ليس ب”مرثية” لحود يواجه لبنان ساترفيلد

 جوزف سماحة
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 25 آذار «مارس» 2005
جوزف سماحة

     هل قدر المواطن اللبناني ان يختار بين استفزاز واستفزاز؟ أي أن ينتقل من قراءة رسالة الرئيس إميل لحود إلى اللبنانيين بمناسبة مرور أربعين يوماً على استشهاد الرئيس رفيق الحريري إلى الاستماع إلى ديفيد ساترفيلد. 

“جريمة نكراء هزّت أعمق أعماقي”، “شهيد لبنان الواحد”، “جلاء الحقيقة كل الحقيقة”، “كان شهيدنا رجلاً استثنائياً بكل المفاهيم والمقاييس”، “مكانة لبنانية وعربية ودولية غير مسبوقة”، “مفخرة لبنانية”، “رجل عالمي ترك بصمات لا تنسى في عالمي الاقتصاد والسياسة وفي ميادين الخير والبر والاحسان”، “حياة شهيدنا كانت إنجازاً ضخماً واستشهاده كان مأساة أضخم”، الخ... 

يكاد المرء يفرك عينيه وهو يقرأ كلمات الرئيس الحي عن الرئيس الشهيد. هل قائل هذا الكلام هو نفسه من فعل ما في وسعه لتطويق الحريري؟ هل هو نفسه من شن عليه الحملات وسجن بعض معاونيه وكان يلوّح بسجنه شخصياً؟ هل هو نفسه من جعله يمضي سنوات صعبة في شراكة السلطة؟ 

لا يوجد لبناني واحد، ولا واحد، إلا ويعرف أن للرئيس لحود رأياً في الحريري مناقضاً لهذه الكلمات حرفاً بحرف. لا يوجد مواطن واحد إلا ويعرف انه، إذا وضعنا اختلاف الأمزجة جانباً، فإن لحود لم يكن يطيق شيئاً مما يمثله الحريري، أو يقترحه، أو يخطط له، أو يقدم عليه. ألم تكن المؤسسات، و”الطائف”، والاقتصاد، وباريس 2، والوزارات، ضحايا هذا التباين؟ ألم يستقو لحود ب”اليد الخفية” لمحاصرة خصمه اللدود؟ ألا يمكن الادعاء أن أحد أبرز وجوه العهد هو التصدي للحريري؟ 

كان يمكن للرئيس الأول، وهو في المأزق المعروف، أن يدبّج مرثية أخرى. كان من واجبه أن يشرح الاختلاف. وأن يعطي الشهيد حقه من موقع الخصم السياسي. كان في وسعه أن يعدد حيث تصادما، وأن يدافع عن قناعاته، وأن يستند إلى ذلك ليدين الاغتيال. لقد اعتبر لحود، على ما يبدو، أن شرط الرثاء هو الغرق في مبالغة المدح فغادر موقعه كرجل دولة يفترض فيه أن يضع الاغتيال. حتى لخصوم سياسيين، في سياقه من دون أن يتجشّم عناء إعادة صياغة آرائه وعواطفه لتقديم تعزية متأخرة. 

لم يفعل الرئيس لحود ذلك. اختار طريقا آخر. بالغ ففقد القدرة على الإقناع. وكل من يقرأ يدرك أن الكلمات تُفرّغ من مضمونها، وأن العبارات المرصوفة رصفاً إنشاء لا يعبر عن شيء. لقد امتهنت اللغة وكذلك الوعي والذاكرة والتجربة. واللبنانيون ممتهنون طالما انهم كانوا شهدوا على مبارزة امتدت لسنوات، وشكلت وقائعها حديثاً يومياً بالنسبة إليهم، واختزنوا عنها أخباراً ونكاتاً وروايات لا تحصى. لن تغسل رسالة دماغهم. لن يعيدوا تشكيل وعيهم لهذه المرحلة من تاريخ البلد التي انتهت بشكل مأساوي. من كان منهم مؤيداً للحريري ومعارضاً للحود سيصبح أكثر تأييداً للحريري واعتراضاً على لحود. من كان منهم معارضاً للحريري ومؤيداً للحود مهدد بأن يندم على فعلته. من كان يمتلك نظرة نقدية سيحسم أمره في أن واجبه ترجيح الشهيد على الحي. 

هل يتلو لحود فعل ندامة؟ هل يقول لنا الآن إنه فوّت على نفسه وعلينا، فرصة التعاون مع “المفخرة”؟ كلا. إنه يفعل ما يعرف أن يفعله. 

تقدم هذه الرسالة دليلاً قاطعاً إضافياً على نظرة الرئيس الأول إلى كيفية تعاطي السياسة. فمن خطاب القسم إلى مرثية أمس 

ثمة سجل حافل بالخطب المنقطعة عن الواقع وعن الملموس وعن التصرفات. وثمة رهان مستمر على قصور المواطنين الذين قد يسحرهم البيان. هناك من يرى فعلاً أن السياسة هي عبارات معسولة، أو تدابير إدارية فوقية، أو مناورة، أو شطارة، وأن اللبنانيين تلامذة كسولون في صف ابتدائي. إن استمرار الخطين المتوازيين، نقول شيئاً ونفعل شيئاً، يقود عاجلاً أو آجلاً إلى جعل المحاسبة واجبة. والواضح أن المحاسبة التي طال تأجيلها تحضر بقوة استثنائية هذه الأيام. 
 

