التاريخ إذ يتسارع

 جوزف سماحة
جريدة السفير (لبنان)
الخميس، 17 شباط «فبراير» 2005
جوزف سماحة

     مئات الآلاف شيّعوا رفيق الحريري. التركيبة الديموغرافية للتظاهرة الهائلة تتشكّل من: أقلية من المعارضة الراسخة، أقلية كبيرة من المعارضة المستجدة، أكثرية ساحقة من المنحازين حديثاً جداً إلى خط الاعتراض العلني على العلاقات اللبنانية السورية وعلى الوجود السوري في لبنان. 

إن الشعارات التي ترددت في التشييع وجعلته سياسياً إلى أبعد حد لا تشبه في شيء المواقف التي كان يعبّر عنها رفيق الحريري حتى اللحظات الأخيرة من حياته. حصل تبن “فجائي” لكل ما قال الحريري عكسه خلال 15 عاماً. أكثر من ذلك، رفع المشيّعون شعارات تتجاوز ما كانت تقوله المعارضة الراديكالية قبل بضعة أيام ليس إلا. تأكد، أمس، أن ما نشهده من 14 شباط هو 

محاولة لتضمين الحريرية ما لم تكن تتضمنه صبيحة ذلك اليوم. 

غير أنها محاولة ناجحة. سهلة. لماذا؟ لأن الاحتقان موجود لدى هذا الجمهور. لأن أنصار الحريري ومريديه يعتبرون أن ظلماً لحق بالرجل وسياسته ويريدون الرد على ذلك. لقد كان غيابه شرطاً لأن يخرج من الجوف ما كان يعتمل في النفوس ويُكبت. وبات في الإمكان التأكيد، اليوم، أن الحريري كان يضبط غلياناً في قاعدته، ويعقلنه، ويغلّب ما يراه الحسابات الباردة للمصالح العليا، ويمتنع عن نهج شعبوي، ويزن بدقة تحولاته، ويعرف أن مَن له مثل هذا الحجم لا يسعه أن يعتمد الخفة سلوكاً. 

وفيما كان الجمهور يوجه أصابع الاتهام بصراحة كان اللافت أن الذين يردون التهمة عن أنفسهم يلجأون إلى الحريري ضد الحريريين. كانوا يستعيدون التصريحات الأخيرة له ويرفعونها مثل صك براءة. لم يكونوا كلهم يفعلون ذلك قبل أيام. لم يكونوا يعتقدون أنهم قد يضطرون إلى طلب الحماية السياسية من الشخص الذي اعتبروا أن عزله ممكن، وأن استهدافه سهل، وأن إبعاد خطره واجب. غير أن التاريخ ماكر. فالواضح أن المحاولة ترتد على أصحابها مضاعفة. لا يريد الجمهور انتظار نتائج التحقيق. لقد أصدر إدانته السياسية. لذا ثمة نوع من الهزء بهذه الطريقة من استحضار الحريري: طالما أنكم تقولون إنه كان كذلك معلنين براءتكم فلمَ جرى اضطهاده من قبل ولمَ كان إضعافه رغبة معلنة؟ 

عندما يقال إن جريمة الاغتيال هي تسريع للتاريخ فإن هذا هو المقصود. تكفي عملية واحدة لإزاحة صمام الأمان من أجل أن تتدفق مشاعر مقموعة، وتتحوّل إلى قوة مادية تعدّل موازين القوى. الحريري الحيّ يعني ضبط هذه الكتلة البشرية عند موقف معيّن قد يخالف رغبتها. لكن الحريري الشهيد يعني انفلات هذه الكتلة وتموضعها، المذهل في سرعته، في موقع آخر. ففي مثل هذه اللحظات الحاسمة يمتلئ الفراغ بما هو جاهز لملئه. والجاهز، في هذه الحالة، هو المرارة العميقة الناجمة عن شعور باضطهاد غير مبرّر. 

لقد اجتاز آلاف وآلاف اللبنانيين أمس ليس المسافة المكانية الفاصلة بين قريطم ومسجد محمد الأمين، وهي قصيرة، وإنما المسافة السياسية الفاصلة بين انتقاد السلطة اللبنانية ورفض الوجود السوري، وهي هائلة. هذا نوع من انقلاب وجداني، وثقافي. وإذ يحصل ذلك في بيروت ففي الأمر ما يستوجب التفكير العميق والقلق. إن في توحّد قسم كبير من اللبنانيين حول شعارات الأمس، ولو أنه توحّد بالسلب، ما يشير إلى فشل استراتيجيات وممارسات، وما يستدعي مراجعات راديكالية لا بد أن تفرض نفسها. كان أمس يوماً حزيناً بالنسبة إلى كل مَن يراهن على انتفاء التناقض بين الوطني والقومي. 

