 |
هو الآن وحده. قلّة تعرف مكانه. قلّة تدخل مكانه وقليلا ما يغادر المكان. يعرف إلى أين يغادر ويعرف إلى أين يعود. يعرف أنه يغادر ويعود متخفيا. لا مفاجآت في خروجه وفي دخوله. أي مفاجأة في يومه ستكون حدثا هائلا. ربما يحتاج إلى شمس البحر أحيانا. ربما يحتاج إلى هواء طلق. يحتاج إلى التحرر من عيون ترصده لتقتله أو عيون ترصده لتحميه. ربما يحتاج أن يكون واحدا مجهولا مثلنا. ربما يحتاج إلى الخفة المقدسة. لكن هذا ترف ليس من حقه.
لا يستطيع الشاب الأربعيني أن يذهب بعائلته صباح الأحد إلى بيته المفترض في البازورية كي يمضي عطلته هناك. لا يستطيع أن يتجول في أزقة قريته. لا يستطيع أن يأخذ طفله إلى الكورنيش ليلهو على دراجته الهوائية ويركض خلفه خوفا عليه من الوقوع. أي حياة هذه التي يعيشها حسن نصر الله؟
للعاديين مثلنا تبدو كئيبة هذه الحياة. لكن السيّد ليس عاديا مثلنا. هذا الواقف الآن في ساحة رياض الصلح يرفع يده فيهدر بحر ويرفع يده فيصمت بحر، هذا السيّد ليس عاديا. هذا الذي ليده دان البحر، كان ليشقه نصفين بإشارة. كان ليغرق بلدا بكلمة. لكنه لم يفعل ولن يفعل. هو واحد ممن يجهلون الوقوع في الخطأ. هو واحد ممن لا يرقى إلى ثوبهم غبار.
ما زال هناك رجال كبار. السيّد واحد منهم. السيّد الذي تراه ابتسم لمن حوله حين أصابتنا تلك الصدمة الهائلة حين استشهد ابنه. فالأمر ليس من عادة قادتنا. السيد الذي ما زال يرتدي ثوبا من قماشة سياسية نادرة. ما زال يصر على مفردة <<الكرامة>> التي ابتذلتها شعاراتنا العربية. ما زال يصر أن يكون نداً لكبار متسلطين على الرغم من خوفنا منهم واستعدادنا لرمي كل ما في أيدينا كي لا نثير غضبهم. ما زال يصر على كرامته وكرامتنا. وما زال عند كل خطر داهم يخرج ليطمئن الناس إلى أنهم في أيد أمينة فلا يخافوا. وأنه أكثر حرصا على لبنان من غلاة المتشدقين بحب لبنان. السيّد الذي لم ينحن لعاصفة ولم يجرفه تطرف. السيد الذي لا يتملق. لا يتوسل إلى شقيقة من أجل مكسب رخيص ولا يخرج عدوة كريهة من بلده إلا ذليلة. السياسي ذو العمامة الذي يُسقط كل أسباب رفضك له. أسبابك الثقافية واليسارية واليمينية والعلمانية والطائفية. السيد اللبناني الذي لا يتبجح بلبنانيته. السيد الذي يشهد له أنه، حين توارى كل الساسة خلف خط الجيش الأحمر أو خلف لا مبالاتهم ولاذوا بالصمت أو بشتم الضحايا، قال عمن قتلوا ظلماً في حي السلم إن دمهم ليس من رحم أمهات أقل.
هذا الرجل الذي ليس من حقه أن يخرج إلى شمس خفيفة وبحر خفيف، هذا الرجل من حقه علينا أن نحميه. من حقه علينا أن نحمي اعتداله الذي يبدو آخر اعتدال لرجل ساعده قوي في هذا البحر الهادر من التطرف. السيد معتدل. من حقه علينا أن نحمي آخر المعتدلين الأقوياء.
لبنان ليس بخيلا بالكبار. لكنهم دائما يرحلون قبل موعدهم أو يسقطون في تطرفهم. لم يخضع رجل لامتحانات كما خضع حسن نصر الله طوال 13 سنة فاتت. كنا ننقسم حول عدونا وكان يعرف عدوه. ذهب إليه في حرب طويلة وفي معركتين قاسيتين، وكان هناك دائما من ينتظر نهاية السيد ومن معه. ودائما التمّ وطن خلفه، ودائما خرج وطن وسيد منتصرين. دخل السيد الجنوب دخول الفاتحين فتواضع. أخرج كلماته من قاموس ثوار نسيناهم وأصر على كلماته فكانت كالنبوءات. حمل بندقيته بعناد. ظلت الدولة الكريهة اثنين وعشرين عاما جاثمة على قلوبنا، وما زال كرهها جاثما على بعد أمتار منا... ونحن ما أمهلنا السيّد وما أمهلنا أنفسنا. قبل أن نرى الأبيض من الأسود في هذه البقعة المشتعلة من العالم طلبنا منه أن يرمي البندقية. مع أننا نعرف من هو عدونا. نعرف حقد دولته ونعرف خبثها. ونعرف أن السيّد لن يرفع بندقيته في وجهنا. لن يفعل. هذا الرجل لا يحتاج إلى تكرار الكلام. يقول كلمته مرة واحدة لتذهب وعدا.
مهلا عليه. هذا اسمه صار أيقونة. مهلا عليه. ربما يحتاج أحيانا إلى الشمس. علينا نحن أن نحميه منها إن شعرنا أنها قد تؤذيه. علينا أن نستغل اعتداله لا أن نغتال هذا الاعتدال. علينا أن نستمع إليه الآن لا أن ننتظر رحيله كي نندب خسارتنا الهائلة.