الانتخابات واجبة .. النسبية ضرورة

 جوزف سماحة
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 1 نيسان «أبريل» 2005
جوزف سماحة

     إذا استمرت الوجهة التي يسلكها الوضع اللبناني فإن المعارضة قد تصبح، في خلال أسابيع، أكثرية نيابية! لن يتحقق هذا الافتراض طبعاً ولكنه يشير إلى حقيقة التوازنات الناشئة والتي تحسم أن غالبية اللبنانيين هي في صف المعارضة وأنها تنتظر الانتخابات للتعبير عن ذلك. 

لا شك أن هذا التقدير يشجع البعض، في الموالاة، على السعي إلى “إبعاد كأس الانتخابات المرة”. فمن الواضح أن حوالى نصف نواب الموالاة، وربما أكثر، سيضطرون إلى البقاء في منازلهم اعتباراً من مطلع حزيران. ولأن اللبنانيين ميّالون إلى تصديق هذا التوقع فإنهم ميّالون إلى تصديق اتهام المعارضة للسلطة بالسعي إلى المماطلة من أجل انتزاع تمديد مديد لمجلس النواب الحالي. 

لقد طالت مدة التكليف ومع ذلك فإن الرئيس عمر كرامي يبدو صبوراً. وهو يتصرف وكأن المعارضين سيغيّرون رأيهم بين لحظة وأخرى في حين أن هؤلاء باتوا حاسمين في عدم الاشتراك برغم أن مطالب وشروطاً لهم تتحقق أو هي باتت في عهدة مجلس الأمن. 

إن السلطة، اليوم، هي في قفص الاتهام. والتهمة الموجهة إليها ليست أقل من محاولة نسف الانتخابات بحجج تبدو، شكلاً، ذات صدقية وإن كانت فاشلة، عملياً، في إقناع غير المقتنعين أصلاً. 

من دون الاستغراق في محاكمة النوايا لا بد من القول إن الجهة التي تغامر بتأجيل الانتخابات ترتكب مغامرة كبيرة. إنها مغامرة لأن الخطوة غير دستورية، وهي فوق ذلك، أقل شعبية من التمديد للرئيس إميل لحود الذي ضرب رقماً قياسياً في انعدام الشعبية. وسوف يصطدم أي قرار من هذا النوع بتعبئة لا يمكن نكرانها وهي غير قابلة للاستثارة وإلا تتحول نحو أساليب عمل تصعيدية من أجل فرض انتزاع الحقوق. 

ولكن الأهم مما تقدم أن توجهاً “تأجيلياً” سيبدو، في نظر المجتمع الدولي، محاولة انقلابية مستميتة لتجميد الزمن. ربما يجب أن يكون معروفاً أنه، في الأسابيع والأشهر القادمة، تحتل الانتخابات اللبنانية موقعاً شديد التميّز في السياسة الخارجية الأميركية. إنها “درة تاج” جورج بوش وكونداليسا رايس. وهي، إلى ذلك، موضوع توافق أميركي أوروبي أكثر من مواضيع 

أخرى كثيرة في الشرق الأوسط والعالم. ولن يكون مستبعداً أن تلجأ هذه القوى إلى ممارسة ضغوط استثنائية على سوريا ولبنان من أجل ردعهما عن قطع طريق المسار الدبلوماسي. 

يمكن لمن يريد اتخاذ أي قرار أن يفعل. ولكن عليه أن يكون مدركاً لنتائجه ولما سوف يستدرجه من ردود. ولعل تجربة الأشهر الماضية تضعنا أمام سلسلة من القرارات غير المحسوبة بما يفرض التحذير من مغامرة جديدة. هذه المرة لن يفيد القول، وهو صحيح، إننا أمام خطة أميركية أصلية لتغيير الموقع اللبناني. لن يفيد لأن ما نحن مسؤولون عنه هو ما نقوم به من أجل توفير أفضل الشروط لمقاومة هذه الخطة وإحباطها. من غير الجائز، كما يقول أحدهم، أن ننسب إلى خصم أسوأ الخطط وأن نقدم على أكثر مشاريع التصدي بؤساً. 

إن الانتخابات النيابية واجبة الحصول وإلا فسيتم تفريغ الممانعة من آخر عناصرها الديموقراطية وسيلحق أذى شديد بقواها الأكثر جذرية ورسوخاً واستهدافاً. 

لا بد من استدراك على الملاحظة القائلة بأن الانتخابات واجبة الحصول: من المستحسن أن تجري وفق قانون انتخابي غير المرسل إلى مجلس النواب حتى لو أدى ذلك إلى إرجاء تقني للموعد. ثمة ضرورات وطنية عليا لإجراء الانتخابات على قاعدة النسبية. لماذا؟ 

أولاً إن طبيعة الانقسام السياسي في لبنان تجعل منه، عملياً، دائرة انتخابية واحدة. والفرز المطلوب بين تيارين عريضين لا يمكنه تجاهل هذه الحقيقة. 

ثانياً يعيش لبنان حالة عالية جداً من التسييس. والقضايا الخلافية المطروحة لا علاقة لها بما يروّج له البعض من ضرورة أن يعرف الناخب المرشحين. فالاقتراع سيتم هذه المرة، وأكثر من مرات سابقة، على قاعدة خيارات كبرى. 

ثالثاً إن الانقسام السياسي الراهن شامل للطوائف والمناطق. صحيح أن هناك أكثريات هنا وأكثرية هناك. ولكن الأصح، أيضاً، أن “المعسكرين” مختلطان إلى حد بعيد وأن من وظيفة الانتخابات نقل هذا الانقسام المختلط إلى الندوة البرلمانية بدل إبقائه في الشارع. 

رابعاً ثمة ما يشير إلى أن المجلس الجديد هو نوع من “الجمعية التأسيسية”. إن بنية ما بعد الطائف، من العلاقات الإقليمية إلى التوازنات الداخلية، لم تعد قائمة. ولا يمكن استشراف بنية جديدة عبر اعتماد النظام الأكثري في الدوائر الصغرى. 

خامساً إن القانون المطروح أمام المجلس، إذا أقر كما هو، سيؤدي إلى انتخابات تبقي مئات آلاف اللبنانيين من دون أي تمثيل سياسي برلماني. وهذه دعوة علنية إلى التوتر. 

سادساً إن اعتماد النسبية على قاعدة الدائرة الأوسع الممكنة يشجع على مزيد من الوضوح السياسي والبرنامجي، ويرغم على اصطفافات وفق معايير وطنية عامة بحيث تتشكل خطوط متمايزة يدعى المواطنون إلى تغليب أحدها. 

سابعاً إن النسبية وحدها هي التي تقود الكتل السياسية الكبرى إلى بلورة مشاريعها المستقبلية. لنكن واضحين. هناك قوى سياسية رئيسية “تعاني” من أن برامجها التعبوية قد تحققت وهي لا تملك مشروعاً واضحاً ومعلناً للمستقبل. ف”التيار الوطني الحر”، مثلاً، مطالب بأن يبلور أو ينحاز إلى وجهة نظر في عدد كبير من العناوين التي تتعدى “استعادة السيادة” طالما أن السيادة استعيدت. و”طلاب الحقيقة” ماذا يريدون فعلاً بعد إقرار لجنة التحقيق الدولية؟ ومعتصمو ساحة الشهداء هل هم متلاقون فعلاً على غير الشعارات الآنية، على أهميتها، التي رفعوها؟ أليس مفضلاً التقاط هذه اللحظة السياسية من أجل اختبار عمق وجدية ما جرى وامتحانه أمام أطروحات وطنية عامة تتناول قضايا جرى تغييبها إلى حد ما في احتشادات الأسابيع الماضية؟ 

ثامناً ثمة قوى تملك مواقف ملتبسة، أو لا تملك موقفاً، أو تضمر غير ما تعلن من أمور ليست أقل من موقع لبنان الإقليمي، وسلاح المقاومة، والأزمة الاقتصادية الاجتماعية، والحلول المقترحة لها، وطبيعة التوازنات السياسية اللاحقة، ووحدة الشعب المتنوعة أو غلبة التنوع على الوحدة، إلخ... هذه الأمور تحتاج إلى جلاء السياسات حولها ولن يكون الأمر متاحاً في ظل الدوائر الصغرى وعبر النظام الأكثري. 

تاسعاً إلى ذلك يمكن القول إن الهمّ بإشراك أكبر قدر ممكن من المواطنين يجب أن يقود إلى بحث جدي في خفض سن الاقتراع، وفي السماح للناخب أن يقترع حيث يقيم، إلخ... 

لهذه الأسباب، وربما لغيرها أيضاً، يبدو التهرّب من النسبية الآن بمثابة انسحاب من تحمّل المسؤولية. 

إن رغبة البعض، في الموالاة، بالتهرّب من الانتخابات في موعدها رغبة مدانة وتعبّر عن سعي إلى تزوير فاضح لواقع الانقسام السياسي، ولحقيقة التبدل الذي حصل في موقعي الأكثرية والأقلية. 

وكذلك، فإن رغبة البعض، في المعارضة، بالتهرّب من اعتماد النسبية رغبة مدانة وتعبّر عن سعي إلى تزوير فاضح، ولكن مضاد، لواقع الانقسام السياسي ولحقيقة الأحجام بين الأكثرية الناشئة والأقلية. 

يجب أن يكون واضحاً أن المعارضة الحالية مرشحة للفوز موحدة في حال اعتماد النسبية على أساس لبنان دائرة واحدة. ولكنه فوز لا يضخّم الأرجحية الراهنة، ولا يقود إلى انكسار وهمي في موازين القوى، ولا يشجع على مغامرات سياسية قد يغري بها الانتصار الكاسح الذي يضمنه النظام الأكثري. فهذا الأخير سيضع اللبنانيين أمام مرآة مقعّرة لا تعكس بدقة حقيقة البلد، ومن يتمسّك به، الآن، يَخُضْ مجازفة لا تقل خطراً عن مجازفة الرهان على التأجيل. 

نعم للانتخابات، إذاً. ونعم للنسبية. هذه قاعدة “التسوية”. ولكن الحسّ التسووي متراجع لدى الجميع. ولذا يمكن القول إنه إذا تأكد سوء الظن بالسياسيين اللبنانيين فإن الأزمة، الراهنة أو المقبلة، إلى تصاعد.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page