المجتمع المدني بين تظاهرتين

بول شاوول
جريدة المستقبل (لبنان)
السبت، 27 تشرين ثاني «نوفمبر» 2004
بول شاوول

     بين أن تُنصب الحواجز من أعلى الجبال إلى السواحل حتى مداخل المدينة، لعرقلة وصول المتظاهرين إلى أماكن التظاهرات المحددة، لإظهار "ضعف" هؤلاء، وهزال تجمعاتهم وقوتهم الشعبية والاستقطابية والاستنفارية وبين فتح المسالك (وربما شق طرقات جديدة، من يدري) والأبواب والنوافذ لإنجاح تظاهرة "مضادة" محروسة، ورسمية وأكاد أقول بمباركة أمنية، مستأمنة، مأمونة، يقف المجتمع المدني حائراً، وخائفاً.

فأنْ تكون التظاهرات "تعبيراً" عن ديموقراطية مباشرة، وجزءاً من ممارسة حرية التعبير والحركة والرأي، وتحويل الصراع من صراع أمني وطائفي إلى صراع ميداني في الشارع، يعني أن شيئاً رائعاً لا يمكن إلا أن نتميز به، (شعباً ودولة)، باعتبار أن الشارع العربي "مُحرّم" إلا على المارة والمتنزهين والباعة والزمامير والسيارات وليس مساحة محتملة للاحتجاج أو المطالبة...

إذاً، كان لا بدّ من أن نغتبط بالدعوة التي وجهت للتظاهر الثلثاء المقبل. أي الاحتكام إلى الناس أو فلنقل إلى مشاركة المجتمع كصورة متعددة للصراع السياسي القائم بين المعارضة والموالاة.

إذاً كان لا بد من أن نحيي الداعين إلى تظاهرة يجسدها اناس مدنيون غير مسلحين بالسكاكين ولا بالعصي، ولا بالهراوات، ولا بالمسدسات "المرخصة"، ليقولوا الرأي الآخر المختلف الذي عبرت عنه التظاهرات الطالبية الأسبوع الماضي.

عظيم! اذاً نحن في صراع فكري ـ سياسي ـ سلمي.

علينا أن نتكهن بأن ادوات المجتمع مستنفرة بطريقة ديموقراطية حول مطالب وشعارات أو أفكار. ويعني ذلك، ان كل تظاهرة مقابلة على هذا الأساس لتظاهرة أخرى، هي اعتراف بالآخر. اعتراف "الموالاة" بالمعارضة، واعتراف المعارضة بالموالاة. وهذا يُرتّب ان المتظاهرين الذين نزلوا الى الشارع تحت يافطة المعارضة انما نزلوا بقرار حر من دون ضغوط، أو ابتزاز، أو أي قسرية، ويرتب أيضاً أن المتظاهرين الذين سينزلون إلى الشارع الثلثاء المقبل، انما سينزلون بملء حريتهم، وبإيمانهم الشديد باللافتات والتي سيسيرون تحتها. وان كلا "المعسكرين" متحرر من ارادات أمنية، وعسكرية ومخابراتية... اذ أن ما نفع أن تقوم تظاهرة بأمر يومي من هذه السلطة أو تلك. أو بتنظيم خفي كواليسي سري من هذا الجهاز أو ذاك "المكتب" أو تلك الجهة. فاذا وقعنا في هذا المحظور، فإنما يعني أن التظاهرات كلها، موجهة ضد الديموقراطية.

ويعني أن التظاهرات، بدلاً من أن تكون اعترافاً بالتعدد، وبالآخر، انما هي ضربة للآخر، والغاء له، ومحو لوجوده، لنعود وباسم التظاهر والجماهير (هل تذكرون اسطوانات ارادة الجماهير على امتداد خمسين عاماً!) إلى طغيان الصوت الواحد المتوج بتعبير شعبي مزور.

ويعني، أن هذه التظاهرات "السلمية" هي حرب "وقائية" على التعابير الديموقراطية المباشرة المنتظرة كالانتخابات النيابية والبلدية والنقابية.

وعندها يمكن أن نقول إن تظاهرة "تنظم" وتُرسم في المختبرات الأمنية، والسلطوية هي تمهيد لالغاء فاعلية مجمل التعابير الديموقراطية الحية، أي الغاء الديموقراطية بالديموقراطية، والتظاهر بالتظاهر، والانتخابات بالانتخابات، والتصويت بالتصويت، والتعبير بالتعبير...

لكن برغم هذه المخاوف، والوساوس (وهي في محلها)، يبدو أن المجتمع المدني الذي فرض نفسه على "افرازات" السلطة هو الذي أملى، بعد كسر "تابوهات" المنع والردع، على الجميع، بمن فيهم أهل المنع والردع الذين لم يكن لديهم سوى الشارع الذي "رفضوه" امس، أن يكون مجالهم للقول وللشعار وحتى للرفض. ويعني ذلك، وكما نتوقع ونتكهن، ان لا أحد بات قادراً على منع المجتمع من اختيار المكان والزمان ليوصل عبرهما ما يريد أن يوصله. بل ونظن أن سلاح التظاهرات الرسمية (الأمنية) المضادة سيخدم في المستقبل هذا المجتمع وليس سواه.

بل وأكثر، سيفتح شهية شوارع عربية كثيرة مقلقة لتستقبل ناسها في القضايا الكبرى. بل وأكثر، لن ينجح أهل الصد والحد والرد في اقامة الحواجز والمتاريس لكسر الارادات الشعبية... آتياً.

نحن اليوم على مفترق: المجتمع بدأ يجد آلياته وافكاره وادواته، وخصوم المجتمع يريدون أن يعطلوه من داخله.

ولكننا، نرى في المحصلة الأخيرة، انه، وإن أفلحوا "حالياً" في استنفار "جماهيري" مضاد للجماهير، فان هذه الحيل، سترتد عليهم في المستقبل...

لأنه في المنطق والحسابات، لا يمكن أن ترث الجماهير سوى الجماهير تماماً، كما لا يمكن ان ترث الأجهزة سوى الأجهزة، كما لا يمكن أن ترث ثقافة القمع سوى ثقافة القمع. والكل يعرف أن كل وسائل التعبير "المؤمننة" و"المقننة" بما فيها التظاهر، هي، وبرغم كل شيء، مقدمات ايجابية تمهد الطرق لكل انواع التحركات الشعبية ولكل انواع الاحتجاجات تحت سقف الدستور.

ولهذا، يمكننا القول إن التظاهرات التي نظمتها المعارضة (وعُرقلت وكادت أن تحظر)، وتلك التي ينظمها حالياً أهل السلطة (كواليسياً) هي في النهاية تظاهرات. أي تعبير من تعابير المجتمع. وحق من حقوقه، وتطبيق لبنود قوانينه. وهذا يعني، وبفعل هذه الحقوق المكتسبة والانجازات المحققة، ان المجتمع المدني، سيسعى الى الاستفادة من كل ذلك، ليفرض حكمته، وارادته بالوسائل الشرعية نفسها التي استخدمتها المعارضة وكذلك السلطة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic