عزمي بشارة في حوار شامل حول أوضاع المنطقة

زهير هواري
جريدة السفير (لبنان)
الخميس، 31 آذار «مارس» 2005
عزمي بشارة

     استغرق هذا الحديث مع المناضل د. عزمي بشارة ساعات عدة، وقد شارك فيه اكثر اعضاء أسرة تحرير “السفير” وعلى رأسهم الناشر الزميل طلال سلمان، الذي قدم للقاء. شملت الاسئلة مروحة واسعة من القضايا، تبدأ من لبنان وتمر على فلسطين والعراق وتصل بطبيعة الحال الى الولايات المتحدة الاميركية.. ثم هناك اسرائيل وما تشهده من صراع يتخذ الآن طابعاً هادئاً. لكن الحديث هذا ليس مجرد مناسبة سياسية مع مفكر من وزن بشارة مسكون بهواجس الديموقراطية والحداثة والمشروع النهضوي العربي الواجب الوجود. يلاحظ القارئ هذا التمازج بين السياسي والنظري في الاسئلة والاجوبة. اذ ان الاوضاع العربية في ظل الهيمنة الاميركية العاصفة بالمنطقة تتطلب بحثا في العمق، في التاريخ القريب والبعيد حينا وفي الواقع احيانا. بالطبع تتخلل ذلك وقفات مدققة حول المآل الذي بلغه المشروع القومي في اللحظة الراهنة ووقوعه اسير العجز عن إطلاق طاقات المجتمع وتجديد خطابه. مثل هذا الامر هو أشد انطباقاً على الحركات الاصولية الاسلامية. يوجه بشارة في هذا الحديث سهام النقد الى الفكر القومي “البسماركي”، لكنه في المقابل يؤكد على المعطى الثقافي للعروبة. اكثر من ذلك يخصص نقداً لاذعاً لبعض النيوليبراليين العرب الذين “ينضوون”، الى هذا الحد او ذاك، في ركاب الأمركة باعتبارها دمقرطة جاهزة ويتخلون عن البديهيات التأسيسية في الصراع الديموقراطي، ويراهنون على ان تحمل الدبابة الاميركية معها التحولات، من دون الوقوف على طبيعة مصالح الهيمنة مع “المحافظين الجدد”. 

يدعو بشارة في هذا الحديث الى اعادة صياغة للمشروع القومي انطلاقاً من الوطنيات والمواطنيات، باعتبار ذلك هو السبيل لتجاوز البنى التقليدية من عشائرية وطائفية، وبما يفتح الآفاق أمام التغيير، الذي يتطلب صراعاً ومشروعاً لدى الديموقراطيين للاستيلاء على السلطة او الحكم. 

يقدم بشارة في هذا الحديث قراءة جدلية للواقع العربي وللمشروع القومي حتى لحظة انهياره في حرب العام 1967، ويرفض منطق التقديس والنوستالجيا والحنين، بل يدعو الى قراءة نقدية عقلانية لا تتجاهل في الوقت ذاته أن كل ذلك جزءاً من تراثنا، و”اننا لم نولد من الحائط...” افكار كثيرة وردت في هذا الحديث، الذي استبقه الزميل سلمان بكلمة اكد فيها متابعة الزملاء لنضالات الشعب الفلسطيني في قطاعاته كافة، وتقديرهم للدور القومي الذي يلعبه المناضل بشارة. ويقول “باعتبارك قادما من محنة الى محنة وجوالا بين المحن العربية، نحب ان نسمع منك عن فلسطين المحتلة وفلسطين الأسيرة، ونجد معك ومنك ما يفيدنا في لبنان وفي علاقته مع فلسطين وسوريا، برغم التطورات التي جعلت من هذه العلاقات نموذجاً رديئا.. اهلاً بك في جريدتك، ومع رفاقك وأصدقائك في أسرة تحرير السفير”. 

بشارة: “السفير” هي بيت بالنسبة لي، وهذا طبعا مرده إلى تلك العلاقة التي ربطتني بهذا المنبر في لبنان منذ سنوات. وهذا الامر ليس مصادفة، ف”السفير” هي منبر عربي عروبي، لا اتخيل وجوده بهذا الشكل في مكان آخر سوى لبنان. بالطبع كلنا يشعر بالمرارة والحسرة على تكرار الهزائم وخيبات الأمل، لكن الاوضاع التي تثير المرارة هي التي تدفعنا الى التعبير عنها. لذلك اود اولا ان تقبلوا مشاعري العميقة جدا. وقد سنحت لي الفرصة الآن لأرى اشخاص الاسماء التي اعرفها مواقف ومقالات، ولنحاول ان نكرّس هذه الصداقة وأن نعيد انتاجها عبر علاقة حوار مباشر. اكرر تقديري ل”السفير” ناشراً ورئيس تحرير وجهازاً تحريرياً وإدارياً. وسأحرص من جانبي على جعل هذا اللقاء مفيدا. 

-- هل استطلعت بيروت، وبالتالي لبنان، خلال هذه الزيارة.. ما هي الانطباعات التي تركها لديك، او الملاحظات التي كوّنتها عنه من خلال الامكنة والاشخاص؟ 

ضحك عزمي بشارة الذي بالكاد لمح بعض بيروت وعبر بعض المناطق إلى مواعيده، وقال إنه كان يطابق بين الصور في ذاكرته وبين المشاهد التي “يعبرها” أكثر مما يراها، ثم دخل في الموضوع: 

الحقيقة أن لديّ حب استطلاع للناس، للنفسيات، للمواقف، للجماليات، للأخلاق، لا للأماكن بشكل خاص. عندما اذهب الى اميركا او اوروبا، نادراً ما اجوب الاماكن التي اكون فيها. غالباً ما امضي الوقت في المهمة التي جئت من أجلها في جلسات أو اجلس في غرفتي في الفندق على جهاز الكومبيوتر. بالطبع هنا في لبنان استهلكت الاجتماعات كل وقتي فالبلد كما تعلمون يعج بالقيادات والمواقف والتنوع. الانطباعات التي كوّنتها هي عن هؤلاء الذين التقيتهم، لا عن جغرافية او عمران المدينة. الانطباع الاول الذي كوّنته حتى الآن، هو ان البلد حي واستثنائي ويشكل حالة فريدة اجتماعياً وسياسياً، ولديّ قناعة بأنه قادر على إعادة إنتاج نفسه. لا شك في ان فيه مزجاً غير عادي بين اكثر البنى تقليدية كمجتمع ونصف الحداثة التي طالما يعرف بها. نفس الناس هم هذا وذاك في الوقت ذاته. مثلا قضية الانتماء للطائفة، والانتباه والتنبيه الى أن فلاناً هو ابن فلان، يحكى عنها بالصراحة والوضوح من جانب أناس حديثين جدا. هنا يدور الحديث عن بنى تقليدية. ومثل هذا الأمر مثير حقا. اذ اننا نعلم ان هذه البنى التقليدية، بما هي طائفة وعائلة وعشيرة، قد انتُقدت حتى في الشعر الجاهلي، اي منذ اكثر من ألف وأربعمئة سنة، ولم يقتصر الامر على الشعراء الصعاليك الذين أعلنوا الثورة عليها بل امتدت حتى الى التيار المركزي في الأدب العربي. اللافت في لبنان ليس البنى التقليدية الطائفية بل تسييس السلالات العائلية والأسرة ايضا. بعض مثقفي لبنان، ونحن تلاميذهم، ينتقدون الجمهوريات الوراثية، وهذا من حقهم بالطبع، لكن في لبنان يكاد يكون كل شيء وراثيا. اشعر احياناً بأن هذا البلد غريب حقا. 

