ضحية لبنانيته أولاً

 حسين أيوب
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 18 شباط «فبراير» 2005

     تعالوا نجزم أن سوريا بريئة من دم رفيق الحريري، ولكن ذلك لا يعفي السوري، في أن يقرأ جيدا، أن يسمع جيدا، أن يشاهد جيدا، ما جرى في يوم رفيق الحريري التاريخي في بيروت. 

بمثل ما بدأ التشييع.. انتهى: سوريا متهمة ولا متهم غيرها بدم الحريري. على الأقل تولت الفضائيات العربية والعالمية، تظهير الصورة والهتافات واللافتات بالعربية وأحيانا بالإنكليزية وكلها توجه أصابع الاتهام إلى سوريا (بالمناسبة، لا أحد مقتنعا بأن سلطة كرتونية محلية قادرة على “ابتكار” هكذا عمل). 

هي الصورة والأصوات الأولى من نوعها في شارع الشطر الغربي لبيروت منذ الاستقلال في العام 1943. يصح القول إن المناخ المعتمل في النفوس كان اعنف من الهتافات واللافتات. صار تاريخ الرابع عشر من شباط 2005 تاريخا فاصلا في الوجدان العاطفي والسياسي البيروتي. حتما لم يختر الحريري هذه “الحكاية المرة” لسوريا في عاصمة لبنان وفي نفوس الطائفة التي كانت دائما تصوب وجه لبنان نحو الشرق العربي، في مواجهة دعاة “الكيانية”. المسؤولية أولا على عاتق سوريا، يشاركها جزء منها بعض اللبنانيين والخارج، لكن النقاش حول النسب والمصالح لا مكان له بعد الرابع عشر من شباط. 
في يوم رفيق الحريري، لا بأس من التفكير بصوت عال: 

رفيق الحريري، برغم سعوديته في الهوية والهوى، وليبراليته في السياسة والاقتصاد، وعروبته التي تجعله متفهما لمصالح سوريا أولا في لبنان من دون إدارة الظهر لبقية العرب ومن دون التفريط بمصالح بلده، وليبراليته السياسية والاقتصادية التي تجعله متماهيا مع اصدقاء كالولايات المتحدة وفرنسا والغرب، برغم ذلك، لا يراه كثيرون إلا لبنانيا في الصميم. بل أكاد أقول معهم، ان الرجل ضحية لبنانيته أولا. وطنيته أولا. 

عود على بدء، لماذا سوريا المتهمة أولا سياسيا وليس ماديا؟ 

لأنها أنتجت وضعا لبنانيا على مدى ستة عشر عاما، لم تترك فيه مقاعد لحلفاء حقيقيين، حلفاء من الصميم الوطني اللبناني. أرادت اللبنانيين واحدا من اثنين، إما أعداء لها وإما عملاء لها. وكان بمقدورها أن تبدل مقاعد المنتمين إلى هذا النادي أو ذاك. 

على سبيل المثال لا الحصر والأمثلة كثيرة على مدى ستة عشر عاما ما سمعه اللبنانيون أو شاهدوه على مدى الأسابيع الأخيرة من كلام للسلطة والموفدين “السوريين” نحو العماد ميشال عون، فجأة يصبح الرجل الأكثر وطنية ومبدئية بعيون سوريا والسلطة اللبنانية التابعة لها، أما الحريري “فلن نغفر له دوره في القرار 1559، نغفر لوليد جنبلاط لأننا نريد استعادته إلى موقعه الأصلي.. أما الحريري، فما قام به لن يغتفر. انه خائن لبلده ولسوريا”!. هذا كلام تردد اكثر من مرة في بيروت ودمشق ووصل الى مسامع الحريري وآخرين. 

لنفترض أن للحريري ومروان حمادة كما غسان سلامة (في المناسبة، نصحه وليد جنبلاط، من قريطم، بصوت عال، بعدم المجيء الى لبنان نهائيا بعد الجريمة)، ادوارهم في القرار الدولي تحضيرا وصياغة وإقرارا، فهل تجوز محاربة السياسي بالعنف الجسدي، بالاغتيال السياسي، بالرجم، بالمقاطعة، بفتح الملفات ودروب جهنم امامه وامام البلد؟ 

ثم تعالوا نفترض أن القرار الدولي كان جاهزا قبل التمديد. ماذا كان سيحصل لادوار مفترضة للحريري وحمادة وسلامة، في تظهيره، فيما لو شاءت الصدفة أن أكمل السوريون خيار لبننة الاستحقاق الرئاسي واتوا بغير إميل لحود رئيسا؟ هل كان المجتمع الدولي ينتظر “كبسة زر” من الحريري لإصدار القرار؟ 

انه الاستخفاف الغبي بعقول كل اللبنانيين. ذروة الاستخفاف أن يصبح ميشال عون وطنيا والدولة تنقسم في مجلس الوزراء معه وضده. ذروة الاستخفاف ان سلطان ابو العينين (مع التقدير له ولعون) يصبح مرغوبا ومرحبا به في دمشق، ولكن الويل والثبور للحريري. 

