معضلة الإسرائيليين في مواجهة "حزب الله"

 عباس اسماعيل
جريدة المستقبل (لبنان)
الثلاثاء، 11 كانون ثاني «يناير» 2005

     كشفت عملية "المقاومة الإسلامية" التي استهدفت دورية لجيش الاحتلال الإسرائيلي في مزارع شبعا، وأدت الى مقتل ضابط إسرائيلي برتبة رائد وجرح ثلاثة آخرين، عن المعضلة المركبة القديمة ـ الجديدة، التي يعاني منها المستويان السياسي والعسكري ـ الأمني في إسرائيل في مواجهة "حزب الله" وكيفية التعاطي معه.

تتمثل هذه المعضلة في العجز الإسرائيلي السياسي ـ من خلال رسائل التهديد والضغط عبر القنوات الديبلوماسية على كل من لبنان وسوريا ـ وفي العجز العسكري والأمني ـ من خلال فشل الاعتداءات العسكرية والنشاطات الأمنية في احباط ومنع عمليات "حزب الله" ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي، عجز إسرائيل عن إيجاد رد ملائم وناجع لكبح جماح الحزب ودفعه الى وقف هجماته ضد قواتها. وما يزيد هذه المعضلة تعقيداً بالنسبة الى الإسرائيليين هو حقيقة كون ممارسة الحزب لنشاطه المقاوم تتم غالباً، وبحسب ما يُعلنه الإسرائيليون أنفسهم، ضمن قواعد اللعبة التي سادت بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، وحسن مراعاة الحزب لمسألتي الزمان والمكان من جهة، وامتلاكه قدرة ردع فعالة وناجعة تتمثل في الترسانة الصاروخية التي نجح في بنائها، من جهة ثانية، الأمر الذي يجعل يدي الجيش الإسرائيلي مقيدتين ويدفع المستوى السياسي الى التفكير ملياً قبل الدخول في أي مغامرة عسكرية، لا سيما أن شبح الانتفاضة لا يزال يخيم على الواقع الأمني والسياسي في إسرائيل.

وتجد هذه المعضلة ترجمتها العملية في اضطرار القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين الى "اجترار" سيمفونية تهديداتهم التي ملّها الإسرائيليون، وحفظها اللبنانيون عن ظهر قلب، والتي تتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور بعد كل عملية تستهدف قواتهم، أو من خلال القيام باعتداءات استعراضية لحفظ ماء الوجه، على الرغم من بعض الحالات التي بدت فيها الاعتداءات الإسرائيلية كما لو أنها تحمل رسائل مفادها أن الكيل قد طفح وأن إسرائيل مستعدة للذهاب بعيدة في استخدام القوة، وهي حالات كانت ترتبط غالباً بحسابات إسرائيلية دقيقة تفيد أن الظرف غير ملائم بالنسبة للخصم لتوسيع دائرة المواجهة.

وأحياناً كثيرة كانت المستويات الإسرائيلية تحاول تجاوز المعضلة العملية من خلال الادعاء بأن عمليات "حزب الله" تندرج ضمن حسابات معينة وأن إسرائيل معنية بإسقاط تلك الحسابات وبتفويت الفرصة عليه، من خلال "ضبط النفس"، وهو ما شهدناه خلال العملية الأخيرة حيث برز الادعاء الإسرائيلي بأن عملية الحزب ترتبط بشكل مباشر بالانتخابات الرئاسية الفلسطينية، وأنها تسعى الى إحباط وتشويش العملية الانتخابية، من دون أن تكلف هذه المستويات نفسها عناء توضيح ماهية العلاقة بين عملية تحصل في مزارع شبعا وبين صناديق الاقتراع في الضفة الغربية وغزة، إلا إذا كان "حزب الله" يتوقع، على سبيل الافتراض، أن يستهدف الرد الإسرائيلي بعد عمليته في مزارع شبعا، البلدات والمدن والأحياء الفلسطينية.

هذا الادعاء يفهم منه محاولة لزرع الشقاق بين حزب الله والفلسطينيين من جهة، ولتغطية الاشكالية التي طرحتها عملية "حزب الله" من جهة ثانية، من خلال الإيحاء بأن العجز الإسرائيلي مرده حرص إسرائيل على عدم السماح للحزب بتحقيق الأهداف الحقيقية لهجومه.

الى جانب ذلك، توقف العديد من المراقبين والمحللين الإسرائيليين عند مسألتين إشكاليتين على خلفية العملية الأخيرة. الإشكالية الأولى تتمثل في احتفاظ الحزب بميزة المبادرة التي تتيحها قواعد اللعبة السائدة، غير المكتوبة، التي تحكم المواجهة بين الطرفين؛ والثانية تتمثل في السهولة الكبيرة التي يتمكن فيها الحزب من اختراق مناطق عمل الجيش الإسرائيلي وزرع عبوة ناسفة في المكان المناسب ومن ثم القيام بتفجيرها. ويرى كثير من المراقبين الإسرائيليين أن عدم إيجاد حل لهاتين الاشكاليتين من خلال تغيير قواعد اللعبة، يعني حكما تكرار ما حصل، على الرغم من اقرارهم بأن تغيير هذه القواعد دونه عقبات كأداء تتجسد في المعضلة التي سبق الإشارة إليها.

وثمة مسألة أخرى أشار إليها المسؤولون الإسرائيليون في معرض الحديث عن معضلة "حزب الله" تتمثل في الاتهامات المتكررة التي توجهها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الى الحزب بتهمة الضلوع في نشاطات الانتفاضة، لا سيما تلك التي تحصل في الضفة الغربية، حيث تشير معطيات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الى مسؤولية الحزب عن أكثر من ثمانين في المئة من العمليات التي ينفذها الفلسطينيون في الضفة الغربية أو انطلاقاً منها، وهي مسؤولية لا تتوقف، بحسب الادعاءات الإسرائيلية، على الدعم المادي والإعلامي فقط، بل تمتد لتشمل المستوى التنفيذي من خلال التوجيهات المباشرة، والتي كان آخرها العملية التي وقعت قرب نابلس قبل نحو اسبوع وأدت الى مقتل جندي إسرائيلي، وفق المزاعم الإسرائيلية.

هذه المسألة تثير أكثر من سؤال إزاء "التساهل الإسرائيلي" مع ما تعتبره تدخلاً للحزب في نشاطات الانتفاضة ضدها، في الوقت الذي "تشرب فيه حليب السباع" في مواجهة الفلسطينيين، وهو ما يرده كثير من المسؤولين الإسرائيليين الى خشية إسرائيل من أوراق القوة التي يملكها الحزب من جهة، وعدم استعدادها لخوض مواجهة على جبهتين في وقت واحد من جهة ثانية، الأمر الذي يزيد من عمق معضلة "حزب الله" وتعقيدها بالنسبة الى الإسرائيليين، وهو ما يفسر السلوك الإسرائيلي في مواجهة "حزب الله".

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page