مَن يملك الجرأة على استنتاج الدلالة السياسية للتشييع؟ إن القادة الموجودين في المعارضة يعبّرون فعلاً عن مزاج جمهورهم. أما القادة الموجودون في الموالاة فلا يتمتعون كلهم بهذه الميزة. يعني ذلك أن أركاناً في السلطة الحالية ذوي قاعدة شعبية مؤكدة لا يترجمون، في ما يخص العلاقات اللبنانية السورية، ما تريده هذه القاعدة وما تفكر فيه. يمكن، لمن يريد، احتقار هذه الملاحظة طالما أن السياسة، في رأيه، لعبة فوقية تكفيها قرارات إدارية. لكن هذا الرأي مخطئ وقصير النظر وهو عاجز، بالمطلق، عن فهم التحديات الجامحة ومقتضيات مواجهتها. وهذا الرأي لا يحسن التمييز بين أكثرية نيابية حالية (يمكنها أن تستمر) وبين دينامية مجتمعية يمكن إعاقتها ولكن لا يمكن منعها، إلى الأبد، من الغلبة. إن هذه العقلية البائسة هي التي كانت تحاول، مثلاً، إنقاص عدد النواب في كتلة الحريري في حين أن ما شهدناه أمس يؤشر إلى أنه كان يعاني، أصلاً، من ضعف التمثيل البرلماني! 

تأسيساً على ما تقدم، وبغض النظر عما هو موجود في السلطة باسم الأكثرية النيابية، يمكن القول إن السلطة كانت مغيّبة عن المشهد ليس كرد فعل للمكلومين فحسب وإنما لأنها تعاني، فعلاً، من عزلة. كانت “السلطة” في قريطم أمس بالنسبة إلى لبنانيين كثيرين وإلى ضيوف عرب وأجانب (من استقبل جاك شيراك في المطار؟). 

إلا أن الأمر الأخير يستدعي ملاحظة. التفاوت واضح بين محصلة الوضع العربي حيال لبنان ومحصلة الوضع الدولي. فالموقف العربي أقرب ما يكون إلى روحية ما كان يمثله الحريري وهو حيّ. والموقف الدولي أقرب إلى روحية ما أسبغته المعارضة على الحريري بعد استشهاده. ويمكن الخلوص من ذلك إلى القول بأن هناك قدراً من الحماية (المؤقتة) العربية للحكومتين اللبنانية والسورية مقابل انكشاف دولي متزايد. 

إن هذه نقطة ضعف واضحة للمعارضة. صلاتها العربية غير وثيقة. وهي تقفز مباشرة إلى العلاقة مع الخارج. لا تشير إلى التعريب لأن الميل تدويلي. لعل في الأمر ما يفيد عن هشاشة الوضع العربي نفسه ولكن، في النهاية، نحن أمام مؤشر إلى أن العواصم الغربية تضع يدها مباشرة على ملفات المنطقة في ظل هشاشة الوضع الإقليمي. 

يوماً بعد يوم يستكمل اصطفاف القوى في لبنان. ويوماً بعد يوم يتأكد أن ما نعيشه أزمة وطنية حقيقية، أزمة خيارات كبرى. والخطر، كل الخطر، أن يعتقد طرف أنه هو الحل وليس طرفاً في معادلة صعبة تمر في مأزق. يكاد المرء يقول إن الانتخابات النيابية تكسب أهمية متزايدة وتخسر، في الوقت نفسه، من أهميتها. لا بد، طبعاً، من إجرائها. ولكن ذلك لم يعد كافياً من دون خفض التوترات والهبوط بمستوى التناقضات. 

في مثل هذه الحالات يكتشف الرشد السياسي للقيادات، وحس المسؤولية، والهم الوطني الجامع، ومعنى وجود قوى وسيطة كان الحريري يمثلها على طريقته. وفي مثل هذه الحالات يصبح المعنى الوحيد للقرارات الكبرى هو التراجع عن الحدود القصوى والاستعداد لتقديم تنازلات. يصح ذلك على لبنان طبعاً، ولكنه صحيح بالنسبة نفسها، وأكثر، على سوريا.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page