كل إشارات السير من قريطم الى مسجد محمد الأمين في وسط العاصمة كانت تدل الى الشرق، الى سوريا. نعم سوريا مسؤولة اولا عن اغتيال رفيق الحريري ولن يصدق اهل بيروت والمسلمون السنة اولا، ومعظم اللبنانيين ثانيا، والعالم ثالثا، ان سوريا بريئة من دم الحريري. من دم الرجل الذي دل سلوكه حتى الدقائق الأخيرة انه لبناني وعربي صميم وحليف لسوريا بالصورة التي يشتهيها للتحالف لا التي تراد له (هل هناك من قرأ كلام أمين الجميل صباح الرابع عشر من شباط وكان يفكر بالرد عليه غير الحريري؟). 

مجددا، لماذا سوريا؟ 

أريدَ للعلاقات السياسية بين لبنان وسوريا في “طائف الحريري” ان تكون من نوع جديد. جاءت المعاهدة الثنائية في العام 1991 لتثبيت ذلك ولكن الممارسة كانت تشي بشيء مختلف كليا. اختصرت كلها بضابط بمعزل عن اسمه ورتبته. لبنان المجبول بالسياسة، الاحزاب، الطوائف، الجامعات، الصحافة، المدرسة، النادي، الفضاء المفتوح و”الزاوية المشرفة” في الصراع العربي الاسرائيلي، كل ذلك صار مجرد ملف امني في ادراج ضابط يفقه بكل الاشياء. 

تعدى الامر السياسة الى الاخطر. اقتصاد طويل عريض كان يمكن ان يؤول الى وحدة تكاملية حقيقية بين البلدين وهي حتما لمصلحة لبنان اولا لعوامل اقتصادية وسياسية بحتة، لكن منظومة المصالح المرتبطة عضويا بالامن والاجهزة الاستخباراتية والسياسيين بددت كل شيء من اجل إشباع جشعها: من يتحمل مسؤولية عدم تطبيق عشرات الاتفاقات الرسمية او تلك التي ابرمت بين اهل القطاعين الخاصين في البلدين؟ العينات كثيرة لسطوة طبقة المستفيدين من الضباط والتجار، ومنها حسب الهمس المتبادل: تهريب وتجارة الادوية والدخان والمحروقات والبحص، الاحتياجات العسكرية اللبنانية وفوترتها تحت عنوان استدراج العروض، كازينو لبنان، بنك المدينة (لماذا ذهب الى التصفية بدلا من وضع اليد عليه وعلى حساباته؟)، تسهيل العمالة السورية، واحتكار موضوع العمالة الآسيوية، تهريب العمال الأجانب إلى أوروبا، العلاجات على حساب وزارة الصحة، الملف الزراعي الكارثي، المقاولات والالتزامات وتحويل الأموال... الخ. 

هذا غيض من فيض ما يعرفه السوريون والحريري، لا بل إن مشكلة الكثيرين مع الحريري انه دفن معه الكثير من اسرار العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين. 

لقد قزمت قيادتا سوريا ولبنان العلاقات وحولتاها الى عبء عليهما وعلى الشعبين اللبناني والسوري، وما جرى في شوارع بيروت بالامس يعني انه نقل بيروت ولبنان من مقلب الى آخر، شئنا ذلك أم أبيناه، وبالتالي، صار لزاما علينا ان نفكر اولا، ان نتعامل بمنطق مختلف ثانيا، بمنطق الاعتراف بهزيمة نمط كامل وتاريخ عمره ستة عشر عاما ل”النموذج المشوه” من العلاقات المُرة بين البلدين. 

ماذا يضير سوريا ان يكون لبنان بلدا مستقلا قادرا على حماية نفسه سياسيا وامنيا وعسكريا وان يضمن مصالحها الاستراتيجية وان لا يكون ابدا ممرا او مقرا لاي عمل يمس امنها واستقرارها ومصالحها الاستراتيجية؟ 

ماذا يضير سوريا ان تتولى قيادتها السياسية ملف العلاقات الثنائية. ان تبحث معنا عن عناصر القوة لتزيدها صلابة وعن عناصر الضعف لتتجاوزها وان تحول عناصر ضعف الآخرين الى عناصر قوة ذاتية لها وللبنان؟ 

ما جرى في بيروت، استثنائي جدا. لا رهان على صحوة لبنانية من نوع استقالة حكومة عمر كرامي وتشكيل حكومة إنقاذ وطني تقرّب موعد الانتخابات (ربما الأصح دستوريا حل البرلمان) وتشرف عليها بطريقة محايدة وانتخاب مجلس نيابي تنبثق عنه حكومة جديدة وربما مؤتمر وطني أو انتخابات رئاسية جديدة... الخ. 

الصحوة مطلوبة من سوريا وهي صحوة تتجاوز مسألة الانسحاب أو كف اليد في الشأن اللبناني، فهذه أمور، للأسف، تكاد تصبح بديهية. الصحوة في الاقتناع بان لبنان البلد الحر السيد المستقل الديموقراطي العربي الشريك في الصراع مع الإسرائيلي، لبنان الذي يوجد فيه من يقولون بلبنان أولا بالمعنى الوطني العربي الديموقراطي الأصيل، هو ضمانة لسوريا وليس العكس. نعم هناك حريصون على سوريا وعلى بلدهم يفكرون بهذه الطريقة. هل يمكن ملاقاتهم ام تخوينهم؟

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page