**********

يزعم البعض أن السياسة التي مارسها لحود أو مورست عبره استدرجت التدخل الأجنبي. ويصر هذا البعض على رؤية جزء من المشهد العام. والواضح أن القصد من هذا الافتراض تبرئة النفس عن أي تلاق مع توجهات خارجية. إن هذه المحاولة البائسة باتت عديمة الإقناع حتى للقسم الأكبر من أصحابها. 

إن قرار التدخل الأجنبي في لبنان، ومن أجل تعديل صيغة ارتباطه الراهنة بأزمات المنطقة، إن هذا القرار أصلي. والمشكلة الفعلية مع سياسة لحود، ومن وراء لحود، هي أنها وفرت الظروف لجعل هذا التدخل ناجحاً إلى حد ما. لقد جعلته ممكناً بنسبة قليلة، ولكنها مسؤولة عن جعله ناجحاً. 

إن التوجهات الأميركية حيال البلد أكثر من معروفة. وموقع لبنان المرغوب أميركياً واضح. والصلة بين ذلك وبين انعطافة ما بعد 11 أيلول وانعقادها على التوسعية الإسرائيلية جليان. ولكن هذا شيء والنهج الذي أفقد لبنان المناعة المطلوبة شيء آخر. إنه النهج الذي أدى إلى شرخ بين الوطنية والديموقراطية بحيث بات متاحاً للولايات المتحدة أن تلعب الثانية ضد الأولى. 

إن النهج الذي يعتبر مرثية لحود في الحريري ذروة من ذرى حسن التعاطي مسؤول إلى حد كبير عن المهانة التي يفترض أن يكون شعر بها كل لبناني عند الاستماع إلى ديفيد ساترفيلد أمس. إنه كلام يجعل من “جمهورية موز” نوعاً من المدح الموجه إلى لبنان. أوحى ساترفيلد أننا مشروع مستعمرة. ولم يتردد لحظة في تصنيف “حزب الله” قوة خارجية “تتدخل في إرادة الشعب اللبناني”. إن ما يعترض عليه المبعوث الأميركي ليس فكرة التدخل في حد ذاتها بل جهة التدخل (سوريا وإيران) ويأخذ في دربه حزباً سبق للمسؤولين في إدارته، وقبل أيام فقط، أن اعترفوا بنفوذه الشعبي ودعوه، بالضبط، إلى الإكثار من الانغماس في حياة البلد الداخلية (بعد ترك السلاح طبعاً). 

لقد سبق لساترفيلد أن شرح كلاماً قاله رئيسه جورج بوش عن ضرورة تطهير الإدارات اللبنانية من “عملاء المخابرات السورية”. كان يقصد الإشارة إلى لبنانيين. وكان يوحي أن الأفق هو استيراد النموذج الاستئصالي لبول بريمر من العراق إلى لبنان. 

قد يقول قائل “إنها زلّة لسان” (نشهد تضخماً استثنائياً في “زلات اللسان”). ولكن الحقيقة هي أن ساترفيلد كان أكثر التصاقاً بجوهر سياسة واشنطن منه في أي وقت مضى، وأكثر تعبيراً عن الاستهداف الأميركي في لبنان والذي يمكنه أن يبدأ حيث يبدأ ولكنه منته، حكماً، هذه النهاية. 

لم يعد سراً، في لبنان، أن “القناصل” يتدخلون في التفاصيل كلها. الطبيعة تكره الفراغ. لا بل إن من يحاول إحداث فراغ يستعد لملئه... ولا علاقة للطبيعة بالموضوع. إن دقائق الحياة الداخلية اللبنانية تقرر في السفارات. وهناك كثيرون من غلاة السياديين لا يقطعون خيطاً إلا بإذن. ويمكننا ان نلاحظ، بسهولة، تطوراً في التعبير العلني عن ذلك. هناك من يغادر خجله وتردده. وهناك من سوف يندم لأن تهمة “التخوين” لم تلحقه. ما كان عيبا سيصبح شهادة ووساماً. 

ليس في العادة أن يحل موظف بهذه الرتبة، مثل ساترفيلد، محل سفير مثل فيلتمان أثناء غيابه لدواع شخصية. ولكن ذلك يحصل في لبنان لأسباب لا علاقة لها بملء فراغ المنصب الشاغر في عوكر. إن ملء الفراغ المقصود أكبر من ذلك بكثير. لقد ساهم فيه ساترفيلد في زيارته السريعة السابقة. وهو قادم لتطويره وضبط إيقاعات العاملين في الداخل على إنجاحه. 

لنراقب بدقة من يحتج على كلام ساترفيلد؟ من يرد عليه مباشرة؟ مداورة؟ من يقاطعه؟ من يتظاهر ضده؟ ومن يتظاهر أنه ضده؟ 

**********

ثمة مواقف رسمية لبنانية وسورية جعلت البلدين في خط المرأى الأميركي. ولكن، ثمة سياسات، من نوع مرثية أمس، جعلت أميركياً، مثل ساترفيلد، أكثر قدرة على الإصابة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page