة المحررة العاطلين عن العمل أي واقع تربوي ثوري توجّهنا به نحو جيل الطلاب الذين بقوا لسنوات تحت الاحتلال لتعيدهم الى الوطن، والسؤال المهم كيف تمّت معالجة مشكلة (العمالة) مع الاسرائيلي لفئات كثيرة خارج منطق (السجن) لرفع العتب حيث لا يزال العميل عميلا وربما ينتظر اسرائيل مرة اخرى طالما لم (نعالجه) من عمالته.
ماذا يفعل نواب ووزراء المنطقة منذ العام ألفين وحتى تاريخه باستثناء المشاركة في (الاسبوعات) وتعميم نكهة اللحم بعجين لإثبات الحضور، ما هي الطرقات الجديدة التي تمّ شقها، ما هي مشاريع الإنارة التي نفذتها الدولة بحق، ما هو حجم تزويد المنطقة بالتيار الكهربائي قياساً على المناطق الاخرى، لماذا لا تزال هذه المنطقة أسيرة العطش المزمن لولا الحل الجزئي الذي قدّمه مشروع جر مياه نبع الوزاني بواسطة مجلس الجنوب، هل أُقيم مصنع، هل أُقيم مشروع، هل قامت مؤسسة، هل تمّ بناء فرع لجامعة، هل تمّ حل مشكلة الاوتوستراد الذي خطط له منذ (قرون) من الناقورة الى سفوح جبل الشيخ، ما هي التقديمات الذي عمدت إليها مثلاً وزارات الزراعة لتعزيز قدرة هذا القطاع الذي لا يزال يُعتمد عليه، ما هي التقديمات والتسهيلات التي قدّمت لشرائح من مجتمع المنطقة الإسكانية والمصرفية.
هل تمّ اتخاذ تدابير عاجلة لمسح أراضيها تمهيداً لفرزها، هل تمّ إنجاز طريق قعقعية الجسر بنت جبيل مثلاً، ولماذا توقف، هل يعتبر تعبيد 400 متر فقط من منعطفات الليطاني الخطرة وبطريقة بدائية هو الإنجاز لوزارة الاشغال، هل تجميد اوتوستراد النبطية مرجعيون هو الإنجاز، لماذا لم يتمّ حتى اللحظة تشغيل مستشفى ميس الجبل الذي يسكنه الهواء العليل فيما لا يزال أقرب مستشفى لسكان عشر قرى في قضاء مرجعيون يبعد 45 دقيقة، وكم هو عدد الذين ماتوا على هذا الطريق، هل تقطير دعم البلديات في المنطقة هو الإنجاز، هل إهمال مخافر قوى الأمن الداخلي وعدم تعزيزها بالآليات والعناصر وأجهزة الاتصال لتوفير الأمن للمواطنين طالما نحن نتفهم ظروف عدم نشر الجيش هو الإنجاز، هل إبقاء طرقات المنطقة أشبه بطرقات الأدغال عبر التلزيمات التي تفتقد الحد الأدنى من المواصفات المطلوبة هو الإنجاز.
إننا نسأل... ماذا لو لم يكن هناك مجلس جنوب، الذي تمكن من تعويض بعض ما فقدته المنطقة فأنشأ بعض المشاريع لعل اهمها شبكة المدارس وتلزيمات لبعض القطاعات الاخرى كحفر الآبار والتعويضات التي لم تكتمل بسبب عدم توفير موازنة حقيقية لما يجب ان يحصل عليه ابناء المنطقة.
إن هذه المنطقة لا تزال تحت نير الاحتلال وإن كان (احتلال الإهمال) وبالمنطق فإن كل احتلال يجب ان يواجه بالمقاومة، اذ ليس المطلوب فقط أن نظل في الخندق الاول نقدّم هذا الكم من الشهداء والدم والنزوح والعيش فوق صفيح الاحتمالات، في وقت يتم فيه التعاطي مع الواقع بإهمال لا تتحمّله الدولة فقط، بل كل القوى المعنية بمصير هذه المنطقة، من أحزابها وقواها التي تكاد تفقد أي برنامج حقيقي لتطوير (الأرض والبشر) كمقومات صمود خارج الشعاراتية والمصالح الآنية (والتوافقات) غير الواقعية كما يتحمّل كل نواب المنطقة ووزرائها (ونقول كل) كون المسؤولية مشتركة (بالمفرق والجملة) عما آلت اليه الأوضاع التي يجب ان تُواجَه بصدق، وإلا... فإننا سنظل نعتبر أنفسنا أسرى للمنطق نفسه الذي كنّا نشعر به، ونعتاش تحت مظلته على ان هذا الجزء من خارطة الوطن ليس ضمن اهتمامات هذا الوطن إلا متى حان قطاف دمنا وبيوتنا وأرضنا ومصيرنا منذ العام 1948 وحتى الآن، أي منذ مجزرة حولا وحتى اللحظة، ما هو حجم كل التقديمات التي نالتها المنطقة هل يتجاوز مثلاً المليار دولار... آه، كم هي رخيصة دماؤنا وبيوتنا وأرضنا وشبابنا الذي هاجر أو غادر او شرّد او فقد ارضا او حقلا، كم هي رخيصة نفوسنا.
إن على القوى الفاعلة ككل بما فيها القوى الحزبية على تنوّعها أن تبادر إلى عقد لقاء وطني لمناقشة الطروحات العملية والتجددية من أجل مواجهة كل هذا الوضع، ووضع تصور عملي مؤطر بتحرك فاعل خارج رتابة ما هو قائم لدفع الدولة بكل مؤسساتها لان تعوّض عن كل ما فات، وإلا فإن جرّنا ضمن سياسة (ثقافة القطيع) مرة أخرى نحو صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة لنختار الوجوه التي أتعبتنا والتي لا تملك أكثر من إمكانية المشاركة في أخذ الخاطر كلما فقدنا عزيزاً، فإننا سنظل نسير نحو الكارثة بكل ما يعني توصيف (الكارثة)...
ومع هذا سنذهب حتماً كالقطيع الى صناديقنا لأن الهر لا يحبّ إلا خانقه.