لا يعاش الإسلام في الغرب فقط وكما يحلو لبعض الكتابات المتسرعة، بوصفه دالة لهوية رافضة. أو كما يعزو هؤلاء السبب، لدواعي العزل أو لتفاوت اجتماعي وعمراني فادح بين المدينة والضواحي. كذلك لا يعاش الإسلام في الغرب كدالة لخطاب صراعي مع آلة تواصل معقدة تحتكرها مؤسسات الحداثة الشرهة لكل ما هو توسع، وتراكم، واحتكار ومنفعة.
الإسلام، في هذا الغرب الغارق في نسبوية القيم والانتماءات، وفي لحظوية المعاش المقدسة، يُعاني أيضاً من كونه تجربة هامشية أو مهمَّشة كأي فكر أو دين يتعدى الآني المثالي أو الأنا المنكفئة على ذاتها. إنه يعاش كتداعٍ لصور تطلق المكبوت التاريخي الغربي، بما يحتويه من أثر صدمي على الوعي الجماعي. فإذا بالظهور الإسلامي الحاضر يتحول إلى علامة فارقة لسطوة الكنيسة الماضية.
واقع الأمر أن الإسلام في الغرب، بشقيه الأميركي والأوروبي، لا يني يُتناول كدين لشعوب كانت ولمّا تزل تحت الاستعمار والسيطرة. وبالتالي يجد هذا الدين صعوبات بالغة لا بل مقاومات مجتمعية متشعبة تحول دون حصوله على مكانة تساويه مع المسيحية واليهودية. الإسلام في الغرب يعاش أيضاً، في اللاوعي الجمعي، ليس فقط كعملاق حضاري وإنما أيضاً كندٍ تاريخي. حيث الرباط الزمني بين الحضارتين مشدود بالحروب والسيطرة، وهذا يعود بالاستذكار إلى حملات "إعادة القدس" مروراً بمرحلة الاستعمار والانتداب، إلى حقبة الحروب الموضعية والنقَّالة حديثاً: من حرب السويس إلى الانحياز لإسرائيل ومأساة فلسطين، ثم إلى حروب الخليج الثلاثة ناهيك باحتلال العراق وأفغانستان.
تحاول المجتمعات الغربية في لحظات "الاصطفاف الدولي" أن يكون التوقع في داخلها دائماً آحادي الوجهة والانتماء. وإلاَّ فالشكوك والريبة والخلط تكون ملازمة تجاه أي محاولة "خروج عن الإجماع الوطني"، وبالتالي ليس من العسير أن يجد الإسلام نفسه، حسب المتخيَّل الغربي، كرمز للخصومة Adversité، كضد مزمن وذلك منذ الحملة الصليبية الأولى إلى "غزوة" البرجين الأخيرة.
إذا كانت صورة إسلام الغرب مشوَّشة ومضطربة على هذا النحو، فإن الغرب يعاش هو أيضاً في حياة المسلمين على نحو من الاضطراب والتجاذب الوجداني. وبالتالي فلو أردنا قلب هذه السلبية في المشاعر والتصور إلى ضدها، فيجب معرفة الآتي: بما أنه لا يوجد في المقابل في الغرب الحديث سبب تاريخي أو مجتمعي لإزالة الديني، فإنه لا يوجد سبب إسلامي لإزاحة اللاديني هناك. فالدنيوية لا تعني إزاحة الديني، وإنما هي تنشد إقصاء سلطة المؤسسة الدينية كنظام علاقات وحقيقة. إن شرط عيش المسلمين في الغرب يرتبط حتماً بقبولهم بمبدأ مشروعية المواجهة بين الأفكار والمعتقدات كشكل من اشكال الوجود المشترك وحقائقه المتداخلة والمتبادلة.
