يا أنصار النسبية اتحدوا ولو ... لشهر

 جوزف سماحة*
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 22 كانون أول «ديسمبر» 2004
جوزف سماحة

    تضيع على لبنان فرصة تشكيل قوة ضغط تناضل من أجل فرض قانون عادل فعلاً للانتخابات. والقانون العادل يعني، اليوم، اعتماد النسبية في دوائر متوسطة، أو البدء بإدخال قسط وافر منها. ولقد شكلت ندوة “مركز بيروت للأبحاث والمعلومات” التي عقدت أمس مناسبة مهمة جداً لإظهار فضائل قانون كهذا في مواجهة ما يجري تداوله. 

“النسبويون” قوة لا يستهان بها غير أن فعاليتهم لم ترتق بعد إلى حد فرض سجال وطني عام حول أفكارهم. 

واللافت أن المعارضات ساهمت في إضاعة هذه الفرصة عبر ذهابها نحو شعارها السياسوي: “تغيير الحكومة”. لقد انسحبت من المعركة الفعلية وذهبت بجهدها وجمهورها نحو هدف غير واقعي. لقد لعبت لعبة السلطة إذ أخلت الساحة لها تماماً راكضة نحو سراب. 

يمكن القول إننا نشهد تواطؤاً بين بعض السلطة وبعض المعارضة على اعتماد شكل من أشكال النظام الأكثري. الخلاف الظاهر الوحيد هو على حجم الدوائر وهو قابل للتذليل إذا راحت السلطة حتى النهاية في نهج “إرضاء بكركي”. إن مصدر التواطؤ شعور كل طرف بأنه سيد ساحته أو مناطقه أو طائفته، ويريد الاستئثار بها، ومنع الأقليات السياسية ضمنها من التعبير عن نفسها. أما هدف التواطؤ فهو تأبيد الانقسام الطوائفي المناطقي بحيث تنتصر قوى “الموالاة” في الأطراف وقوى “المعارضة” في الجبل (في انتظار حسم مصير بيروت وموقع رفيق الحريري) وتتنافس “محادل” مع “بوسطات” وتسقط الشكاوى من “اللوائح المعلّبة”. 

إن الانقسام حول قانون الانتخاب، كما يشير مؤتمر أمس، لا يتقاطع لا مع الانقسام حول التمديد ولا مع الانقسام حول القرار 1559. لذا يبدو كأن لا محل له في الحياة العامة مع ما يعنيه ذلك من أننا لا نعيش، في الواقع، انشطاراً بين “دولة أمنية” أو “معارضة ديموقراطية” وإنما رغبة في استبدال غلبة بغلبة بعد أن انتهى “الطائف” إلى... طائفية مقلوبة. 

ثمة “موالون” و”معارضون” مع النسبية، وثمة “موالون” و”معارضون” ضدها. وهناك، طبعاً، من يؤيدها لأنه أقلية سياسية في طائفته وكان سيفعل العكس لو كان أقوى. ولكن ذلك لا يلغي أنه يصب موضوعياً في مجرى الدعوة إلى مزيد من الديموقراطية، والحراك السياسي، وتحسين التمثيل، وتجديد الدم في عروق متصلبة. 

القضايا الخلافية بين اللبنانيين ليست عديدة فحسب، إنها جوهرية. وهي تمسّ المواقف من الهوية والسيادة والاستقلال والموقع الإقليمي والعلاقة مع النزاعات الكبرى في المنطقة. أي، باختصار، كل العناوين التي رافقت حياة الكيان وهددته غير مرة. 

وفوق ذلك هناك انقسام حول تقدير حجم المعسكرات وأوزانها والأكثرية والأقلية السياسيتين (الأوزان الطائفية حُسم أمرها منذ زمن). وليس سراً أن كلاً من السلطة والمعارضة يدعي النطق باسم المواطنين جميعاً مع مفارقة أن المعارضة تبزّ السلطة في شبقها إلى مصادرة التمثيل و”الإعدام المعنوي” لكل من يخالفها الرأي. 

