الاسلام في اوروبا الموحدة**

 محمد نعمة *
جريدة القدس العربي (لندن)
الخميس، 10 شباط «فبراير» 2005

     ان ردّات الفعل المتشنجة لبعض المؤسسات الفرنسية او الالمانية تجاه مسألة الحجاب الاسلامي، تُعبر جلياَ عن اختزال من قبل اوروبا الدول للديانة المحمدية الي بعدها القانوني التشريعي. فاذا بهذه المؤسسات وقراراتها المشرَّعة تجد بشكل لاواعي في الفعاليات الفقهية المشرِّعة في دار الاسلام مثالاً يُحتذي، موضوع تماهيها هي. فاذا باللاديني العلماني او اللاييكي في تعريبه المغاربي، يقع تحت غواية التشريع كشكل من اشكال السيطرة على الافراد والجماعات. انه ينكفيء عن الثقافي بتعدديته وحرية تجليِّات هذه التعددية، او يكتفي باختلافيَّاته الثقافية ذات الانشطارات الحُكمية على علاقة الذات بالآخر، لكي يهيم بعدها اللاديني هذا في التمايز الوهمي لذاتيته والتي لم تكن ابدا واحدة او صافية.

من اجل مقارعته للديني لم يتردد الوضعي، اللاديني، عن اللجوء لاسلوب مقلق والذي قد يؤدي اللجوء اليه لاضطرابات علائقية سلبية وهو التشريع الفوقي والاعتباطي. في هذه المفارقة السلوكية والانفعالية، اوروبا الدول قد تكون نجحت عرضياَ على انتزاع بضعة عشرات من الحجاب الاسلامي، ولكن نجاحها الرئيسي فهو يكمن في السيطرة على خوفها مِن ما يمثل هذا الحجاب كترميز واضح لعجزها في تعميم كوننة متخيلها ومعيوشها للحداثة، والتي تبدو مع التشريع والتشريع المضاد، كعقيدة مقفلة محتجبة عن الحرية في الاختلاف. ان الحجاب، وبشكله الاسلاموي خاصة، لا يعكس فقط علاقة المحرم والمحلل، وانما ايضا يُشهر الحد على الحداثة، والشك بغلبتها، والرغبة في تقزيمها ان لم نقل في هزيمتها. لذلك قد يكون لهذا الحجاب في اوروبا وظيفة علائقية تعبر عن اصطفاف عاطفي ـ ايديولوجي حيث الضد والمع يتقارعان على دلالاته وغلبتها في لعبة القوى. هنا الحجاب يتحول الى سلاح ذو حدين، من جهة انه يعبر عن دالة صراعية مع الآخر، وهذا ما نراه في التشريع والتشريع المضاد، ومن جهة ثانية انه يرمز او يضمر اختزالا حقيقيا للفرد وجمعنة مؤكدة لحريته. عمليا ان فرض او منع الحجاب يلتقيان جوهريا، وذلك من حيث انهما يثبتان، وبمواربة، دونية المراة وعدم مساواتها مع الجنس الحاكم. وبالتالي ان التشريع العلماني الفرنسي او الالماني يتقاطع غائيا وبلا وعي مع تشريع الحركات الاصولية التي تجعل من الحجاب سلاحا جهاديا. وهذا يدخل في ما يسمى بالرقابة او الضبط الاجتماعي للبنى والعلاقات بين الجنسين.

هذا الوضعي الحداثي يتواطأ ويتماهى مع الديني ليس فقط في تزاحمهما من أجل السيطرة على الافراد، وانما ايضا في اختصارهما سويا للعقيدة الاسلامية. ان هذا الجدل القانوني حول الحجاب لهو يكشف عن وجود ارادات متعددة تحاول ان تجعل من بناءات الاحكام القضائية بنية العقيدة الاسلامية نفسها. فاذا بالاسلام نجده في وضعية فريدة، حيث يضخم لهذا الدين حيزه القضائي، وذلك على حساب جماليَّات روحيته وكونية ماهيته، واللتان تتعدَّان بمسافات هذا الحيِّز الجزئي. وبالتالي عندما يُكتفى في هذا اللقاء الحضاري بالبعد التشريعي فاننا امام عملية بتر للانا ـ الآخر، مما يدل هواميا على اننا سجناء الريبة والخواف وعلائقيا على اننا امام فرصة جديدة في حركة التواصل الحضاري والتي تبدو للاسف قد هُدرَت..

هنا لا بد من التنويه على ان اوروبا الموحدة لم تتدخل اطلاقا في تشريعات اوروبا الدول بخصوص الحجاب وهذا مما يشجع الجميع على التلاقي والتحاور من اجل تفعيل مواطنية مكتملة الواجبات والحقوق ومقترنة بالكرامة والاخاء وايضا من اجل السهر على عدم نقل العنف الجهادي الى هذا الفضاء المتقدم المتخطي للقوميات وللاعراق وللديانات. لان مسألة العنف السياسي ـ الديني تخرج من حيِّزها القومي المستهدف لتتحول الى قضية اوروبية عامة، وبالتالي فالعنف الجهادي وان اصاب اوروبا فسيكون كارثة علائقية بحق. لهذا العنف محاذيره لا بل حرمته الخاصة والتي تكمن بمستقبل الاقلية المسلمة ذاتها. ان لهذه الاقلية مصلحة كبيرة بالارتقاء في تفاعلها مع هذا الفضاء الفريد في عبوره للدول اي لسيادتها، لبنيتها ولحدودها السياسية.

ان اوروبا الموحدة تتقدم للاقلية المسلمة كاطار شاسع من الحريات والرقي يصلح لبناء احسن العلاقات بين هذا الاطار الحضاري وبين اهم اقلية دينية تعيش فيه، والمتمثلة بخمسة عشر مليون مسلم والذين اتوا من كل حدب وصوب بحثا عن عيش كريم او كرامة او حرية، هذا وان استثنينا انضواء تركيا حاليا في اوروبا الموحدة وما سيكون له من تعزيز مهم لثقل هذه الاقلية على مصير وهوية اوروبا، خاصة ان هذا الاطار يحتوي على ثابتة مميزة ترسي فعليا شَرطي الثقة والانفتاح على الاقلية المسلمة. هذه الثابتة تتجلى في ان اوروبا الموحدة، وبعكس اوروبا الدول، ليس لها ارث او اثر تصادمي مع الحضارة الاسلامية او بلاد اسلامية معينة، مما يجعلها في وضعية مريحة وبمنأى عن الخندقة الايديولوجية. انها تدل على المكان المحايد ان لم نقل الصديق. لذلك مع اوروبا هذه هناك اهمية استثنائية للاقلية المسلمة وهي تنحصر في العمل على تعزيز اندماجها اوروبيا في مواطنية مسؤولة ومنفتحة، تعتز بخياراتها الثقافية كما تعتز بانتمائها لاوروبا كمجال سياسي ـ قِيَمي حيث يقوم على الحرية والسلم او على نبذ الاحتراب والتمييز. مع هذه المواطنية وهذا الاعتزاز، تقدم الجالية المسلمة افضل معونة في بناء جسر التواصل والرقي بين عملاقين حضاريين: الجارين المسلم والاوروبي.

لكن هذا غير ممكن الحدوث ان لم تلجأ هذه الاقلية الى اعادة فقهنة وجودها واعطائه لونه الاوروبي الخاص بها والخالي من عقدة الذنب او الخجل. فقه يقظ منهمك ليس فقط بالحفاظ على ارثه العقائدي وانما ايضا بالامساك بالمكتسبات المفاهيمية الكونية والسمحاء كالتلاقي، العفو، الحرية، التعددية والعدل. في حلم التفاهم هذا يوجد لاوروبا الهرمة دور يجب الاضطلاع به وهو ان تعير اهتماما ملحوظا لابناء هذه الاقلية الشابة، وخاصة للجيل الثاني والثالث. ان هؤلاء الشباب هم رديف احتياطي ديموغرافي ثمين لكهولتها. لذلك يجب ان تكون هذه الفئة موضوع عناية اجتماعية واقتصادية، وهذا لا يعود لسبب ديموغرافي اوحد وانما ايضا لعدة اسباب اخرى، منها اولا المعاناة الوجودية التي يواجهها هؤلاء الشبان، ومنذ طول سنين، مما يجعلهم وقودا للغات الانطواء او اللامبالاة او الاحباط. ثانيا ان مدى الاحترام والاحتضان الفعليين اللذين يتلقاهما هؤلاء الشباب هو مقياس عملي لتطبيق اخلاقية اللاتمييز والمساواة لاوروبا الموحدة.

اخيرا، على اوروبا واقليتها المسلمة ان تدركا بان وجهيهما الحضاريين، ومنذ اشعاعيات الاندلس، يجسدان تاريخا مشتركا وزاخرا، افكارا متبادلة ومنيرة، ودماء متوحدة ووارفة. وبالتالي ما ابهى ان لا يثني طائل المسلمين الاوروبيين عن الامساك ونفض الغبار عن خط جدهم ابن رشد وخطابه، خطاب الحكمة والتسامح والانفتاح.

* د. محمد نعمة، مدير مجلة "مدارات غربية" ـ باريس
** العنوان الكامل للمقالة: "الاسلام في اوروبا الموحدة وتقاطع العلمانيات الغربية مع الحركات الاصولية"

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page