واستدرك عزمي بشارة فأضاف: 

هذه الملاحظات تخطر في البال مباشرة، لكن برغم ذلك يظل هذا البلد ممتعاً جداً. أقف مع عدد من المثقفين قيمياً على نفس الأرض، خصوصاً اولئك الذين مروا في الفكر اليساري والقومي والتقدمي، والذين يحاولون استحضار وجمع هذه العناصر كافة مع الفكر الديموقراطي حاليا. ولكن عندما نتناول لبنان يكون لديك الفكر النظري عن اشكالياته، ثم تكتشف ان هذا الفكر النظري يسلم عمليا ببنى يتصوّر اصحابها انها طبيعية، ويسلم باعتبار الناس لها أنها طبيعية في الحداثة. لا شك في ان هذه الاشكاليات تستحضر ابن خلدون ومفاهيمه حول العصبية، حتى ما يسمى العصاميين الأفراد يسعون الى تأسيس عصبية جديدة. فالاستثناء يثبت القاعدة. بمعنى مختلف هنا، والقاعدة بدورها تعيد انتاج نفسها. 

-- لكن هل البنية التي تتحدث عنها تملك القدرات والتصورات عن اعادة انتاج البلد؟ 

لا شك في ان هناك معضلات كبرى في اعادة انتاج البلد نفسه. احد العوائق التي يكثر الحديث عنها هذه الايام هو ظاهرة المقاومة. إعادة انتاج البلد كما كان، كأن المقاومة لم تكن، وأحيانا أشعر بأنه يجري التعامل مع المقاومة كما يجري التعاطي مع العمال الاجانب الذين تستخدمهم وعندما تنتهي من العمل يتم الاستغناء عنهم. الواضح الآن ان الجميع يدركون، الى هذا الحد او ذاك، انه لا يمكن إعادة انتاج القديم دون أخذ هذا الجديد أي المقاومة سياسيا وطبقيا واجتماعيا وأخلاقيا بعين الاعتبار. بالطبع يعني ذلك حصر المقاومة وحجرها في القمقم الشيعي. الحالة السنية لا بد من الوقوف عندها ايضا. الآن تجري محاولة لفرض القوالب السائدة على هذه الطائفة التي استعصت على القولبة سابقاً، وهي التي تعبر مدناً وقرى ومناطق شاسعة في لبنان من طرابلس الى صيدا مروراً بالعاصمة. هذه الطائفة حتى في مرحلة زعامة الرئيس الحريري كانت مجموعة حالات وزعامات في المدن. الآن تجري محاولة لإعادة تشكيلها كطائفة فقط. اكثر من ذلك هناك بحث في مستقبل النظام السياسي والاجتماعي في لبنان، وهو امر مهم جداً لكل المجتمع وليس لطائفة اياً كانت من طوائفه. 

-- ألا تعتقد، في ضوء هذا التحليل وجملة الاوضاع المحيطة، اننا ذاهبون نحو تطرف ديني مذهبي؟ 

اتمنى ألا يحدث ذلك. أستند في ذلك الى عدة عوامل، اولها حكمة المقاومة، وثانيها ما هو جديد في ظاهرة المعارضة التي أراها ظاهرة شرعية، وفيها موجات جديدة تحمل آمال جيل الشباب الذي لم يعرف سنوات الحرب الاهلية ولا يعرف فساد الطبقة السياسية التي تلتها. آمال وطموحات الشباب مشروعة في مثل هذا الوضع. ولكن التحدي أمام هذا الجيل الشبابي عندما يتجاوز مسألة العلاقة مع سوريا بعد الانسحاب، هو ان يحمل معه ظاهرة المواطنية ضد الطائفية السياسية، عندها يمكن تسجيل انها انتفاضة ديموقراطية ولو بأثر رجعي.. هذا ما آمله لهذا الجيل. قبل ثلاثة عقود كان نفس هؤلاء سوف يحملون ايديولوجيات سابقة بعضها قومي وبعضها يساري وبعضها غير ذلك. اقصد هنا ان الهويات في هذا الطوفان متعددة المصادر من القومي إلى اليساري، علماً بأن ثمة تياراً مركزياً في اليسار يرفض هذا التحرك. لكن يجب ان نلحظ ان الهوية اللبنانية التي يحملها الشباب المعارض قد تعبّر عن التمرد على الطائفية. ولا يجوز ان نتعامل معهم بعدائية. وقد تحمل خصوصية الهوية اللبنانية متضمنة الاعتراف بالطائفية السياسية والدستورية والفصل بين المواطنين كجزء من الهوية الوطنية اللبنانية، وهذه ستكون كارثة لا حركة ديموقراطية. هنا اشير إلى ان مسألة المواطنية تفتح مجالاً رحباً للعمل، خصوصاً اذا لم يُستنفر هؤلاء الشباب لمصلحة الاحزاب ذات التوجهات الطائفية. يجب شطب الكثير من العناصر في الجانب المشهدي، لأنك ترى الاشياء وهي تجري مباشرة. يجب البحث عن النواة غير المتوافرة في الاحزاب التقليدية، الشباب الذي يأتي بموجات متلاحقة في هذا المد يبحث عن هوية جديدة تتضمن مفهوم المواطنية. هذا أحد ابرز عناصر الأمل. مقابل ذلك نجد محاولات مستميتة في خضم التحولات الجارية حاليا لنقل كتل اجتماعية كاملة للاحتماء بالطائفة. 
 

المقاومة في لبنان

الجديد في المعارضة هو احتمال وجود هذه الطموحات لدى الشباب ولكن الجديد أيضا هو محاولة نقل طوائف بأكلمها، كتل اجتماعية كاملة الى المعسكر المعارض مما يعيد انتاج ما كان على درجة أعلى. ماذا يفعل شخص، مواطن لبناني، لا يريد الانتماء سياسيا الى طائفة ويريد التأثير في مجتمعه، عبر أن يصبح نائبا مثلا؟ 

-- انطلاقاً مما سبق يمكن طرح سؤال جوهري حول المقاومة التي تراها عائقاً رئيسياً في اعادة البنى الطائفية.. لقد صارت هذه المقاومة، منذ سنوات طويلة، حالة طائفية شيعية واضحة المعالم؟ 

المقاومة في مرحلة العمل الفاعل ضد الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان كانت بحاجة إلى إجماع لبناني حولها حتى تصمد بيروت. ليس دقيقاً القول ان العمق الاستراتيجي كان سوريا وحدها، بل توجب افتراضه والتعامل معه في بيروت اولاً. ربما كان هنالك من “يكظمون الغيظ”، ولكن حتى اضطرارهم لأن يتحملوا التظاهر بتأييد المقاومة هو جزء من هيمنة ثقافة المقاومة، هذا إضافة الى التأييد الفعلي. وهذا هو العمق الحقيقي. السؤال يفترض الاجماع. تخيل بيروت انها انتفضت عندما كانت تقصفها اسرائيل. من تابع الصحف الاسرائيلية اذ ذاك كان يلحظ تلك الدعوات العلنية من اجل قصف المباني والمنشآت التي شادها الرئيس الحريري، وكانوا يذكرونه بالاسم في هذا السياق وكذلك الدعوات لتدمير القطاع المصرفي، ومحطات الكهرباء والماء. خلال هذه الفترة أحس المجتمع اللبناني بكبرياء التحدي. لا اقول توحّد بالكامل، ولكن إلى حد ما، وعبّر عن ذلك في الأداء الاعلامي ايضا. 

-- لا شك في أن الأكثرية الساحقة غطت المقاومة.. لكن هذا كله حدث قبل التحرير لا بعده؟ 

ما نشهده الآن هو تحول كبير. المعروف ان هناك هجمة دولية بعد التحرير لتجريد المقاومة من سلاحها، وطلب الإجماع حولها. السؤال الكبير يتناول كيفية او قدرة المقاومة على تجاوز هذه الحدود. يجب ان ندرك ان جمهور المقاومة ليس هو جمهور “حزب الله” فقط، بل هو جمهور المقاومة، بتعدده وتنوعه. المؤسف ان التحرير لم يُستثمر باتجاه تعميم أسلوب التفكير هذا، وليس بالضرورة أدواته، في المنطقة. الآن تجري محاولة لنزع سلاحها. التوسيع الذي اقصده هو تحويل المقاومة الى حالة وطنية عبر هيئات ومؤسسات مدنية من مشارب مختلفة أيضا. هذا الامر لم يتم التأكيد عليه بشكل جيد او صحيح. 

-- هل يمكن المقارنة بين ما يشهده لبنان وما تشهده الأرض الفلسطينية على صعيد نزع سلاح المقاومة؟ 

الاوضاع والظروف تختلف وكذلك السياسة المعتمدة ليست متقابلة. كان المنهج اللبناني منهجا ثابتا لدى مؤسسات الدولة السياسية وغير السياسية. هذا هو الظاهر منه، وكان معتمداً لدى المؤسسات العربية والدولية. كان الموقف الرسمي اللبناني هو الدفاع عن المقاومة في المنابر الدولية والعربية، أما النوايا في بعض القطاعات المجتمعية فهي امر آخر. لا شك في اننا عندما ننظر الى الساحتين نراهما في ظل الهيمنة الاميركية. الحالة اللبنانية تبرز شرعية النقاش بعد تحرير الأرض. السؤال المطروح الآن هو التالي: هل الإجماع اللبناني هو الذي يقرر اجندة هذه المقاومة. هل المطلوب هو القرار الوطني في تحديد أجندة المقاومة؟. هذا نقاش منطقي ولكن يتوجب تفكيكه والبحث في النوايا الكامنة وراءه. ولكن هذا يفترض اولاً فتح باب النقاش. 

-- يفهم من حديثك انك ترى في المقاومة رافعة للوضع العربي الذي يتهاوى على نطاق واسع. وكأنك تقول ان استمرار هذه البؤرة الثورية سيقود الى مضاعفات عربية، علماً بأن لبنان لم يعد باستطاعته تحمل عبء الصراع العربي الاسرائيلي في ظل الاتفاقات او صمت الجبهات؟ 

لا، فأنا لا اقبل بنظرية البؤر الثورية، وبالنسبة لهذا الموضوع لا افكر فيه بطريقة غير واقعية. واذا فكرت المقاومة على هذا النحو تكون كمن يشطح في ضرب من جنون العظمة. وهي أكثر تواضعا من ذلك. انتهت نظرية البؤر الثورية في بداية السبعينيات كما هو معلوم. حتى ريجيس دوبريه الذي نظر لذلك تخلى عنه. الرومانسية الثورية انتهت. ولكني اعتقد ان هناك تأثيرا معنويا هائلا للمقاومة. وهناك قيمة لها لا تقتصر على لبنان، خصوصاً عندما ننظر إلى النهج الذي اتبع وعقلانيته والمثابرة عليه كأمر يستحق الدراسة في الوطن العربي. لكن الاعتقاد بأن لبنان هو وحده يتحمل عبء الصراع ويحسمه لا معنى له، لأن لبنان ليس حزباً او تياراً او ايديولوجيا. شرعي ان يكون قد رفع في وقت شعار “زحفاً زحفاً حتى القدس”، لكن اصحابه اكثر واقعية من أن يعتبروه برنامجا سياسيا يقع على عاتق لبنان تنفيذه. 

يوماً استدعي العامل الاسرائيلي لحسم الوضع الداخلي ولحسم قضايا اجتماعية. اتفاق 17 أيار الذي يقال عنه انه اتفاق سلام، اعادة طرحه كأنه اتفاق سلام هي استهانة بالعقول، وهو ليس اتفاق سلام، هذا تحالف بين طرف لبناني وإسرائيل، ضد اطراف لبنانية اخرى، وتفاخر هذه الأطراف جميعا ومنها من ينتمي الى المعارضة بإسقاط هذا الاتفاق الذي فهمته أنه ضدها ايضا . الناس التي تحكي عن خط 17 أيار جديد تقصد امراً آخر، خصوصاً ان الأراضي اللبنانية قد تحررت. القول اننا آخر من يوقع اتفاق سلام مع اسرائيل هذا ليس الموضوع. الموضوع المقصود هو احتمال تبلور نفس التحالفات التي عبّر عنها الاتفاق ضد قوى اجتماعية لبنانية أخرى، هذا هو النهج الذي يتم التحذير منه وليس فكرة اتفاقات سلام عادل على أساس مبادرة السلام العربية مثلا. 
 

إسرائيل والطوائف

-- ما تشير إليه، هل ما زال وارداً في العقل السياسي الاسرائيلي برغم فشل تجربة التحالف سابقاً؟ 

لم يغب ذلك يوماً عن الذهن السياسي الاسرائيلي. ما يشغل بال العقل الاسرائيلي كان دوماً هو عدائية الحالة العربية كحالة عربية وعدم تقبلها لاسرائيل، وضرورة تفكيكها إلى طوائف. الحالة الطائفية هي حليف طبيعي لإسرائيل. عندما تتحول الاوطان الى طوائف تصبح اسرائيل بمعنى ما هي الطائفة الاكبر والأكثر تنظيما وتتاح امكانية غير محدودة أمامها للتحالفات. هناك رفض اسرائيلي مبكر للاعتراف بالعرب كأمة. من الاسهل على اسرائيل ان تتعامل مع كيانات وطوائف من التعامل مع العرب كأمة. هذا من الثوابت في الذهنية الاسرائيلية، حتى في مرحلة ما قبل الدولة، نلاحظ ان أجداد المخابرات الاسرائيلية في مؤسسة “شاي” وهي سابقة كما نعلم للموساد وكانت الاولى تتبع الهاغانا نستطيع ان نلحظ في تقاريرهم وأرشيفهم المتاح الاطلاع عليه رصداً دؤوباً للخلافات الطائفية في كل من فلسطين وسوريا ولبنان. هذا لا أخترعه، باعتباره موثقاً. اكثر من ذلك كان مخبرو “الشاي” يجوبون القرى ويرصدون الخلافات العائلية ويمهدون لعقد تحالفات مع هذه العائلة دون تلك، مما مكنهم لاحقاً من السيطرة على قرى وتجنيد حمائل للتعاون معهم ضد أخرى. 

