الوجه الآخر للعراق

 أميمة عبد اللطيف
جريدة الغد الأردنية
الخميس، 20 كانون ثاني «يناير» 2005

     هل ثمة عراق آخر غير الذي نشاهده ونقرأ عنه في وسائل الإعلام سيما الغربية منها. سبب السؤال هو ما أثاره الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك مراسل جريدة الإندبندنت البريطانية في الشرق الأوسط من إنتقاد للطريقة التي يتم بها تغطية أخبار العراق من قبل مراسلي الصحف والقنوات التليفزيونية الغربية حيث يقوم هؤلاء بالكتابة والإخبار عن العراق من غرف فنادقهم والإعتماد على جيش من المراسلين المحليين ومكالمات هاتفية مع حكام العراق بالمنطقة الخضراء. إذا كان الحال كذلك فإن مقالة فيسك هامة لجهة كونها تفسر جانبا هاما من التغطية الإخبارية .

ليس مستغربا إذن- والحال كذلك- أن يختصر هؤلاء العراق في صورة طوائف ورجال دين سنة وشيعة وعرب وكرد وتركمان ومسيحيين. قد يكون مفهوما أن النظرة الغربية الضيقة لمجتمع شديد التعقيد مثل المجتمع العراقي وغيره من المجتمعات العربية وبالتالي تريد من خلال التقارير الصحافية أن تختصره في صورة طوائف وقوميات متصارعة ولكن من غير المفهوم أن تقع بعض وسائل الإعلام العربية وتتبنى ذات المفاهيم والرؤية لمجتمع عربي بينما الأجدر بها أن تفند هكذا توصيفات وتسعى لتوضيح الصورة. وما تتميز به وسائل الإعلام العربية هو أنه بينما الميديا الغربية تسعي لجذب إنتباه قارئ لا يهتم سوى بأسعار الفائدة والموضوعات المحلية البحتة فإن ثمة قارئا عربيا نهما ومتفاعلا. 

وبالتالي بالنسبة للقارئ الغربي لابد وأن تقدم الأخبار في شكل صراع دائم أو في إطار الأزمة بين فئات متصارعة ويعاد إنتاجها في كل مرة تتم الإخبار عن الحدث. وبالتالي نجد أن أزمة العراق تختصر كلها ما بين سنة معارضين للإحتلال وشيعة يطمعون في تحقيق حلم السلطة الضائع لمدة ثمانين عاما وأكراد لا يبالون ويحلمون بدولتهم ولا يرد ذكر مثلا أن ثمة سنة تعاملوا مع الإحتلال وقبلوه وأن ثمة شيعة عارضوه وحاربوه. فما لا تفهمه وسائل الإعلام الغربية- وبعض العربية بالتبعية- أو ما تغفل عمدا عن فهمه هو أن الأمر لا يتعلق بالطائفة التي ينتمي لها المرء بقدر ما يتعلق بأمور أخرى مثل التوجه الإيدولوجي. هذه التغطية الإخبارية تختصر مفهوم السياسة في الشرق الأوسط لصراع على الهوية ومن خلال هذه التقاريرالإخبارية يتم تصوير الشرق بإعتباره محكوما بهوياته الدينية والعرقية فحسب وينتفي أي سبب آخرللصراع إقتصاديا كان أو سياسيا.

وبالتالي ما ينتج عن هذا الوضع هو أن الميديا تسعى لخلق تصورات لا تطابق واقع الحال ليس هذا فحسب وإنما تسعى- بل وتنجح أحيانا- في فرض هذا التصور الذي هو في كثير من الأحيان من نتاج مخيلة الصحفي على الواقع القائم حتى يطابقه في مخيلة القراء وهكذا يتم من خلال التقارير الصحافية خلق تصور وجود نذر حرب أهلية في العراق لو فاز الشيعة في الانتخابات وكثرة تكرار هذا الافتراضات في الصحافة تخلق بلبلة وحيرة وتساؤلات لدى القارئ المهتم عما هو حقيقي وماهو متخيل في قصة العراق.

