عند الضريح الذي صار تلة ورد.. نتوحد في حزننا وخوفنا

 جهاد بزي
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 18 شباط «فبراير» 2005

     تجثو هنرييت على ركبتيها أمام الضريح. تضع صورة رفيق الحريري في حضنها ويلامس أعلى الصورة عنقها. بيديها الإثنتين تلتقط العجوز طرفي الصورة وتلتقط سبحة تتدلى فوق الصورة وتحيط بوجه الراحل. صليب فضي صغير معلق بطرف السبحة يلمس الخد الأيمن للحريري. تصلي له هنرييت وتبكيه. عند الخد الأيسر للوجه في الصورة إمرأة تقرأ القرآن وتبكي. أمس. اليوم الثاني بعد الدفن. الضريح تلة ورود وشموع مضاءة. المشهد حقيقي لم نعهده إلا في ما ندر. هم حقا هنا. مسيحية ترسم شارة الصليب على صدرها. محجبة تطوي ساعدي طفلها وتمد له باطن كفيه أمام صدره فكأنما يتلو الفاتحة. الطفل في ثياب سوداء وعلى جبينه ربطت عصبة كتب عليها: يا أبا الفضل العباس. الطفل الشيعي هنا. الشيخ الدرزي هنا. كلنا هنا. هل نحن مليئون بالمفاجآت إلى هذا الحد؟ 

هنا نحن نتحد في حزننا. لا نتحد إلا لماما. آخر لقاء حزين بيننا وحدنا على هذه الصورة كان قبل تسع سنوات تقريبا من اليوم. في الثامن عشر من نيسان سنة 1996 مزقت الصواريخ الإسرائيلية أجساد الناس في قرية قانا الجنوبية. بكى لبنان كله شهداء تلك المجزرة وتوحد كما لم يتوحد من قبل. الفاجعة حطمت كل شعور باختلاف ولو إلى حين. دم اليوم ليس نفسه دم الأمس. دم اليوم جريمة اغتيال رجل من المفترض أنه محسوب على طائفة. كان اغتيال الزعماء في لبنان يفتح الباب على جولات جديدة من الحرب الداخلية. كانت طائفته تبكيه وينتصر بموته الطرف الآخر. منذ الرابع عشر من شباط ورفيق الحريري يصر على تحويل المأساة إلى عبرة: لم يحدث قبلا أن استطاع مسيحي ومسلم الوصول معا إلى ضريح سياسي اغتيل. ولم يحدث أن شعر مسيحي ومسلم معا بالشعور نفسه حيال سياسي قتل. لم يحدث في تاريخ لبنان الحديث أن رجلا ورفاقه يدفنون في قلب وسط بيروت بين الكنائس والجوامع. 

في الفرجة على المكان هناك خوف من الوقوع في تراث “الصليب يعانق الهلال”. لكن من رأى الناس يدخلون أمس أفواجا إلى تلة الورد سيصدق أن اللبنانيين قادرون أحيانا على صناعة المعجزات. هناك دائرتا حديد حول الضريح. الأولى ضيقة تحيط به والثانية واسعة تحيط بالأولى. يقف الناس عند أول الدائرة الواسعة ينتظرون دورهم بصمت. يشق لهم الحاجز الحديد فيدخلون إلى الحلقة الأصغر. يرمون وردا ويلتقطون بهواتفهم الخلوية صورا للضريح ويضيئون شموعا وكل واحد فيهم يؤدي تحية إلى الراحل على طريقته. لن تبخل النسوة بالدمع ولا الرجال. لا يشعرون بغربة ولا يمارسون شعائرهم بخجل. الممثلة القديرة ليلى كرم تقف بين زملائها في نقابة الفنانين. ترسم صليبا على صدرها وحين يصرخ أحدهم طالبا تلاوة الفاتحة تفتح يديها أمامها وتتلو الفاتحة كلها. لم يفتعل أحد وقوف الشيخ السني بالقرب من راهبتين برداء أبيض. رفع الشيخ صوته يقول إن من حق الشهيد علينا الدعاء له. قال جملته الأولى فأجابه الحشد: “آمين”. قال الجملة الثانية: “اللهم اجعل مثواه الجنة” فأجابه الحشد بصوت عال: “آمين” ومع الحشد تمتمت الراهبتان: “آمين”. وإلى آخر الدعاء ظلت الراهبتان ترددان مع الحشد بعد دعاء الشيخ: “آمين”. لا يختلف مضمون الدعاء بين دين وآخر على ما يبدو. هل حدث أن فعلنا هذا من قبل؟ شيخ وراهبة يتلوان صلاة واحدة؟ ما السبب يا ترى؟ لماذا آلت لرفيق الحريري وما آلت إلى غيره؟ 

بشاعة الاغتيال وبعد صورة الدمار الذي خلفه سببان أكيدان. ماذا عن الأسباب الأخرى التي تجعل الناس ترتدي ألأسود عليه وتبكيه. لائحة من أسباب الناس تنساب منهم بعفوية: ما ذنبه؟. كريم. رجل عطاء. حاربوه وصاروا كلهم ضده. لولاه لما بني كل هذا الذي نراه. بيروت كانت قبله دمارا، ولو ظلوا مئات السنين لما بنوها كما فعل. جعل للبنان قيمة في دول العالم. من كان ليرسل أولادنا إلى فرنسا واميركا وكل دول العالم لولاه. لا يريدون السلام للبنان. 

السلام. مع أنك تظنهم مستعدين في كل لحظة لحرب أهلية جديدة، تفاجأ بهم حين يصدمون بالخراب والموت يرجعون إلى خوفهم الأبدي من الحرب. هذا الشعب الذي مشى بالآلاف من كل لبنان إلى ضريح رفيق الحريري أول من أمس والبارحة ويذهب إليه اليوم وغدا، هذا الشعب لا تعنيه متاهات السياسة وتعقيداتها وخطوطها التي تلاقت في لحظة عند جسد رفيق الحريري. لكنه يخاف منها. هذا شعب حين تلامسه تجربة كهذه ينتبه الى أنه لا يريد أن يعود إلى الوراء، إلى المكان نفسه قبل أكثر من خمسة وعشرين عاما حين كانت تلة الورد هذه متراسا وقناصا. هذا شعب يقال عنه انه ينسى بسرعة، لكن ذاكرته تعود إليه بالسرعة ذاتها التي ينسى فيها. هذا شعب غريب قابل للكسر بلحظة، وقابل للحمة في لحظة. هذا شعب انفعاله لحظوي لكن خوفه وهواجسه مقيمة. وكل فشل الناطقين باسمه والأوصياء عليه أنهم لم ينزعوا منه يوما هواجسه المقيمة بل عملوا على تعميقها أكثر فأكثر. 

هذا شعب رقيق بسيط. وقد استيقظ في الرابع عشر من شباط بغتة على ضبابية غده الإقتصادي والأمني والإجتماعي، بعد ذهاب رجل ظهر أن حب الناس له لا يقف عند حدود جماعة أو طائفة. هذا شعب لم يجد إلا أن يتوحد عفوا في الحزن والخوف. المصيبة تلمنا. والتلة رفعتها ورود نثرتها أياد أتت من كل لبنان. هذه أياد خائفة وحدّها شخص رفيق الحريري برحيله المفجع. كيف نحافظ على مثل هذه الوحدة؟ أين نلتقي مجددا خارج حزننا وخوفنا؟

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page