-- لكن ما تتحدث عنه كان قبل تأسيس الدولة العبرية في العام 1948 لا بعدها؟ 

بعد تأسيس الدولة لم يتغير الكثير في الذهنية الاسرائيلية في ما يتعلق بهذا الموضوع. كان التوجه الاساسي هو البحث عن الاحزمة غير العربية. حدث ذلك بالعلاقة مع تركيا وإيران الشاه وأثيوبيا هيلاسيلاسي ومع الحركة الكردية في العراق في إحدى المراحل. كانت نظريتهم تنطلق من صعوبة تفتيت المنطقة وضروة الاستعانة بالحزام غير العربي، ثم انتشرت نظريات الاقليات والطوائف في المنطقة العربية، ودار الحديث بصراحة عن السعي الى إقامة دويلات طائفية. وعاد الرهان الاساسي على مشروع التفتيت الطائفي مع انهيار المشروع القومي وصعود الاصوليات وظهور وعي الاقليات. اعتقد ان الجميع هنا يوافق معي على ان الحرب الاهلية في لبنان لم تحدث إلا بعد الضربة الكبرى التي تلقتها الناصرية في العام 1967. 

في التفكير الاسرائيلي هناك مشكلة في التعامل مع الفكر العربي. وهذا ما أواجهه يوميا. مثلا يطرح السلام مع الفلسطيني كفلسطيني لا كعربي. الصهيوني المتوسط الثقافة يشعر بالخوف من هذا العمق العربي الذي يحيطه. هذا المنحى تعزز مع بروز المحافظين الجدد في اميركا. اذ مع وصول هؤلاء نبتت كالفطر مشاريع نزع الصفة العربية عن العرب. خلال الحملة على العراق جرى التعامل مع شعبه كمجموعة اقليات. ليس السبب في ذلك نظرياً، بل هذا يتعلق بالهوية القومية، التي يروّج لاستبدالها بالهويات الطائفية. شيعة في الجنوب، سنة في الوسط وأكراد وتركمان في الشمال. هناك سبب عملي لقبول إسرائيل صياغة تسويات مع هويات غير عربية. وعلى كل حال في نفس الفترة التي اتجهت فيها دول عربية لعقد اتفاقات مع اسرائيل راج التنظير لهويات فرعونية في مصر وكنعانية في فلسطين وما شابه. 

-- لا بد من العودة إلى جوابك حول 17 أيار. لا شك في ان الظروف اللبنانية والعربية مختلفة، ثم ان اسرائيل لا تمانع، بل هناك رغبات فعلية في ان تستبدل اتفاقها مع الاقليات باتفاق مع الاكثريات؟ 

واضح ان هناك تحولات في المنطقة. ونذكر فقط ان المقصود بالاكثريات هنا هو ليس الاكثرية في الموقف او البرامج، بل الاكثريات الطائفية مقابل الأقليات بتسييس انتمائها. النموذج اللبناني ل17 أيار مسرحه المنطقة العربية. لذلك هناك ما يشبه التنافس بين الدول العربية على بلوغه. اكثر من ذلك يجري البحث عن نقاط مشتركة مع اسرائيل لتقوية هذا الطرف العربي ضد ذاك. ينطلق الحكام العرب في موقفهم هذا من سببين متكاملين: 

أولهما هو الموقع الذي تحتله اسرائيل في الولايات المتحدة الاميركية التي تهيمن على المنطقة. ولا شك في أن اعتقادا يسود بأن التقرب من اسرائيل يقود إلى تعزيز مكانة هذا الحاكم العربي على ذاك في اميركا. أما ثانيهما فهو استراتيجي ويتعلق بإمكانية فتح اسرائيل وبالتالي الولايات المتحدة الابواب امام تدفق الرساميل نحو هذه الدولة، مما يقود الى نهضة اقتصادية وسط الازمات... 

عندما اتحدث عن 17 أيار لا اقول 17 أيار بالحرف، وبالتأكيد ليس هناك رغبة اسرائيلية في تحقيق سلام عادل ومشرف لا مع لبنان ولا مع سوريا. أحيانا يعبّر عن ذلك بنوع من الخجل، احيانا بصراحة كاملة. والواضح ان النخب العربية الحاكمة تتخوف من السياسة الاميركية في تشجيع ما تسميه التحولات الديموقراطية، مما يطرح مصيرها على بساط البحث. لذلك أرى ان الحديث عن 17 أيار اليوم يختلف عنه بالأمس. وهذا ايضا يحظى برعاية اميركية. ففي حين كانت النسخة الاولى منه تحالفا مع جزء من المارونية السياسية يمكن ان يكون اليوم حلفاً مختلف الطابع من حيث التوقع الاسرائيلي على الأقل. التجربة الاسرائيلية في لبنان فشلت حتى اليوم ويحتاجون الى وقت لاستعادتها، ويجب استغلال هذا الوقت لإفشال هذا الجهد. 
 

الديموقراطية والهيمنة

-- تكاد المنطقة تطوي مرحلة من الصراع، فالانظمة القومية تسلم الارض للاحتلال الاميركي الزاحف. ألا تعتقد أن هناك ضرورة لتجديد الفكر التقدمي انطلاقاً من إلحاح صياغة مشروع ديموقراطي عربي يعمل على ردم الهوة القائمة ويعيد إطلاق المجتمع وقواه الحية؛ خصوصا ان الموقع الفلسطيني هو الاكثر تماساً بالصراع؟ 

هذا السؤال هو سؤال المستقبل الذي يجب أن يشغل بال القوى الديموقراطية في المنطقة. هناك نخب طرحته بشكل مصطنع، وهي تروّج من خلاله للمشروع الاميركي الذي يستهدف المنطقة. تقول هذه النخب: “لا يجوز أن نقبل بالخيار إما أن نستمر بقبول الانظمة السلطوية القائمة، أو ندان باعتبارنا نقوم بالخيانة العظمى اذ نراهن على الدبابة الاميركية”. هذا التمييز الديموغاجي غير حقيقي ووهمي. القوى الديموقراطية إذا كانت ديموقراطية فعلا، يجب أن يكون لها مشروعها الوطني، وأن لا تمضي في نقاشها السابق لصالح نقاش في السؤال الذي طرحت. المشكلة أن بعض هذه القوى تنسق خطواتها مع الاجهزة الاميركية عندما تطرح أفكاراً إصلاحية. أفترض أن الناقص حالياً هو الحالة الحداثوية العربية كمشروع سياسي والمشروع الوطني الديموقراطي، هذا المشروع لا أراه إلا مشروعاً نضالياً. الفئات التي تطرح الديموقراطية عليها أن تعي انه مشروع نضال وأن الانظمة لن تستجيب لها. تتصور هذه الفئات أن الديموقراطية هي منحة أميركية، وتنتظر أن تخوض لها الولايات المتحدة معركتها، لذلك تمتنع عن خوض النضال. تعتقد هذه القوى ان مشروع الهيمنة الاميركية يحمل معه الديموقراطية، وتتنصل من النضال من أجلها. قسم كبير من القوى الديموقراطية غائبة عن المسرح. على إخواننا القوميين واليساريين وكل الذين أصابتهم خيبات الامل من هذين المشروعين، أن يدركوا ان التحدي الاساسي أمامهم هو كيف أطرح مشروعاً ديموقراطياً لاستلام السلطة، وكيف أعد العدة لذلك. 

لقد اختبأ هؤلاء طويلا وراء شعارات تتعلق بالتطبيع مع اسرائيل، واتخذوا مواقف راديكالية، بمعنى انهم كانوا يبحثون عن زوايا تميزهم عن النظام لا علاقة لها بطبيعته. ووجدوا ان أسهل طريقة لمواصلة انتقاء النظام من دون تشكيل تهديد لهم هو الموضوع الفلسطيني أو العراقي... لكن لو سألتهم كيف سيحكمون البلد؟ لما أجابوا. لأنهم لم يحددوا برنامجاً لاستلام السلطة. هذه طبعا حالة غير سياسية. ولا تستغربوا بعد ذلك أن يأتي أشخاص يتحدثون عن الاصلاح من الخارج ويطرحونه بموجب “الاجندات” الاميركية. 

وفي اعتقادي انه لا معنى اليوم للتيار القومي أو اليساري في المنطقة، دون أن يطرح كل في بلده على حدة مشروعه الديموقراطي لذلك البلد، كمشروع إصلاحي أو صدامي بناءً على “الاجندات” الوطنية والقومية التي أصبحت الآن موضوع سخرية. وأفكر ان الصراع مع الولايات المتحدة ونظام الهيمنة الاميركية اذا خيض بناءً على “أجندة” محلية ديموقراطية، يصبح أصعب بكثير على الأميركيين، لأنك عندها تخوض نضالا ضد هذه الهيمنة وأنت صاحب مشروع ديموقراطي، بناءً على “الاجندات” الديموقراطية المحلية، ما يعني رفض احتكار الولايات المتحدة للخطاب الديموقراطي.

وأذكّر اخواني الذين يتبنون خطابا إصلاحيا ضمن اطار الهيمنة الثقافية السياسية الاميركية على المنطقة، ويقولون ان خطابهم الاصلاحي يتضمن ايضا إصلاح الخطاب السياسي العربي تجاه اسرائيل وتجاه السلام وإخضاعه الى مفاهيم أكثر براغماتية وأكثر واقعية، ان هؤلاء يناقضون الف باء الفكر الديموقراطي. فهم ليسوا ديموقراطيين في بنيتهم القيمية، رغم أن توافرها مهم في مرحلة التأسيس. والحقيقة أنا من الذين يعتقدون ان الديموقراطيين في مرحلة التأسيس يطلقون مبادئهم وتوجهاتهم على نحو مختلف من هؤلاء. حتى انني أكاد أجزم بأنني لم أر في حياتي ديموقراطيين من نوع المراهنين على البوارج الاميركية. عموما، الديموقراطيون في مرحلة التأسيس يهتمون بفرض العدالة والانصاف. العدالة والانصاف في كل شيء. لكن كل ما يقدمه هؤلاء هو الدعوة الى التنازل عن العدالة في الموضوع الفلسطيني واللبناني. أشك في ان يكون النظام الديموقراطي جزءا من توجههم القيمي. لا يذكرني هؤلاء بالديموقراطيين المؤسسين أمثال توماس جيفرسون وبنجامين فرانكلين ودانتون وكارل ماركس. حسن نصر الله وهوغو شافيز ولولا في البرازيل يذكرونني بهؤلاء أكثر منهم. هذه هي الحقيقة. البنية الثقافية والفكرية للديموقراطيين لا تتقاطع مع مجرد الدعوة الى القبول بما هو متاح. ان بنية الديموقراطيين المؤسسين لم تكن يوما هكذا. هم أقرب الى بنية الاحزاب السياسية المتفسخة المنحلة في نهايات الانظمة الديموقراطية والتي تعمل على صفقات انتخابية في البرلمانات. في المراحل الديموقراطية المتأخرة التي لا تفترض قيما ديموقراطية عند السياسيين لأن الديموقراطية تفسخت لدرجة ان النظام الديموقراطي بات يحتمل وجود سياسيين متفسخين ومنحلين، وذلك لأن النظام نفسه صار يعيد إنتاج ذاته بمعزل عن توافر عقلية ديموقراطية عند السياسيين ام لا. أما ما نراه فإنه ليس من طبيعة العقليات الديموقراطية التي تدعو الى الخضوع لموازين القوى والقبول بما هو معروض. 

الذين يؤسسون لديموقراطيات لديهم رؤيا ديموقراطية انسانوية، ولا أرى ذلك عند اياد علاوي وأحمد الجلبي وغيرهما من رموز المشروع الأميركي، كما لا أجد تطلعا لدى أمثاله نحو العدالة والانصاف وبناء مجتمع أفضل. الديموقراطيون الاوائل هم أناس ثوريون في مسلكهم وقيمهم وتطلعاتهم لمجتمع أفضل. بالتأكيد نحن بحاجة الى ديموقراطيين يحملون عقليات ديموقراطية تفرض برامج لمواجهة الواقع الاجتماعي. أنا أفهم ديموقراطيا لبنانيا بمعنى تأسيسه للبنان، يرى الواقع والتنوع الموجود ويعتبره أفضل من غيره، لكنه لا يكتفي به، بل يطرح موضوع المواطنة وتجاوز الطائف الى نظام اكثر ديموقراطية. الديموقراطي لا يطرح فقط إلغاء الطائفية بل تحقيق العلمنة. هكذا هي الديموقراطية في مراحل التأسيس. 

وأيضا الديموقراطي الفلسطيني ليس هو الذي يضغط على قيادته للقبول بنصف احتلال وإبقاء المستوطنات، الديموقراطي الفلسطيني يرفض الاصولية كنظام اجتماعي ويتعايش مع اليهود ولكنه يتمسك بالعدالة والانصاف. 

الدعوات الى الانضواء في إطار الهيمنة الاميركية ليست ديموقراطية بل براغماتية مماثلة لصفقات الاحزاب الانتخابية وواقعيتها المنحلة أخلاقيا في نظام برلماني يعيد إنتاج وإدارة نفسه. هكذا أفهمها أنا. 
 

العروبة والمواطنية

-- أصبحت العروبة بعد خمسين عاما من البعث والقومية وصنوف التعذيب موضع تساؤل. هناك الآن تظاهرات في العراق ضد العروبة، وهناك معارضون لا يتحملونها ككلمة.. هل هناك مجال لعروبة ديموقراطية؟ 