كان يمكن لانتخابات، وفق قانون عادل، أن تقدم أجوبة عما يريده اللبنانيون (أكثريتهم) فعلاً. غير أن شرط ذلك كان التوصل إلى اعتماد النسبية وإسقاط النظام الأكثري الظالم والفريد من نوعه في العالم. 

والملاحظ أنه، لأول مرة، أحدثت الفكرة اختراقات لا بأس بها. غير أن حلفاً جهنمياً بين الأكثريات السياسية في كل طائفة يكاد يجهضها تماماً، ويحاول الاستفادة من الاصطفافات الاستقطابية الحالية لتجيير النظام الأكثري لصالحه. وسيعني ذلك أن الانتخابات العتيدة قد لا تؤدي وظيفتها في إنتاج غرفة صدى لتباينات المجتمع تمنع اللجوء السهل إلى وسائل غير ديموقراطية لحسم الخلافات. 

يلعب كل طرف رئيسي من طرفي المشهد السياسي لعبة خطيرة. 

الواضح أن السلطة تراهن على “العدد”. أي إنها ستتجه إلى وضع نظام انتخابي ينفّس بعض الاحتقان المسيحي المحق من غير أن تتهدد أرجحية مريحة تتيح الإمساك بمفاصل التطورات اللاحقة. 

ومن الواضح، أيضاً، أن المعارضة تراهن على “الدينامية”. أي إنها شديدة التفاؤل بامتدادها، وكسرها الطوق المذهبي، وتحوّل المعطيات الإقليمية والدولية. وهي، منذ الآن، تخوض معركة ضد الحكومة وضد أي أكثرية عددية ستنجم عن الاقتراع. إنها تستعد لوضع “الدينامية” في مواجهة “العدد” كمصدر للشرعية. ويبدو، أحياناً، أنها تريد التعويض عن كونها أقلية نيابية محتملة بكونها أكثرية في... مجلس الأمن والكونغرس الأميركي. 

لهذه الأسباب، ولغيرها، لم تعد “النسبية” حاجة ديموقراطية فحسب. إنها مصلحة وطنية عند هذا المفترق الذي يعيشه لبنان. وإن كانت المعارضة خذلت التوظيف الديموقراطي فيها (بعض المعارضة)، فإن السلطة ليست في هذا الوارد إطلاقاً. وعندما سيحاسب عهد إميل لحود الممدَّد له، لاحقاً، سيُقال إنه عهد أجرى انتخابات وفق قانون همايوني (كما سبق أن فعل عهد الياس الهراوي الممدَّد له هو الآخر)، ثم أجرى انتخابات وفق قانون سيئ. فالقانون المأمول سيئ لمجرد أنه مجهول قبل أسابيع من موعد الاقتراع، الأمر الذي يقدم مساهمة استثنائية في تدمير أي انتظام للحياة السياسية ويجوّف، بالتالي، القدرة على تلبية دعوات الصمود في وجه العواصف “الغربية”. 

كان لبنان سيعيش ربيعاً ديموقراطياً حقيقياً لو أن “النسبويين” اتحدوا لخوض معركتهم تاركين لأنفسهم حق الاختلاف لاحقاً، وموفرين لمواطنيهم برلماناً يحتضن الخلافات ويحلها. غير أن سنونوة “مركز بيروت للأبحاث والمعلومات” لن تصنع ربيعاً وحدها. 
 

******

الأكثريات السياسية لدى السنة والموارنة والدروز تعارض النسبية. وإذا سلمنا بأن نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة ذات مغزى، وأن “حزب الله” هو حزب الأكثرية الشيعية، أو، لنقل، الأقلية الشيعية الأكبر، فسيكون مهماً الاستدراك التالي: “حزب الله”، وحده، بين هذه “الأكثريات” يؤيّد النسبية. درس “أصولي” لأدعياء الديموقراطية من قادة الطوائف، ودرس موجّه، بالدرجة الأولى، إلى “البريستوليين”.
 

* رئيس تحرير جريدة السفير

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic