لا أحد يستطيع أن يوقف الجمهورية الثالثة

 كريم مروة
جريدة النهـار (لبنان)
الجمعة، 25 آذار «مارس» 2005

     يدخل لبنان اليوم، بفعل الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة، في فترة حرجة من تاريخه، تتهيأ الشروط فيها وتنضج للانتقال بالبلاد إلى حقبة جديدة، مختلفة بالكامل عن الحقبة السابقة الممتدة من زمن الاستقلال حتى هذه اللحظة. ربما يكون من الأصح القول بأننا نمر في منعطف تاريخي تأخر لبنان نصف قرن من الزمان لكي يدخل فيه. 

كان من الممكن لاتفاق الطائف أن يكون المدخل إلى هذه الحقبة الجديدة، على أنقاض الحرب الأهلية ومنطقها. وهي حرب تحولنا فيها جميعنا، أحزاباً ومواطنين، بإرادتنا أو خارج إرادتنا، بوعي منا أو من دون وعي، إلى أدوات للقوى الخارجية التي استقوينا بها، كل منا وفق سياساته واقتناعاته الإيديولوجية، ووفق مشاريعه الخاصة لمستقبل لبنان، وبوهم تولَّد عندنا جميعنا بإمكان استخدام هذه القوى الخارجية ليحقق كل منا انتصاره على خصومه. 

وتحول لبنان، بفعل ذلك الوضع خلال الحرب، إلى ساحة صراع بين تلك القوى حول مصالح كل منها، المناقضة في الشكل وفي الأساس لمصالح لبنان وشعبه ولكل قواه السياسية. كان من الممكن لاتفاق الطائف أن يكون المدخل إلى التغيير الديموقراطي، كمرحلة أولى تليها مراحل لاحقة أكثر تقدماً، لو لم يتم الانقلاب عليه منذ اللحظات الأولى، بقرار خاطئ هو بمستوى الخطيئة، بحق سوريا ولبنان، اتخذه الأشقاء السوريون الذين أوكل إليهم من قبل الدول العربية والمجتمع الدولي تطبيق بنوده. وشاركهم في الخطأ والخطيئة فريق من اللبنانيين ممن اختيروا بوعي ليشكلوا أساس الدولة الأمنية التي سادت خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية. وليمارسوا، من موقع المنتصر في الحرب الأهلية على الفرقاء الآخرين، في عملية الفساد والإفساد، فاقدين الإحساس بالمسؤولية الوطنية، كلبنانيين ينتمون إلى الوطن اللبناني. 

وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك النمط من السياسات، من قبل الراعي السوري وشركائه اللبنانيين، والتي سادت خلال الأعوام الماضية المليئة بالمخاطر ذات الصلة بنتائج الحرب الأهلية، إلى تعطيل الوعي لدى الكثرة من اللبنانيين، وإلى تغييب السياسة من الحياة العامة، السياسة السياسية، والسياسة الاقتصادية والاجتماعية، والسياسة الثقافية. واختزلت السياسة، في مجالاتها كافة، في نادي أهل السلطة، إلاَّ ما ندر. 

وكان هؤلاء النادرون من أهل السياسة النظيفة عاجزين عن اختراق تلك الحصون المحصنة في نادي الطبقة السياسية الحاكمة. وانكفأ المواطنون، في ظل تلك الظروف الصعبة، في ما يشبه اليأس، عن الاهتمام بالشأن العام، بما في ذلك ما يتصل بقضاياهم، وما أكثرها وما أشد الحاجة إلى الاهتمام بها. وتراجعت إلى ما يشبه الموت الأحزاب كلها، لا سيما منها حاملة المشاريع الكبرى للتغيير، وغرقت في أزماتها. وتحولت النقابات العمالية ومؤسسات المجتمع المدني إلى منابر احتجاج خجولة، غير واضحة الاتجاهات والرؤى، وفقدت صلتها بناسها. وتحول لبنان إلى ساحة من نوع جديد، مختلفة في مواصفاتها وفي نوع اللاعبين فيها وفي أهدافهم، عن الساحة السابقة التي كانت الحرب الأهلية صيغتها ومسرحها. إذ صار لبنان، في نظر اللاعب الجديد، حقل صراع بين قبائل تتحكم الغرائز في انقساماتها، فاقداً صلته بمقومات الوطن الحقيقي، مما جعله بحاجة إلى وصاية دائمة من قبل توأمه السوري. 

وفي الوقت الذي كان فيه لبنان يعيش مأساته الجديدة تلك كان العالم يشهد تغيرات كبرى. وهي تغيرات سريعة مذهلة في اتجاهات سيرها. وكان من نتائجها المباشرة أن القطب الأميركي الأوحد المهيمن على العالم قد وصل بقوته العسكرية إلى مسافة قريبة من حدودنا، من دون أن يدرك القابضون على مواقع القرار والمتحكمون بها في لبنان وسوريا، وفي سائر البلدان العربية، معنى هذه التغيرات ودلالاتها ومفاعيلها. وظلوا يمارسون سياساتهم وسلطاتهم كما لو أن شيئاً لم يحصل، وكأنَّ الطوفان الجارف الذي يجتاح العالم لا يعنيهم. 

ذلك أن العقول التي كان صدام حسين نموذجها الصارخ لا تملك القدرة على رؤية تطور الأحداث والأشياء لا بالعين المجردة ولا بالبصيرة. ويظل أصحابها يمارسون مغامراتهم وعبثهم حتى النهاية، النهاية المفجعة. وهو ما حصل في العراق. وإذ يجد أصحاب هذه العقول أنفسهم في اللحظة الأخيرة أمام أقدارهم وأقدار شعوبهم، فإنهم لا يجدون مفراً من الانصياع لللاعب الكبير الآتي من موقع هيمنته على العالم، ليقرر بالنيابة عن أصحاب القرار في بلدانهم، وبالنيابة عن أصحاب القضية الأصليين الغائبين والمغيَّبين، شعوباً وقوى تغيير، مصائرهم ومصائر بلدانهم، في الراهن من الزمن وحتى في مستقبل غير محدود وغير محدد. 

وفي الواقع فإننا الآن، في البلدان العربية، في هذه اللحظة الحرجة المفتوحة فيها التطورات على كل الاحتمالات. وتكاد تكون القضية اللبنانية اليوم في مثل ما هي عليه القضايا العربية الأخرى، لولا الانتفاضة الشعبية العارمة التي لم يشهد لها عالمنا العربي مثيلاً. فالأشقاء السوريون بدأوا بسحب قواتهم ومخابراتهم من لبنان بغير الطريقة التي كان يريدها اللبنانيون. ينسحبون تحت الضغط الخارجي، وليس وفقاً لاتفاق الطائف، ولا تجاوباً مع إرادة الشعب اللبناني. لكنهم خلّفوا وراءهم، وهم ينسحبون، أناساً ممن ينطقون، أو يدعون النطق، باسمهم، غير مدركين أن اللغة التي يستخدمونها صارت بالنسبة لسوريا اليوم لغة ماضية، وأن استحضار مفردات التصنيف والتخوين هي من مخلفات الحرب الأهلية التي لم تعد تجدي نفعاً في إعادة الانقسام إلى اللبنانيين الذين توحدوا تحت شعار الحرية والسيادة والاستقلال. 

وكأني بهؤلاء يأملون، في سلوكهم هذا، أن تحصل معجزة ما، أو فتنة مفتعلة ما، تعيد لهم بقرار لبناني ذهب وقته، أو بقرار عربي ودولي ذهب وقته أيضاً، الوصاية السورية التي ذهب دورها. وهم لذلك يكابرون ، ويتأخرون في اتخاذ الموقف الذي لم يعد بد من اتخاذه، لأن التأخر في اتخاذه سيكون مكلفاً بالنسبة لهم، من دون أن يمس في جوهر التغيرات الجارية على الأرض في لبنان، الذاهبة بالبلاد إلى مستقبل مضيء مختلف. 

المطلوب تحقيقه من دون إبطاء هو مجموعة أمور تتحقق بالتزامن، بدءاً باستكمال انسحاب القوات السورية ومخابراتها إلى داخل الحدود الدولية، وأن يرافق ذلك تشكيل حكومة موقتة موثوقة ذات وظيفة واحدة هي تأمين الإشراف على الانتخابات النيابية، والشروع، باسم مجلس النواب المنتخب، بتحقيق ما يطالب به اللبنانيون، وهم يعلنون انتماءهم إلى وطنهم اللبناني، إلى علمه ونشيده ومؤسساته الديموقراطية. وما يطالب به اللبنانيون هو تحقيق مضامين الحرية والسيادة والاستقلال، الأقانيم الثلاثة التي يتكون منها الوطن، والتي كانت مخطوفة من الداخل والخارج خلال الأعوام السابقة التي أعقبت انتهاء الحرب، وتغيير الطاقم السياسي القديم في موقع القرار بكل رموزه، وإجراء مصالحة وطنية شاملة من خلال إنهاء كل ملفات الحرب الأهلية من دون استثناء، والشروع في الوقت عينه في معرفة الحقيقة حول اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. 

والحقيقة في هذه القضية تتجاوز معرفة الذي دبر الاغتيال ونفَّذه، ومعاقبته، إلى تحرير لبنان في صورة نهائية من كل محاولة كانت ترمي إلى إلحاقه بأنظمة الاستبداد العربية، الذاهبة إلى الانقراض الواحد تلو الآخر. 

وواضح، بالنسبة إلى ما تشير إليه هذه الإرادة اللبنانية الجديدة الواعية، أن الجوهر الأساسي في كل ما ترمي إليه هذه الخطوات في ترابطها بعضها ببعض، وفي تسلسلها الزمني، هو الذهاب في عملية الانتقال من لبنان الماضي إلى لبنان المستقبل، الذهاب بها إلى نهاياتها، من دون السماح لأية قوة داخلية أو خارجية بتضييع الاتجاه أو تشويهه أو حرفه عن الطريق الموصل إلى ذلك اللبنان الجديد المنشود، المولود في هذه العملية القيصرية، الأقل إيلاماً، بفعل التقاليد الديموقراطية اللبنانية العريقة، من أية عملية قيصرية مما نشهد مثيله بالقرب من حدودنا، العراق، وفي الأماكن البعيدة، السودان، وقبل كليهما الجزائر. ولن نضيف أمثلة أخرى لا تقل أهمية. 

إنَّ لبنان الذي يريده اللبنانيون اليوم هو مختلف، بالنسبة الى اللبنانيين والأجيال الشابة خصوصا، وبالنسبة الى القوى السياسية على اختلافها، عما كانوا قد اختاروه وخبروا سيئاته في الجمهورية الأولى، قبل الحرب الأهلية وخلالها، وحتى في زمن الجمهورية الثانية، جمهورية الطائف التي ولدت ميتة بفعل الانقلاب على الطائف وعلى الدستور الذي صيغ على أساس اتفاق الطائف. لبنان الجديد هو لبنان الجمهورية الثالثة التي تنشأ اليوم، بفعل الانتفاضة الشعبية التي فجَّرها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ودعت إليها قوى المعارضة، تطبيقاً متأخراً لبنود الطائف، في ظروف جديدة مختلفة جوهرياً عن الظروف السابقة، لم يعد ممكناً القفز فوقها. 

وهي ظروف نزعم أن اللبنانيين حين خرجوا بكامل وعيهم وإرادتهم إلى الشارع إنما كانوا يريدون التأكيد بأن زمن المحاصصة الطائفية قد ولَّى، وأن لبنان الوطن الحقيقي الديموقراطي التعددي، هو الوطن الذي أعلنوا انتماءهم إليه. وهو الوطن الذي يريدون أن تكون مؤسساته ديموقراطية بالمعنى الكامل للمفهوم، وأن تكون لكل مؤسسة وظيفتها التي يحددها لها الدستور، من دون أدنى تجاوز لها. وأن تكون مؤسسة القضاء مؤسسة مستقلة محصنة ضد تدخل السياسيين فيها. وأن تكون القوانين التي تحكم الانتخابات كلها، البلدية والمحلية والنيابية، قوانين ديموقراطية، وأن يكون الجيش جيشاً لكل لبنان، جيشاً للدفاع عن الوطن، لا شريك له في وظيفته هذه أحد، ولا وكالة لأحد بالنيابة عنه للقيام بها. وأن تكون الأجهزة الأمنية معنية بما هو مطلوب منها في الحفاظ على أمن البلاد وأمن المواطن، والإقلاع نهائياً عن تدخلها وإدخالها في السياسة. وأن يُصار إلى تطهير الإدارة وتحريرها من كل فساد ساد فيها، وتحصينها، أسوة بكل مؤسسات الدولة، من كل تجاوز لصلاحياتها، بواسطة مؤسسات المراقبة، وبواسطة المجتمع الذي ينبغي أن يعمل الجميع لكي يكون ديموقراطياً بكل المعاني. 

وأن تكون مؤسساته ديموقراطية، وأن يكون المواطن، الذي هو الأساس في حياة كل وطن، مصانة حقوقه كاملة، من دون أي تمييز في الحقوق والواجبات. 

هذا كله، بتفاصيله، يحدد مضمون شعار الحرية الذي يرفعه اللبنانيون في انتفاضتهم. أما السيادة والاستقلال فيحدد مضمونهما الحقيقي التأكيد من قبل اللبنانيين ومن قبل الأشقاء العرب جميعاً، لا سيما البلد الشقيق الجار التوأم، سوريا، التأكيد من دون أي التباس بأن لبنان بلد سيد مستقل، أسوة بكل البلدان العربية الأخرى، يقرر هو، من دون سواه بالمطلق، سياساته وخياراته، من خلال مؤسساته التمثيلية ومن خلال أحزابه ومنظماته ومجموعاته المدنية على اختلافها. وهو إقرار لا يحق لأي فريق من اللبنانيين أن يخرقه باسم عقائد وسياسات ومشاريع واقتناعات إيديولوجية من أي نوع. 

على أن يترافق ذلك التأكيد بتأكيد آخر، قام استقلال لبنان على أساسه، وهو أن لبنان جزء من الدول العربية، شريك لأشقائه في كل ما يتصل بالقضايا المشتركة ـ وهو كان عضواً مؤسساً في الجامعة العربية قبل ستين عاماً ـ من دون أن يجري تحميله، في أي شكل من الأشكال، أي عبء يفوق قدراته في أي من القضايا العربية المشتركة بما في ذلك في القضية الفلسطينية العزيزة على قلوب اللبنانيين والتي أعطوها أكثر مما في وسعهم. وكانوا أول من حرَّر أرضهم من الاحتلال الإسرائيلي، بالصمود فيها وبالمقاومة. وسوف يكونون آخر من يوقِّع سلاماً مع إسرائيل، إذا ما أتيح لهذا السلام أن يأتي. 

وانتماء لبنان العربي هذا لا يختلف عليه اللبنانيون. بل هم معنيون بأن يكون بلدهم شريكاً لأشقائه في إقامة اتحاد عربي من نوع الاتحادات التي تنشأ في عالم اليوم، اتحاد يقوم على أساس احترام سيادة كل بلد، وذلك تحقيقاً للمصالح المشتركة التي هي، بالنسبة للبلدان العربية، أعمق وأقوى وأكثر شمولاً من تلك التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي وسائر الاتحادات الإقليمية ألأخرى. 

لكن عملية التغيير هذه التي تعبِّر عنها مضامين الشعارات التي يرفعها اللبنانيون في انتفاضتهم، إنما تتطلب أن تكون القوى السياسية على اختلافها قد خرجت جميعها من الحرب الأهلية ومن منطقها، وبدأت تمارس نقدها لتاريخها السابق كله، من أجل أن تتحول إلى قوى ديموقراطية في تعاملها مع المنتمين إليها، وفي تعاملها بعضها مع بعض من دون أفكار مسبقة، وفي تعاملها مع شعبها. وأن يكون الطائفيون بينها قد بدأوا يشعرون بالحاجة الوطنية إلى الخروج الحقيقي من الصيغة التي شهدنا نماذج صارخة عنها في كل العهود، منذ الاستقلال وحتى هذه اللحظة التاريخية التي نعيش تحولاتها الكبرى في اتجاه المستقبل. 

وعندما يصبح لبنان مثلما هو سائر في اتجاهه من الحرية والسيادة والاستقلال والالتزام بالنظام الديموقراطي التعددي، يصبح أكثر قدرة على إقامة علاقات صحيحة مع أشقائه، لا سيما الأقربين إليه في التاريخ والجغرافيا، سوريا، وغداً فلسطين بعد أن تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة، وذلك على قاعدة الاحترام المتبادل لسيادة كل بلد وخصوصيته، وفي ضوء المصالح المشتركة، وهي كثيرة لا تحصى. 

ولن يعكر مثل هذا النوع من العلاقات التي ينبغي الشروع في تحديدها من دون إبطاء، بعد استكمال خروج القوات السورية ومخابراتها إلى الحدود الدولية، وبعد الانتهاء من الانتخابات النيابية والرئاسية، لن يعكر هذه العلاقات ما ساد من ردود فعل سلبية إزاء العمال السوريين، من نوع ما قام به بعض المهووسين، وهو أمر مستنكر، ويتعارض مع تقاليد اللبنانيين في علاقاتهم مع الأشقاء وحتى مع الذين لا تربط بينهم علاقة قربى في التاريخ والثقافة والحوار وفي علاقة الدم، وما أكثرها بين اللبنانيين والسوريين خصوصاً. 

