الانسحاب السوري وانسدادات راهن لبنان السياسي

 وجيه قانصو
جريدة السفير (لبنان)
السبت، 2 نيسان «أبريل» 2005

     الانسحاب السوري من لبنان، يعني نهاية وضعية سياسية داخلية، وتفكيك الترتيبات المحلية في توزيع القوة، وتعديل أنماط الولاءات والتضامنات التي ألفها لبنان بعد اتفاق الطائف. أي أن الانسحاب السوري يعني انتقال لبنان من نظام سياسي وصل إلى الطريق المسدود، إلى نظام آخر ما زال الجميع يتلمس إرهاصاته ويتنبأ معالمه، في مناخ ممزوج بالخوف والتفاؤل، بالحذر والتوثب إلى الجديد، بالتعقل والانفعال. ولست هنا لأتوقع المستقبل، بقدر ما أرغب في قراءة الراهن الذي يطل بنا على الآتي والمتوقع. فالمستقبل ليس قفزة زمنية في الفراغ أو انبثاقا وجوديا من العدم، بقدر ما هو حاضر يجدد نفسه باستمرار. 

نجح الوجود السوري في حماية اللبنانيين من شرور بعضهم ضد بعض، أي حمى اللبنانيين من أنفسهم، إلا أن حماية النفس من النفس تحول مع الزمن إلى احتجاب لها وتعطيل لقدراتها في صنع وجودها بنحو مستقل وفي خلق نظم علاقاتها الداخلية بدون وسيط. لذلك ألف اللبناني فكرة الخوف من نفسه وفكرة عجزه عن التحكم بانفعالاته التي يظن أنها تحوله إلى كائن بدائي متخم بغريزة العنف وإلغاء الآخر. فتولد نتيجة لذلك حاجة نفسية غذتها ذاكرة الحرب اللبنانية وضخمها خطاب سياسي داخلي منتفع، بضرورة وجود حكم خارجي ومرجعية محايدة، تضمن الإيقاع المتوازن في الداخل وتقمع الغرائزية الطوائفية من التفلت. هذا سهل إنتاج ترتيب سياسي داخلي في لبنان، جعل سمة الأداء السياسي فيه التملق، وجعل القوى المحلية تتراخى عن تأسيس مدى سياسي صلب وأصيل لصالح اعتبارات إيديولوجية خاصة أو حسابات حزبية مغلقة. 

ليس الأداء السوري في لبنان موضوع حديثنا، بل نود توصيف المشهد السياسي في لبنان بما فيه النظام السياسي الذي تم إنتاج أكثر مفاصله في دمشق وبشكل علني تقريبا. فبعد أن أزيح ستار “المصالح القومية” و”ضرورات الصراع ضد إسرائيل” عن الترتيبات والتعيينات السياسية في لبنان، تجلت الانسدادات الحقيقية في النظام اللبناني وظهر بوضوح عجز الممثليات والرموز الرسمية المصطنعة عن استيعاب صدمة اغتيال الرئيس الحريري، وعن ملء الفراغ الذي سيحدثه الانسحاب السوري من لبنان والذي لن يقتصر على انسحاب القوة العسكرية فقط بل سيتعداه إلى تفكيك شبكة مواقع القوة وإلى تغير جذري في قواميس المعنى السياسي وفي قواعد الأداء فيه. 

جاء اتفاق الطائف في سياق الخروج من الحرب الللبنانية، متضمنا لآليات بناء شروط سياسية متوازنة وصحية في لبنان، إلا أن اتفاق الطائف كان الغائب الأكبر خلال الخمسة عشر عاما الماضية، حيث تم تأجيل أو إلغاء أهم استحقاقاته لصالح تسويات آنية ومحدودة، فتم بالتالي تغييب الدولة التي تعي وظائفها وتبني استراتيجيات عملها بنحو مستقل. هذا يعني أن تفعيل هذا الاتفاق الذي يبدو أنه الوثيقة الوفاقية الوحيدة المتوافرة في لبنان حاليا للخروج من أزمته الراهنة، يحتاج إلى ملاحق كثيرة لكي يدخل في معادلته المتغيرات الدولية الكثيرة، ولكي يراعي التغير الجذري في الخارطة السياسية المحلية، ولكي يبني مرجعية لتفسير نص الطائف يضيق به هامش تعدد المعنى فيه ويقلص مساحة الاختلاف حول فهم دلالاته. أي يحتاج اتفاق الطائف إلى اتفاق تنتجه القوى السياسية الجديدة في لبنان، يزيل عموميات والتباسات بنوده، ويعيد طرح مسائله القديمة بطريقة خالية من الضغوط والتلفيق، ويدرج مسائل جديدة تعوض الفارق الزمني بين زمن إنشائه وبين زماننا الراهن. 