سوف يكون للإسلام هنا فرصة نادرة ليس لإحراز مشروعية الوجود وحسب، وإنما أيضاً للمساهمة في توليد الأجوبة والحلول لقلق الإنسان على مستقبله. هذه الفرصة التاريخية قُدِّمت له مع نشوء أول ظاهرة مجتمعية عابرة للدول والأثنيات والديانات. إنها أوروبا الموحدة، حيث ينغرس هذا الإطار السياسي والاجتماعي في أرضية التعددية الأثنية والقومية والمساواة بين معتقداتها. إن المواطنية الأوروبية تأتي هنا كوسيلة فضلى لإنهاء الجفاء وإزالة سوء الفهم المتبادل بين بعض الأنظمة الاجتماعية الأوروبية والمسلمين المحليين. أوروبا الحالية تتقدّم للإسلام كحضارة مبنية على السلم، وعلى كونها مجردة من كل إرث صراعي كما هو الحال مع أوروبا الدول أو أوروبا الخاضعة للدين. الإسلام المحلي يتقدم لأوروبا بشرطه المتعدد الأثنيات والمذاهب، ليشكِّل مع مجموع أفراده الخمس عشرة مليون مواطن، أعظم أقلية دينية في أوروبا. هذا بقطع النظر عما إذا أحرزت تركيا في المدى المنظور عضويتها الأوروبية وما قد يصاحبه من تغيير ديمغرافي مهم في أوروبا لمصلحة هذه الطائفة.
إن أوروبا "الما فوق دولها" هي المساحة العظمى للمسلمين الأوروبيين لكي يعيشوا معتقدهم بحرية أكبر. ذلك ما يوفِّر مناخات نادرة لهم للتعبير عن خصوصياتهم ضمن معتقد، يُدخل في طياته أوروبيتهم المميزة وذلك دون أدنى ذنب أو خجل، كما يعطي للحوار ضمن ثنائية شرق ـ غرب الوسائط الفكرية اللازمة لتخفيف الاحتقان بين الشعوب وتفعيل التفاهم بين الحضارات، ولتنمية روح الوسطية والتوسط بين الأفراد والمعتقدات كشكل من أشكال التزاوج الثقافي الملتزم بمبدأ وحدة الإنسان ومصيره.
إن هذه سيرورة لن يقدَّر لها أن تنجز إلا إذا وضع المسلمون الأوروبيون نصب أعينهم العمل على "فقهنة" انتمائهم الأوروبي، و"عصرنة" لغة حوارهم مع الذات والآخرين، وأيضاً السعي كأقلية دينية أوروبية لتجسيد أو لابتكار "فقه نقدي" يقظ، يخرج من قوقعة الذات Egocentrisme، ثم لينصرف إلى مسائل وقضايا أسمى وأشمل:
- مسألة العدل الخارجة عن الأنانية الأثنية أو الطائفية
- مسألة الحق بالاختلاف كتعبير لتعددية وارفة
- ومسألة الحرية التي تقطع مع الاستنساب والاجتزاء
بالمقابل على أوروبا أن تسعى لكي تغدو الكتلة الحضارية المسلمة ثروة مجتمعية إضافية في ترقّيها وتقدمها المقبلين. ينبغي لأوروبا الأخذ بمنجزات ثروة تمتاز بجذورها الضاربة في "دار الإسلام" مما يعطي سنداً، ونافذة ثقة وانفتاح على الخارج الملاصق، على جار ذي حضارة مترامية الأطراف والأطياف. على أوروبا أن تعير اهتمامها للجيل الثاني والثالث للمهاجرين والذين يُعتبرون ديموغرافياً رافداً من روافد التجدد الطبيعي لأوروبا "الكهلة".
أخيراً على أوروبا بوجهها الإسلامي أن تعي بأن محياها هذا ليس طارئاً عليها أو عارضاً على زمانها. إنه مجبول في التكوين الطبيعي لما قبل حداثتها، وفي حداثتها نفسها، وإلاَّ كيف يمكن أن يؤرخ للحداثة من دون العودة لقاضي القضاة ابن رشد؟ على الإسلام ذي الملامح الأوروبية أن يعي بأن غربه ليس بسلعة تُشرى أو تباع، وأنه ليس رحالاً أو متسللاً إلى "دار الحرب". إنه منغرس في تربة الغرب هذا إلى ما شاء الله. ذلك ما يحتم تسديدها، و"فقهنتها" ومنحها مشروعيتها، وهو يعطي لانتماءاته قيمة تنويرية تُنعش أصوله الإشعاعية، وإلاَّ هل هي ممكنة القيمة التنويرية للإسلام الغربي من دون العودة إلى الرشدية كوسيط إلى المنطق الأريسطي، "اللاتيني"؟
محتوم على الغرب وإسلامه أن يلتقيا من جديد على صفحات ابن رشد، وأن يقرآ سوياً لغدهما على أساس نقد التقليد وحِكَمة التسامح في "فصل المقال".