الدائرة الصغرى تفرض إدخال الجمل في خرم الإبرة

عماد مرمل
جريدة السفير (لبنان)
الإثنين، 24 كانون ثاني «يناير» 2005

     من الأرجح ألا تهدأ قريبا العاصفة التي أثارها في الساحة السياسية الميل الى اعتماد القضاء دائرة انتخابية، بل هي مرشحة لأن تشتد كلما قطع مشروع الانتخاب مرحلة من المراحل، علما ان البعض بدأ يستعد منذ الآن للانحناء امام العاصفة بينما يصر البعض الآخر على ان يواجهها بعدما أصبحت القضية بالنسبة اليه قضية بقاء أو إندثار. 

في هذا الوقت، تستمر دمشق في مراقبة ما يجري فوق رقعة الشطرنج اللبنانية، من دون ان تتدخل مباشرة للتأثير في هذا الاتجاه أو ذاك، ويؤكد مقربون منها انها مستمرة في تجاهل “الايحاءات” التي تصلها من جهات داخلية حول ضرورة تدخلها للفصل في الخلافات المستعرة بشأن قانون الانتخاب المقبل، وذلك انطلاقا من ان لا مصلحة سورية خاصة باعتماد هذه الدائرة او تلك، ما دام الحاصل الاجمالي لاي انتخابات لن يحدث انقلابا في المعادلة الاستراتيجية الكبرى التي تحمي العلاقة التحالفية بين البلدين. 

وتعتقد أوساط مطلعة مصنفة في خانة الموالاة ان مشروع القضاء سيمر في نهاية المطاف، مع إدخال تعديلات طفيفة عليه، وتقول هذه الاوساط التي لم تكن متحمسة أصلا للدائرة الصغرى ان ما سيساعد المشروع على تجاوز الاعتراضات المبدئية لجانب من القوى السياسية، هو انه سيتبنى القضاء “لمرة واحدة وبصورة استثنائية”، الامر الذي سيخفف من قلق الخائفين على مصير اتفاق الطائف والعيش المشترك، علما ان “الاكثرية النيابية التي ستنتخب رئيس الجمهورية المقبل وستصوّت للحكومات ستبقى في جعبة الموالاة أيا تكن التقسيمات الانتخابية، ولكن هذه المرة مع فارق ان المعارضة ستفقد القدرة على التشكيك في صحة التمثيل وشرعية النتائج، كما كان يحصل سابقا، باعتبار ان القانون تبنى الدائرة الصغرى التي طالما كان ينادي بها أغلب المعارضين. 

وتتحدث هذه الاوساط عن حسابات تمت لكلفة اعتماد خيار القضاء وتبين بموجبها ان ألاكثرية المتمثلة ب 65 صوتا مضمونة، مع احتمال الاحتفاظ بالثلثين إذا تمكن عدد من النواب “الرماديين” من الفوز مجددا، حيث من المتوقع ان “ينتسب” هؤلاء الى الخط المناهض للمعارضة بعدما يكونون قد فازوا على أساس “القضاء” المقترح من السلطة. 

أين حزب الله من كل ذلك؟

ليس خافيا ان الحزب يدعو في المبدأ الى النظام النسبي سواء على مستوى لبنان دائرة واحدة او على مستوى المحافظات، وإذا تعذر السير بهذا الطرح في ظل الوضع القائم فهو يطالب بالدائرة الوسطى التي يعتبر انها أقرب ما تكون الى نص وثيقة الوفاق الوطني، ومن شأنها ان تعطل المحادل الكبرى وان تصون في الوقت ذاته لغة العيش المشترك بعيدا عن التقوقع في الزوايا الطائفية. 

لكن، وبموازاة هذا الموقف المبدئي، يبدو حزب الله مستعدا للتعامل ببراغماتية مع الطروحات الاخرى حتى لو كان القضاء أحدها، وهو يتهيأ على كل حال لحسم توجهه النهائي خلال الايام القليلة المقبلة، وفي هذا المجال تقول مصادر قيادية في الحزب انه قد يبدي تفهما لضرورات اعتماد القضاء دائرة إنتخابية لمرة واحدة في هذه الظروف التي ربما تفترض مقاربة خاصة، على ان يكون لكل حادث حديث في ما بعد. 

وتؤكد المصادر ان الحزب كان سيتخذ حكما موقفا آخر لو ان قانون الانتخاب ينحو صوب تكريس القضاء قاعدة ثابتة للاقتراع “وحينها كنا سنضرب قدمنا بالارض ونقول لا بصوت عال”، وتضيف المصادر: الا ان الصفة الاستثنائية التي سيحملها مشروع القضاء تجعلنا نترك الباب مفتوحا على كل الاحتمالات، استنادا الى الواقعية في قراءة المعطيات السياسية، علما ان لا مشكلة أحجام لدينا سواء اُعتمد القضاء أو غيره، ونحن لسنا قلقين بالمطلق من النتائج التي سنحصدها في الدائرة الصغرى. 

الا ان هناك مشكلة من نوع مختلف ستواجه الحزب، على الارجح، وتتمثل في طبيعة التحالفات التي سينسجها في الاقضية، ولا تخفي المصادر الاحراج الذي سيشعر به الحزب على هذا الصعيد، “ذلك انه كلما صغرت الدائرة سنكون امام كثرة من المرشحين ممن تضرروا طويلا من “المحادل” ويرغبون بعد سقوطها المحتمل في التعاون معنا على قاعدة التقاطع في الخطوط الكبرى، بينما نحن ستكون لنا ايضا حساباتنا التحالفية مع حركة أمل، لاكثر من اعتبار”. 

وكيف سيكون شكل التعاون “المفترض” مع “أمل”؟. 

تلفت المصادر القيادية في الحزب الانتباه الى ان التفاهم مع حركة أمل يجب ان يلحظ خصوصية ان الدائرة الانتخابية صغيرة، وبهذا المعنى فان التعبير عن هذا التفاهم سيتخذ أشكالا مختلفة وليس شكلا واحدا بالضرورة، “ذلك ان الساحة قد تلزمك بخطوات معينة خلافا لما كان عليه الحال في الدائرة الكبرى حين كان هناك حلفاء يحجزون مقاعدهم ضمن المعادلة الاقليمية البحت، اي ان الدائرة الصغرى تفرض حسابات مختلفة من نوع إدخال الجمل في خرم الإبرة”. 

وتعتقد المصادر ان مردود “القضاء” يكمن بالدرجة الاولى في انه يسحب الذرائع من المعارضة ويسد اي ثغرة يمكن ان تنفذ منها الاعتراضات الدولية، من دون ان تتعرض المعادلة الاستراتيجية داخل المجلس النيابي لاهتزاز حقيقي.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page