الناس التي تهتف ضد العروبة تهتف ضد العروبة البسماركية، بمعنى وجود قوة عربية واحدة تحمل ايديولوجية قومية وتفرضها على المنطقة وتعيد توحيدها. أنا أتصور أن التمسك بالتوجه القومي العربي الذي يحمل حنيناً ونوستالجيا لتلك الفترة أصبح مضراً. هناك بعض القوميين العرب الذين لا يستطيعون تجاوزها، بما في ذلك رومانسيات كبرى حول جمال عبد الناصر وغيره. عبد الناصر له موقعه واحترامه. لكن الحديث عن المرحلة بنوستالجيا وحنين ورومانسية واعتبارها مرحلة العز يدفعني إلى التساؤل عن سبب هزيمتها في العام 1967. في كل حال يجب التعامل مع موضوع القومية العربية بشكل مختلف تماما، اذ يجب النظر اليها كثقافة لا كانتماء عنصري أو دم أو رسالة. فالعروبة هي ثقافة، وعاء ثقافي وتاريخي يستند الى اللغة، ثقافة مشتركة جامعة وتطلعات وتصورات لتاريخ مشترك وهي قد تصلح كأساس لتشكل قومي غير مبني على فكرة التوحيد من الاعلى. لكن يجب الاستعانة بالهوية العربية الجامعة لإقامة تماسك في كل بلد لتجاوز العائلة والطائفة والعشيرة. التماسك الذي أشير إليه بات ضروريا في البلدان التي تمثل أكثريات عربية كبيرة لبناء نظام ديموقراطي، وهنا تصبح العروبة أداة تماسك، ولا تتعارض مع الديموقراطية، وبما يمكن من اعتماد تعددية سياسية دون إعادة المجتمع الى مكوناته الما قبل الدولة. كما أنها تشكل مصدر شرعية تاريخية وأخلاقية ضروري، إذ لا تصح التعددية والديموقراطية دونه، من دون الشرعية اللاصقة تتحول التعددية الى طوائف وحمائل ما قبل حداثية. العروبة وأعني هنا الثقافة العربية المشتركة الجامعة في الاكثريات العربية، لأنني أعتقد بعدم فرض العروبة على الاقليات غير العربية اذا ما اختارت ذلك. في مرحلة من المراحل هناك جزء من غير العرب اندمج مع العرب وبات جزءاً من الثقافة العربية الشاملة بما يختزنه من تراث وطاقة. تركمان وأكراد الشام مثلا باتوا جزءا من عائلات دمشق العربية القديمة، وقد أصبحوا عربا قبل قرون، وقد حدث ذلك تلقائيا في مرحلة تكامل الوطني والقومي في الوطنية العربية المنفتحة. وهذا ما لا يمكن فرضه، بل يجب التعامل معه واحترامه. كما يتوجب احترام أصحاب القوميات لأن لهم هويات وإن كانت غير عربية، إلا انها باتت جزءاً مكوناً للنسيج المجتمعي. أما في حال الأكثرية العربية، على الاقل أتجاوز الطائفيات والعائليات والجهويات، ما يخوّلني بناء نظام تعددي ديموقراطي ضمن إطار الدولة الموجودة. 

وفي اعتقادي ان هذا ليس بديلا للمواطنة، لكي أكون دقيقا أشير الى انه ربما كانت الحاجة الى صياغة تناقضي الوجودي الذي أعيشه ومفهوم المواطنة والهوية العربية والحفاظ عليهما في الاطار الاسرائيلي، هي التي دفعتني الى بلورة هذه الفكرة التي تفصل بين الهوية القومية والمواطنة في هذا المنحى الجدلي في رؤية الامور. 

العروبة التي أتحدث عنها ليست بديلا من المواطنة ولا من المواطنية في الدولة العربية. المواطنة الديموقراطية في لبنان يجب أن تكون لبنانية للعربي وغير العربي. والمواطنة في الاردن أردنية، وسورية في سوريا.. بالمقابل هناك امتدادات اجتماعية عابرة للحدود الوطنية في كل الدول العربية بدون استثناء، وهؤلاء الذين يقيمون في إطار هذه الدولة أو تلك من أصول واحدة... لذلك فإن المواطنة هنا لا تشكل وحدها هوية تضامنية ناجحة، وعليه فأنت بحاجة الى الهوية العربية أو الكردية مثلا. اذاً المواطنة هي مواطنة غير قومية، لكن أنت كقومي عربي لا بد ان تطرح هوية الاكثرية العربية لمحاربة الطائفية والعشائرية والعائلية حتى تبني نظاما ديموقراطيا، وهذا ليس نقيضا للمواطنة. اذا ما تجلت الهويات العربية بطريقة ديموقراطية يصبح موضوع الديموقراطية شرطاً لتحقيق الاتحاد أو الوحدة العربية. 

أرى الهوية العربية أقوى من الهوية الاوروبية بتماسكها. النيوليبراليون العرب يعترفون بقومية يهودية ويرفضون فكرة وجود أمة عربية، وأعتبر ان الديموقراطية العربية هي الامر الاساسي الذي يمر عبر طرح برامج وطنية في كل بلد. لا أفهم ان احدا ينظّر لي عن الازمة هنا وهناك. الاختبار ليس في التنظير بل هو في طرح برنامج وطني ديموقراطي في كل بلد. بهذا المعنى لن ترى أناسا يتظاهرون ضد القومية العربية، بل سترى أناسا يتظاهرون معك. هذا هو التحدي الكبير والقضية الاكبر. حتى الموضوع الفلسطيني واللبناني هما تفاصيل امام هذه المعضلة الكبرى. 

-- ما عرضته في جوابك السابق يطرح سؤالا حول إمكانية صياغة مشروع ديموقراطي عربي بعيدا عن لعنة الجذور اي عن البسماركية رغم وجود تجربة سابقة لتأسيس مفهوم العروبة في مواجهة السلطنة العثمانية؟ 

الالمان يعتبرون بسمارك جزءا من تاريخهم. يجب خلق تفاهم حول تجليات الحداثة. هناك سوء تقدير للواقع الحالي وإمكانات التعامل معه. اذا لم تعرف كيف تطرح تاريخك بشكل صحيح. عبد الناصر وفيصل الاول والضباط الذين تحلقوا حوله وما يسميه ألبرت حوراني المرحلة الليبرالية، جزء من تاريخنا بعيدا عن قومية عربية مرضية ملتهبة وهستيرية في ردة فعلها على واقع التجزئة التعيس. القومية العربية كانت منسابة اكثر في الحداثة ايام هؤلاء. لم يكونوا حزبيين مؤدلجين قوميا ولم يتحدثوا عن ايديولوجيا عربية ولم يحاولوا فرضها بالقوة. ولكن المدرسة القومية العربية المتأخرة ذهبت الى المدرسة الاوروبية الوسطى. نحن نتفاهم على تقديم الحالة القومية دون ان يسيطر علينا الحنين، أي نقدمها في سياقها التاريخي. عبد الناصر حلم بمجتمع أفضل، بإصلاح الزراعة وتنمية الريف وإنشاء المدارس.. هذا كانت له سلبياته. جزء من متخرجي الجامعات الجماهيرية من دون قيم الحداثة تحول الى الاصولية الاسلامية. ولكننا لا نستطيع القول ان ما فعله خطأ، وكان يجب ألا يفتح التعليم وألا يقوم بالإصلاح الزراعي، خصوصا بالنسبة لعجز حداثة ضعيفة عن استيعاب متعلمي الارياف. ايضا القصور في ما يتعلق ببناء المؤسسات الحديثة ومكافحة الفساد وثقل البيروقراطية وغياب الشفافية. 

هذه المراحل، أتصور اننا مكلفون ان لا نطرحها وكأننا ولدنا من الحائط. بل هناك تسلسل تاريخي أوصلنا الى هذا الاستنتاج، وان هناك نقاط ارتكاز تتعلق بها. لا تستطيع ان نتصور مثلا ان تجربة ما بين الحربين العالميتين الليبرالية في بعض الدول العربية كانت مجرد سياسات استعمارية، بل كانت هناك تجارب ديموقراطية لا بأس بها. وكانت هناك تعددية وانتخابات. هناك أشياء كثيرة، حتى عبد الناصر كان واقعيا وبراغماتيا في التعامل مع واقع مجتمعه ومع الأمم. اما النوستالجيا وشعور البعض بأنه لم يتحرر من هذا الفكر فسيرتد إلى سلبيات. 
 

إسرائيل والحالة الإسلامية

-- كيف تواجه إسرائيل الحالة الاسلامية.. ثم هذه الحالة إلى اين؟ هل يمكن اعتبار الكلام عن نشر الديموقراطية له علاقة بمحاربة هذه الحالة؟ 

لا نستطيع ان نتحدث عن الوضع العربي دون ان نتحدث عن الحالة الاسلامية. لا نستطيع ايضا القبول بالتعريفات الاستشراقية للإسلام من نمط واحد. على كل حال ادارة بوش لديها مصلحة في ان تميز وان تغادر هذا اللون من الاستشراق، فهي ترغب في إسلام سياسي معتدل مثل الحالة التركية الى حد ما. الوهابية اعتبرتها أميركا في الماضي إسلامية معتدلة ايضا في مواجهة قومية عربية حداثوية، وكذلك في باكستان. “الاسلام” كان مرغوبا به حتى كهوية واحدة من جانب الولايات المتحدة في مراحل الستينيات والسبعينيات باعتباره خصما أساسيا للقومية العربية. المؤسسات الغربية ما زالت تناقش سلوكها تجاه الانظمة القومية ودعمها للإسلام السياسي في مواجهتها. مرحلة سيد قطب التي عادت وانقلبت على الغرب بعد تبنيها للخطاب الجماهيري العربي، الذي تم إفراغه من مضمونه، اعتمدته الحركات الاسلامية في الحديث عن النضال . بعد انحسار التيار القومي العربي في العام 1967 تبنت هذه الحركات الشعبوية الخطاب التجييشي والجماهيري ومعاداة الاستعمار. 

في المرحلة الحالية هناك اوساط واسعة في الادارات الغربية والمؤسسة الصهيونية ترى في هذا الخطاب خطرا اكبر من حركات المقاومة غير الاسلامية. لكن الحالة الاكثر غزارة هي الحالة الاسلامية. هناك مجتمعات تتلقى ضربات، لذلك يرونها خطرا كبيرا. التيار الصهيوني والعديد من المؤسسات الغربية تعتمد الردع والقوة العسكرية مع البحث عن بديل ديموقراطي او اسلامي معتدل يتبنى التعددية تحت الهيمنة الاميركية. هذا ما هو جار كمحاولة في تركيا، إيران، الجزائر وفلسطين، خصوصا ان نظرية الغرب هي البحث عن حكم الاكثريات في المنطقة. وتكثر هنا الديماغوجيا التي تستخدم مصطلحات ديموقراطية بأدوات وبنى اجتماعية لا علاقة لها بهذه المصطلحات مثل الأكثرية الطائفية، والطائفية السياسية، هناك ايضا مفهوم الكونفدرالية، ما علاقة الكونفدرالية بالطائفية. يجب ان نتنبه الى ان الخطاب الديموقراطي السوي لا مشكلة لديه مع خطاب ديني متنور مثل خطاب المرجع السيد محمد حسين فضل الله. اذ لا بد ان تعرف انك تعيش في فضاء عربي اسلامي. التعددية العربية لا تتناقض مع هذا الفضاء الاسلامي، هذا يجعلك تقف على ارض صلبة. الاغلبية هي حالة متغيرة وتصوت لبرنامج سياسي. على هذا الاساس تتغير من مرة الى مرة. فإذا كانت الاغلبية طائفية لا ينشأ نقاش سياسي حول البرنامج وتنتفي بالتالي المحاسبة. وهذا يتناقض مع ألف باء النظام الديموقراطي. نظام المحاسبة والمساءلة، قبل ان نبدأ بفصل السلطات. النظام الديموقراطي يحاسبك على أدائك وبرنامجك لا على أساس انتمائك، وإلا أصبح تعايشا طائفيا شبيها بنظام الملل التركي الذي تضمن ذلك. ما يجري هو نظام تعايش، الطوائف تحبذ ذلك وزعماء العشائر ايضا. يجب ان يكون هناك بحث مع ذوي التوجهات الإصلاحية في الحركات الاسلامية لتطوير مفهوم المواطنية. جرت محاولات في مصر تحت عنوان “بيان للناس” لتأسيس فكر إسلامي جديد لبناء مواطنة في الاسلام بدلا من الانتماء الطائفي أو فكرة العضوية في الامة الاسلامية وكانت محاولة جريئة، وقدمها افراد في حركة الاخوان المسلمين ثم حدثت انشقاقات. 

-- ألا تعتقد أن هناك ضرورة لتفكيك اشكال البنى القديمة للطائفة والقبيلة وإعادة البناء على مفهوم المواطنية ودور الفرد وعلاقته المباشرة مع السلطة؟ 

الديموقراطية تقوم على مبدأ سيادة الشعب، وليست منحة من الزعيم والملك كما هي الحال في اوروبا القديمة، والملكيات المطلقة التي كانت مرحلة ضرورية قبل الديموقراطية لتوحيد البلدان. هذا ادى الى افتراض مفهوم الشعب باتجاهين: الاول لدى روسو وهوبس حيث الشعب كيان قائم بذاته تشتق الإرادة العامة منه. المواطنة قبل التفكيك. وإلا تحول التفكيك الى تذرير. بون المواطنة تشكل البنى التقليدية حماية للفرد. الديموقراطية تقوم على مبدأ سيادة الشعب، وليست منحة من الزعيم او الملك كما في حالة اوروبا قديما، والملكيات المطلقة التي كانت مرحلة ضرورية قبل الديموقراطية لتوحيد البلدان. هذا أدى الى افتراض مفهوم الشعب باتجاهين: الاول لدى روسو وهوبس حيث الشعب كيان قائم بذاته تشتق الارادة العامة منه، والثاني تيار لوك وغيره ولدى ماركس الى حد ما. المجتمع بنظر هوبس صنع عقدا اجتماعيا من اجل سلام اجتماعي سببه الخوف من الموت. وتيار لوك هو بداية البورجوازية المحايدة حيث لدى الفرد استقلالية، وهدف العقد الاجتماعي تأمين السلم المحلي والمصالح وهذا ما طوره آدم سميث قبل كارل ماركس. طبعا استثنت المرأة والطفل والعامل، أي من لا يملك، قبل تطابق الفكرة مع المواطن الفرد في ما بعد. الآن هناك فصل بين الحيز العام والخاص وحشر الدين في الخاص، أي الفصل بين الدين والدولة. مرحلة الديموقراطية هي مرحلة تحميل السيادة وجهان الدولة والمواطنة الديموقراطية الكونية التي تتطابق مع الفرد بما هو مواطن في دولة ديموقراطية، بحيث لا تكتمل السيادة دون توفر عنصر المواطنة. 
 

10 سنوات من السلطة

-- ما هو تقويمك لعشر سنوات من عمر السلطة الفلسطينية وما هو نقدك لها وإلى اين تسير التسوية؟ 

لا شك في ان المرحلة الآن هي مرحلة ما بعد عرفات. الآن تقترب ساعة الحقيقة بمعنى السيولة التي ميزت مرحلة عرفات والتي انتهت. كان يحاول استغلال المرحلة بعد حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفياتي. هذه المرحلة كانت ملتبسة بين انها تكتيك أو استراتيجية. الآن أنت امام مأسسة واضحة لمرحلة التسوية ومتفق تماما مع مشروع الدولة، ويأتي ذلك في مرحلة، لسخرية التاريخ ان الخصم الاساسي وهو أميركا واسرائيل تقدمان فيه مشروعا للتسوية ولديهما مطلب الدولة الفلسطينية، التي تبدو كأنها مطلب أميركي اسرائيلي بإقامة الدولة. وذلك لأن هناك استنتاجا اسرائيليا منذ كامب ديفيد، وربما أميركيا خصوصا بعد الهجوم في ايلول 2001، وهو تحول لافت بعد فشل كلينتون واعلان بوش في ولايته الاولى عدم رغبة بالتدخل في الشأن الفلسطيني. 