مع اكتمال مراحل الانسحاب السوري، شعر اللبنانيون أن بإمكانهم النظر في المرآة لرؤية وجودهم وواقعهم بوضوح، إلا أنهم اكتشفوا عمق الفراغات التي كان من المفترض أن تملأ منذ زمن بعيد، تلمسوا النقص في سبل الاتصال والحوار الداخلي المفترض بها أن تخترق سطح التحالفات الآنية السائدة، من أجل تأسيس فهم متبادل وتمهد لتحالفات وتضامنات سياسية تكسر بدائية الولاء الطائفي. أدرك اللبنانيون أن الدولة خلال خمسة عشر عاما، لم تكن سوى دولة بالتعيين وبالوكالة لتصريف أعمال جزئية، وصدم اللبنانيون عندما وجدوا أن رجالات هذه الدولة السابقين والحاليين، كانوا عاجزين عن تمثل طموحات وآمال وآلام ومخاوف اللبنانيين، فكانوا يجيبون عن أسئلة لم تكن من اهتمامات أحد، ويختفون ويصابون بالخرس عندما تتعالى أسئلة المصير الحقيقية. 

جميل كان مشهد التظاهر والتعبير الشعبي في لبنان، الذي ألغى إلى الأبد كل رهانات الوصاية، وأكد أن غريزة التضامن الطائفي رغم حضورها القوي لم تعد المحرك الرئيسي للحدث السياسي، وأن خيار العنف في تأكيد المصير والهوية والموقف السياسي لم يعد من سمات التعبير والمطالبة. إلا أن المشكلة تكمن في المسافة الفاصلة بين التطلع الشعبي الذي قال كلمته بشكل حاسم وقوي وبين القوى والأحزاب السياسية التي تفتقد البنى التنظيمية والبناءات الإيديولوجية ومستويات الخطاب في مواكبة مشهد الأرض وفي ترجمته إلى مشروع خلاص وطني. 

فأكثر الأحزاب والرموز السياسية في لبنان، هي قوى حرب، نشأت لحماية الطائفة من ضعف المؤسسة الرسمية، أي قوى اللادولة. حيث نسجت قواعد الولاءات ومبادئ تضامنها من بنى العصبية الطائفية رغم عمومية إيديولوجيتها وسعة خطابها السياسي. فكانت تجهد في تغذية كتل مجتمعية مغلقة خارج أطر الاندماج العام، وفي تعزيز روابط سياسية على هامش الدولة، فكانت تنتعش حين تضعف الدولة، وتتغذى من مساحات الفراغ السياسي والثقافي التي يخلقها أداء القوى نفسها. من هنا لم تكن مشاركة هذه القوى في السلطة بعد اتفاق الطائف، إلا لحجز حصة القوة والنفوذ واستحواذ نصيب الفائدة في الترتيب السياسي الجديد، من دون أي تعديل في بنى تلك القوى، التي استمرت في التلون بلون طائفي واحد، واحتفظت بثقافة الخوف والهواجس التي تستنزف طاقة القوة المركزية الجامعة. 

عجز اتفاق الطائف وأخفقت القوى التي تظللت بظله أن تحقق واقعا اندماجيا، أو أن تخلق مجالا سياسيا جامعا يراكم بداخله التجارب ويعزز قوة المركز السياسي الذي هو الدولة، أو أن تنتج تضامنات جديدة وتولد مشاعر انتماء عامة تفكك العصبيات الطائفية وتتجاوزها إلى مستوى وجودي أرقى. كان الواقع السياسي بعد الطائف، عبارة عن تحالف قوى مغلقة وتوافق مصالح جزئية وآنية، أي واقع يعزز هامش اللادولة وينمي الأطراف على حساب المركز ويجعل التصدع النتيجة المباشرة لأية أزمة سياسية. لذلك بدا الواقع اللبناني، بحكم ركاكة مركزه السياسي وسطحية التضامنات الوطنية العامة فيه، بحاجة دائما إلى مركز سياسي أجنبي يضبط اختلافاته ويمنع حالات التفجر الداخلي. وهذا ما أغرى وما زال يغري أكثر من نظام خارجي على لعب دور الناظم السياسي في لبنان، وهو ما جعل أكثر القوى المحلية أيضا تبحث لنفسها عن نقطة ارتكاز خارجي تسند بها صراع وجودها الداخلي. فكان لبنان وما زال، صراع إرادات خارجية بأدوات محلية، أو صراع وجود بين القوى المحلية على إيقاع استراتيجيات مرسومة في الخارج. 

ولسنا هنا لنغفل فضل القوى والأحزاب وحجم التضحيات التي بذلتها في سبيل تحرير الجنوب أو في مقاومة مشاريع التقسيم والتوطين أو في إعادة إعمار بيروت، إلا أن تلك الإنجازات بقيت ضمن دائرة الإنجاز الخاص لهذه القوة أو تلك، فلم تدمج جميعها في سياق خلق ذاكرة موحدة بصنع المصير أو تنمية شعور وطني عام بالإنجاز المشترك، بل كانت نجاحات مبعثرة وفاقدة للطاقة التركيبية، حيث كانت تغذي في الغالب تضامنات جانبية وتعزز الولاءات الشخصية وتقوي الانتماءات الطائفية. 

ورغم نجاح القوى في كل من معسكري المعارضة والموالاة في حشد التظاهرات الشعبية، إلا أن التعبير الشعبي العفوي والصادق، أحدث نقلة على مستوى المشاعر الجامعة والتوق العام، تعكس قابلية القفز فوق الولاءات المألوفة وتعبر عن السعي نحو خلق أطر تضامنية جديدة تتجاوز أطر القوى الراهنة نفسها. وهذا ما جعل القوى تخفق في مواكبة المشهد الشعبي الجديد، وفي استيعاب تطلعاته الجديدة، بل استمرت بأداء وخطاب تقليدي، فوظفت تظاهرة الثلاثاء باتجاه تثبيت الأمر الواقع وكبح المتغيرات القادمة، في حين شهدت تظاهرة الإثنين زحمة تصريحات انتخابية وحركة مزايدة في التصعيد باتجاه الطريق المسدود وفي منطقة اللامعنى. 

من هنا، يتجلى عدم التناسب بين القوى السياسية الراهنة وبين التوق الشعبي العام، حيث يميل الاتجاه العام نحو خلق فضاءات اندماج سياسي في حين تنزع أكثر القوى إلى تفكيك طاقته المركزة وإلى استعادة الفواصل النفسية والثقافية التي تخلقها الحساسيات الخاصة ومشاعر التمايز أو أحاسيس الخوف. وإذا كان الانسحاب السوري يضع اللبنانيين أمام تحدي صنع المستقبل والمصير، فإن ورشة المستقبل السياسي في لبنان لا تبدأ برحيل القوى الأجنبية عنه، بقدر ما تبدأ بخلق مستويات تضامن جديدة قادرة على تفكيك عصبيات الهامش السياسي الذي ما زال ينمو ويزدهر على حساب الدولة. أي حين يجد اللبناني أن حقيقته تتشكل من خلال المشترك العام الذي يتجاوز عصبيته الطائفية، وحين تعمل القوى على الدخول الطوعي في رحلة التحول الذاتية، من قوى الهامش والأطراف إلى قوى المركز، ومن خطاب الهواجس إلى خطاب البرنامج السياسي، ومن التضامن السلبي القائم على الخصوصية أو التمايز إلى التضامن القائم على المشاركة وعلى تمثل الآخر تمثلا شعوريا وتعاطفيا لا تمثلا صوريا. 

قد يظن البعض أن قدر لبنان الذاتي هو تكوينه الطائفي المغلق الذي لا يقبل التعديل، وأن النظام فيه ليس سوى نظام إجرائي يمنع حالات الصدام والانفجار من دون أن يملك قدرة النفاذ إلى البنى الثقافية الخاصة أو صلاحية تعديل التضامنات المغلقة. مما يعني أن القوى الحالية ليست إلا نتيجة طبيعية لوجود تعددية لا تقبل الاختزال أو التقليص. هذا الظن ليس إلا تفسيرا مقلوبا للواقع. فالانغلاق الطائفي سمة سياسية واجتماعية لا يصنعها الوعي الديني بل يصنعها التموضع الذي يخلقه الترتيب السياسي العام. أي أن الطائفية هي ثمرة البنية السياسية التي أحكمت إغلاق التكوينات المجتمعية الخاصة، وتركت هامشا واسعا في إطلاق العنان لغرائز الانتماء البدائية. وبالتالي فإن كسر أقفال الكتل وتفتيت الولاءات الهامشية، يكون بابتكار مجال انصهاري عام يختزن كل أبعاد وأطياف المجتمع، ولكن يعيد إبداعها في نشأة وجود جديدة. فالجمال لا يصنعه تجاور الألوان، بل ينتجه التمازج والتداخل بينها، ليخلق منها ألوانا جديدة وصور حياة متوترة. 

(*) أستاذ جامعي

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page