إن مصلحة لبنان وسوريا، ومصلحة الشعبين الشقيقين، ومصلحة كل اللبنانيين على وجه الخصوص، هي أن تتم عملية التغيير الجارية من دون تدخل خارجي من أي نوع . فللخارج دائماً مصالحه. ومصالحه، حتى وإن تقاطعت في لحظات معينة مع مصالحنا، فإنها تبقى مصالح خارجية، يحدد دورها اللاحق في بلداننا مستوى قدراتنا المتدني، يا للأسف، وتفكك بلداننا بفعل سيادة أنظمة الاستبداد فيها. كما يحدده حجم القوى المتدخلة، وموقعها الراهن في ظل المتغيرات الكبرى التي يشهدها العالم منذ مطالع العقد الأخير من القرن الماضي. 

أما قضايانا الداخلية، ذات الصلة بترتيب بيتنا وشؤوننا، من سلاح المقاومة، إلى وضع المخيمات الفلسطينية، إلى نوع السلطة، إلى كل ما يتصل بإعادة ترتيب العلاقة بين القوى السياسية من مواقعها المختلفة، فتلك أمور سيجد اللبنانيون الصيغة الأفضل لحلها وحدهم، وبإرادتهم، وبوعيهم لمصالح تطور بلدهم، ومن موقع المسؤولية الوطنية، التي هي الأساس في كل الظروف. 

إن التغيير المنشود هذا، الذي يذهب اللبنانيون في اتجاهه بوعي وطني ديموقراطي جديد كان كامناً ومقموعاً، يذهبون إليه من خلال انتفاضتهم العارمة، وفي مقدم الصفوف منها الشباب، إنما يحمل عنوان الجمهورية الثالثة، بالمعاني والمهمات التي أشرنا إليها، وبالآفاق التي ترسمها لها التحولات الجارية. ولعلي لا أسيء إلى نفسي ولا أظلم القارئ إذا ما عدت بالذاكرة إلى عام 2001 ، العام الذي أصدرت فيه كتابي "نحو جمهورية ثالثة". وهو كتاب أردت منه أن يكون منطلقاً للتفكير وللحوار وللنقاش بين اللبنانيين وقواهم السياسية والاجتماعية والثقافية للخروج مما كنا نعيش فيه، مستنداً في ذلك إلى الإنجاز الذي تحقق بتحرير أرضنا من الاحتلال الإسرائيلي، بدور أساسي لأهلنا الصامدين في الجنوب وبدور مكمل للمقاومة بالسلاح وللمقاومة بكل الوسائل السياسية والثقافية والديبلوماسية مجتمعة التي انخرط فيها جميع اللبنانيين، في أعقاب إنتهاء الحرب الأهلية. 

وأفردت في نهاية الكتاب فصلين: فصل أحدد فيه رؤيتي لصيغة النظام الديموقراطي الذي يحتاج إليه لبنان، والذي اعتبرته نظام الجمهورية الثالثة، وفصل يتضمن دعوة إلى القوى السياسية لأن تمارس نقداً لسياساتها ولأشكال عملها ولمشاريعها، وأن تكون حصيلة ذلك النقد تحول هذه القوى إلى قوى ديموقراطية حقيقية لكي تتمكن من المساهمة، من مواقعها المختلفة، في جعل الجمهورية الثالثة جمهورية ديموقراطية مختلفة عن الجمهورية الأولى التي ولدت في رحمها كل الصراعات والحروب الأهلية، ومختلفة عن جمهورية الطائف التي ولدت ميتة، بفعل الانقلاب على ذلك الاتفاق، على أن يجري الاحتفاظ بكل ما هو مهم ومشرق وضروري للمستقبل في كل من الجمهوريتين وفي دستورهما. 

إن الثقة بالمستقبل، الثقة بولادة لبنان الجديد، هي بالكامل في هذين الوعي والإرادة مجتمعين اللذين عبرت عنهما الانتفاضة الشعبية، وفي المقدم منها وفيها ما أعلنته الأجيال الشابة عن التزامها بالنضال لصنع مستقبلها ومستقبل وطنها لبنان، ضد كل تدخل خارجي من أي نوع، من الأشقاء والأصدقاء ومن كل الطامعين. وذلك من خلال انخراطهم الواعي والحازم في عملية التغيير الديموقراطي والسير بها إلى نهاياتها التي لا تنتهي.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page