خير مثال على ذلك قصة الانتخابات العراقية حيث لا تكل الصحافة الأمريكية -على وجه الخصوص عبر مراسليها الذين يغطون العراق تحت حماية جيش من المرتزقة الحراس- عن الحديث المتواصل من أن مقاطعة الأحزاب السنية سوف يؤدي لغياب الناخبين السنة وبالتالي يفقد الإنتخابات روح الشرعية في أعين قطاع لا بأس به من العراقيين. ثمة إفتراض إذن يبرزه هذا الخطاب الإعلامي -وإن كان غير مباشر- وتنقله هذه التقارير لقرائها بأن السنة سيصوتون للسنة والشيعة سيصوتون للشيعة وبالتالي تنتفي فكرة أنه ربما هناك شيعة علمانيون سيصوتون لقائمة الحزب الشيوعي العراقي أو أنهم قد يجدون أنفسهم أقرب لقائمة تجمع الديمقراطيين المستقلين التي يترأسها عدنان الباجه جي "السني العلماني" عن قائمة الأئتلاف العراقي الموحد التي قيل أنها تحظى بتأييد مرجعية النجف الأعلى السيد علي السيستاني ومع هذه الفرضية لا يمكن-في عقل المراسل الغربي- تصور أيضا أنه ربما هناك سنة محافظون يغلبون الدين على ما سواه وبالتالي هم أقرب للائحة تحترم مكانة الدين وتوليها أهمية في الحياة السياسية مثل قائمة السيستاني أكثرمما يؤيدين قائمة الباجة جي ذات الطبيعة العلمانية. القاعدة في التغطية الإخبارية الغربية للعراق هي أن كلا من هذه الطوائف والقوميات عبارة عن كتل صماء متجانسة يحكم تصرفاتها نظام قيمي موحد ولديها ذات المصالح وتسعى لتحقيق نفس الأهداف. وهذا الأمر ينطبق على السنة بمثل ماهو منطبق على الشيعة.

يجب الإعتراف بأن هناك محاولات تمت وتتم لإستقطاب سياسي على أسس طائفية أو إثنية وأن هناك تخوفا من أن تؤدي الإنتخابات القادمة لتكريس هذا الأستقطاب بدلا من محاربته وثمة إعتراف أيضا بأن ما آل إليه الوضع في العراق سببه نظام المحاصصة الطائفية التي أرستها سلطات الإحتلال في تجربة مجلس الحكم الإنتقالي ووريثته الحكومة الإنتقالية. ولكن هذا الوضع مسؤول عنه بدرجة مهمة أيضا سنة العراق وشيعتهم وعربهم وكردهم وعلى رأسهم علماء الدين والمرجعيات الدينية التي ساهمت بتكريس هذا الوضع ربما عن جهل أحيانا وربما بحثا عن مصلحة ما في أحيان أخرى. هم بشكل ما يساهمون في التأسيس للعراق الجديد حيث كل طائفة وكل قومية ترى في الأخرى عدوا يجب الإحتماء منه بالوجود الأمريكي وبالتالي يصبح مفهوما صيحات التحذير التي تصدر من وقت لآخر حول مخاطر الإنسحاب الأمريكي وما قد يؤدي إليه من التأسيس لحرب أهلية.

في مخيلة كثيرين من مراسلي الصحف الغربية –لاسيما الأمريكيون منهم - ان هذه الحرب على وشك أن تبدأ في أي وقت بين سنة العراق وشيعتهم وعربهم وكردهم بينما الجيش الأمريكي، بحسب أحد المراسلين الأمريكيين، يسعده هذا الحصار المفروض على هؤلاء المراسلين الذين لا يملكون إلا أن يلجأوا للجيش للحصول على معلومات مغلوطة في أسوأ الأحوال ومؤدلجة في أحسنها.

أما الخدعة الكبرى التي يمارسها هؤلاء المراسلون فهي أنهم عادة ما يتركون إنطباعا بأنهم يقدمون لقرائهم معلومات أولية من قلب الأحداث –بحسب الكليشيه- وأنهم يتحركون بحرية في العراق. وبينما كان المحررون الغربيون أيام صدام حسين حريصين على إخبار قرائهم بأن تقاريرهم تخضع لرقابة وزارة الإعلام العراقية فإنهم يغفلون، عمدا أو بغير عمد،عن القول بأن حركتهم باتت جدا محدودة الآن وأنهم لا يقومون بالتغطية مباشرة وإنما من خلال وسائط، فهم لا يرون من العراق أبعد من حدود غرفهم المكيفة. الرسالة في النهاية مفادها أن هناك بالفعل عراقا آخر لا تحكمه هويته الدينية أو الطائفية أو الإثنية، ولكنه غير موجود في تقارير الصحافة الأمريكية لأن إنكار وجوده يصب في مصلحة المشروع الأمريكي....

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page