رجل لا يتسع له المكان

غسان شربل
جريدة الحياة (لندن)
الثلاثاء، 15 شباط «فبراير» 2005

     ثمة رجال لا يتسع لهم المكان. نفوذهم أوسع من مواقعهم. أدوارهم أكبر من ألقابهم. جاذبيتهم غير قابلة للتطويق أو الاستنزاف. وأحلامهم بحجم وطن أو زلزال.

ومن عادة الأوطان أن تستجير بهؤلاء حين تطول المحنة. تختارهم وتختار مصيرهم فيتقدمون اليه. تكلفهم مهمات صعبة. تكلفهم مهمات قاتلة.

كان رفيق الحريري من تلك القماشة النادرة. رجل تتكئ عليه مدينة. رجل يتكئ عليه جبل. رجل تتكئ عليه بلاد. وبعض الرجال يثير حسد الجبال.

هكذا استجار به لبنان ذات يوم. ليستعيد بيروت من ركامها. ليغلق القبور ويفتح النوافذ. ليعاقب الخرائب بالحجر العريق والأنيق. ليدفن الحرب ويرمم معادلة أنهكتها شهوات الانتحار ومحاولات الاغتيال. ليرد الظلام عن قلب العاصمة وليرد الظلم عن خريطة الوطن. وكان عليه أن يوقف انتحار الليرة وانتحار الدولة وانتحار منطق التلاقي في منتصف الطريق. كان عليه أن يكنس الركام ويلجم الأوهام ويعيد اطلاق الأحلام. وكان الرجل بحجم الانتظار على رغم الصعوبات والمكائد والألغام.

قصته لا تشبه الا قصته. جاء من بيت متواضع في حي متواضع. من صيدا المسكونة برائحة البساتين وخيبات الصيادين. وكان على الصغير أن يشارك في قطاف المواسم ليخفف عبء المعيشة عن والديه. وذات يوم قاده اعلان في صحيفة الى السعودية. وهناك وعبر التزام الدقة والمواعيد واستحقاق الثقة تحول الشاب ورشة جوالة وقصة نجاح لا يتوقف. أحب السعودية وأحبته وظل حتى النفس الأخير يجاهر بمشاعر الامتنان والوفاء.

الفرصة وحدها لا تكفي. في اغتنامها يلتمع معدن الرجال. ثروته لم تقنعه بالاستقالة من وطنه المتداعي. قدراته زادته اقتناعاً بوضع نفسه في خدمة طموحاته لوطنه وطموحاته فيه. هكذا ولد مشروع واسع يعطي فرصة عمل لهذا وفرصة علم لذاك على طريق فرصة لانقاذ الوطن.

في الثمانينات بدأ رفيق الحريري نسج «مؤامرة» لانقاذ بلاده. علاقات واتصالات. هاتف لا يهدأ وطائرة لا تنام. تدريبات على تليين مواقف متشددين والتعامل مع قساة. «كل جهد لانهاء الحرب في الثمانينات كنت جزءاً منه». هكذا قال. بصماته حاضرة في أوراق ومشاريع وصيغ وهي شديدة الوضوح في اتفاق الطائف.

في 1992 كان لا بد منه، فكان. ومنذ اللحظة الأولى بدا الرجل أكبر من رئيس للوزراء واكبر من زعيم للمعارضة واكبر من زعيم لطائفة أو مدينة. وفي زمن لا يسمح بولادة الأقطاب تكرس قطباً استثنائياً وصارت الحياة السياسية تدور حوله وتصاب بالضجر ان ابتعد لأيام.

ولم تكن رحلته بين الاشراك سهلة. وكان مصاباً بحجمه. يجتذب الأضواء ان حضر وتسأل عنه ان غاب. تكبر السراي في عهده وتتذمر احياناً من فرط حضوره، لكنها تبدو كالأرملة في غيابه وتروح منذ اليوم الأول تسأل عن موعد عودته. وفي الحكم كما في المعارضة كان يتلقى اللكمات بثبات الملاكم الكبير ثم يحتكم الى صناديق الاقتراع ويرجع منتصراً. وبثقة القوي كان يتنازل ويتراجع ويفرط في المرونة معتبراً ان الخسارة مقبولة شرط ضبط خسائر البلد.

كان رفيق الحريري مدينة في المدينة وقلعة في البلد. وكان صمام الأمان والاحتياط الكبير والأخير. تعلم وتدرب وكانت لديه فكرة ما عن لبنان يصر على قيامه ووجوده. كان صوته يتسلل الى ضمائر الناس، وصمته اكثر دوياً من صوته.

ما كان يحتاج الى الاستشهاد لتنفتح امامه أبواب التاريخ. باكراً حجز مقعده فيه. ينام الآن كما تنام العاصفة. صمته العميق أشد دوياً من صوته. أخطأ قاتلوه. شطبوه من يوميات البلد لكنه انشك وساماً على صدره. مسكين لبنان تجددت محاولات اغتياله ولكن هذه المرة لن تجد المدينة رجلاً تتكئ عليه.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page