ان الهجمة على افغانستان واحتلال العراق ونشوء خارطة الطريق وعودة التدخل السياسي الاميركي الكثيف غيّر مفهوم الدولة، ولا بد ان نذكر ان شارون قد سبق هذا التوجه في خطابه امام مؤتمر المعلمين عندما أعلن انه مع قيام دولة فلسطينية، وهذا قبل عشرة اشهر من خطاب بوش عن رؤيته للسلام الذي تلته أيضا خارطة الطريق. يبدو للمراقب كأن هناك اتفاقا حول الدولة، بينما هناك صراع على الامور الاخرى كافة. ولكن ما هو الصراع؟ برأيي هو حول اللاجئين والحدود والاستيطان والقدس. ولكن بالمعنى الاعمق هو إشكالي يتعلق بالحالة الفلسطينية وما اذا كانت حركة تحرير وطني فلسطيني تسعى الى عدالة نسبية ام هي حالة نخبة سياسية تسعى لبناء دولة. اذا كانت حالة مثل زميلاتها العربيات، اي نخبة تريد ان تحكم دولة، يصبح الصراع مع اسرائيل حول حدود وصلاحيات هذه الدولة ومدى سيادتها. اتصور ان النخبة الفلسطينية اعتمدت الخيار الثاني، اي الدولة، وبقي النقاش حول بعض صفات هذه الدولة. وهذا يعني انك غادرت مشروع التحرير الوطني نحو مشروع الدولة. هذا لا يعني ان الصراع قد توقف. الصراع موجود، يأخذ اشكالا متعددة. أتمنى ألا يكون عنفيا، عندما كنت أطالبهم في مرحلة عرفات، وكانت علاقاتي معه وثيقة، واستمر ذلك حتى عند ما قلب الطاولة وعانى العزلة التامة كنا معه. في الساعات الصعبة كنت أراه باستمرار. في تلك الفترة كنت اسأل هل هذه حركة تحرر وطني ام ماذا؟ كنت اعتبر ان المرحلة الصعبة التي اعتبرت فيها الانتفاضة تمرداً على السلام قد مرت. واخذت تكسب في الرأي العام الاوروبي وقد لمست عجزاً او سوء تدبير عن التعامل مع الحلفاء. النخبة الفلسطينية تبحث عن رجل في البيت الأبيض وهي محرجة. لم يعد حلفاؤها من اليسار بل في المؤسسة الحاكمة، التي لا تعطيك الا في اطار وتحت سقف تحالفها مع الحركة الصهيونية. الا اذا ضغط عليها الرأي العام كما حدث في موضوع الابارتهيد في جنوب أفريقيا. هذا في المنظور التاريخي سيؤدي الى خسارة عالم حركة التحرر الوطني. ثم انه لا يمكن اقامة دولة حقيقية على مثل هذه المساحة، كما ان قضايا العدالة وحق العودة لن تحل. عندما القى بوش خطابه كرر دعوته الى الدولة دون ان يقرن ذلك بتفكيك المستوطنات، ودون اشارة الى الاحتلال. هذا التوجه يؤدي الى كيان سياسي فلسطيني يعيش حالة صراع بين الاردن واسرائيل، اي انه موزع بين الولاء والتبعية الاقتصادية. اسرائيل تسعى الى دفعه باتجاه الاردن لكي يشكل في المنظور التاريخي حالة فدرالية مع الاردن. ونحن نعلم انه في تحليل شارون ان الاردن يشكل دولة فلسطين تستوعب وتحل كل القضايا الفلسطينية ويتحول الشتات الى مغتربين دون عودة حقيقية بل عودة افتراضية بتسلم أوراق وجوازات سفر دولة فلسطينية. 

-- هناك احاديث عن هدنة او تهدئة مؤقتة منذ اجتماعات شرم الشيخ. هل تعتقد ان ذلك يجب ان يتم دون ثمن سياسي تدفعه اسرائيل للشعب الفلسطيني لقاء هذا القرار؟ 

المسعى الاساسي في الضغط الجاري على القيادة الفلسطينية ان تصل الى حالة وقف اطلاق النار ثم تطرح موضوع الإرهاب. أنا اؤيد قرار حماس بالدخول الى المجلس التشريعي منذ اوسلو دون التخلي عن مواقفهم. يرون انهم سيكونون ضابطاً اساسياً للسلطة الفلسطينية في ما يتعلق بالتسوية. وسيكون هناك ضغط دولي كبير ليكون الدخول الى المجلس التشريعي بديلاً من الكفاح المسلح. أرى ان الهدف الاساسي لهم ألا يكون هناك وقف اطلاق نار مجاني، اذ انهم يطرحون ذلك في ما يستمر بناء جدار العزل. وبالتأكيد سيطلب منهم المزيد الى حد الإلحاح على تجريدهم من السلاح. يجب ان يفرض على اسرائيل لقاء ذلك وقف بناء الجدار ووقف تهويد القدس وبناء المستوطنات لاستيعاب المزيد من المستوطنين. 

-- سمعنا عن مؤتمر نظمته حركة العودة في أراضي العام 1948 في حيفا. كيف تقوّم هذه الحركة؟ 

هذا موضوع مهم. هذه قضية الدفاع عنها ملح اكثر حتى في ظروف تسوية فلسطينية يتم فيها تأجيل حق العودة. الحجة الديموغرافية الاسرائيلية هي ساقطة هنا. لأن اسرائيل دوما ترفع عقيرتها ضد حق العودة بالتغيير الديموغرافي او بالتهديد الذي يمثله. إذا عاد هؤلاء الى قراهم فلن تتغير المعادلات فهم يسكنون في الداخل على أي حال. هذا الامر متعلق مع مفهومنا للصراع مع اسرائيل والمساواة. هذا يتقاطع مع مفهوم حق العودة ويتعارض مع ادعاءاتها الديموقراطية. هؤلاء المواطنون يعملون في أراضيهم أجراء لدى الصهاينة. وهذه تعتبر دولة ديموقراطية ليبرالية لدى بعض المثقفين العرب. هناك بلدة تسمى الشيخ دنون وقد زرتها مؤخرا كنائب، تقتصر عائلات هذه البلدة الاصلية على بضع عائلات. والباقون لاجئون إليها من خمس قرى وكلهم بعيدون عنها مئات الامتار. لاجئون يسكنون في بيوت من الصفيح، وقد ذهلت عندما رأيتهم لأنه ممنوع عليهم البناء وأراضيهم مصادرة ويعملون فيها أجراء. هذا لا علاقة له فقط بحق العودة، وإنما له علاقة ايضا بالتناقض الاسرائيلي مع الديموقراطية. هؤلاء مواطنون في اسرائيل الديموقراطية! الرأسمالية تدافع عن حق الملكية الخاصة. كيف يكون البلد ديموقراطيا ولا يحترم حقوق الانسان والملكية الخاصة؟! نقوم بجهود كبيرة في السنوات الاخيرة مع جهاز التعليم الاسرائيلي. ويذهب طلاب هذه القرى وسواها الى القرى المهجرة لترميم ذاكرتهم من خلال التعرف على القرى المهدمة وترميم المقابر ومنع تحويل الكنائس والمساجد الى مطاعم وما شابه. هذه اساسية لأنك من خلالها تري العالم وجه اسرائيل الحقيقي ومدى ديموقراطيتها للعالم.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page