رسالة إلى فرنسا

 السيد حسن نصر الله
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 13 نيسان «أبريل» 2005

     فيما أكتب هذا المقال يمر بلدي بفترة زمنية عصيبة محفوفة بالمخاطر، بفعل خليط مركب من الأحداث الداخلية، والتطورات الدولية التي تستدعي جميعها تماسك اللبنانيين وتضامن أصدقائهم في العالم، وفي الطليعة منهم فرنسا، البلد الذي تربطنا به وشائج متنوعة، ثقافية وتاريخية، ومصالح متبادلة، ونظرة متقاربة إلى العديد من المسائل الحضارية والشؤون السياسية الراهنة، وبالطبع آمال كبيرة إلى عالم يسوده الحق والسلام. 

في العام 1982 اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان بذريعة واهية، وبدعم أميركي غير محدود، لتحقيق عدد من الأهداف المختلفة، استراتيجية واقتصادية، واحتلت العاصمة بيروت أمام نظر العالم الذي لم يحرك ساكنا باستثناء بعض التحركات الدبلوماسية المحدودة وبيانات الاستنكار والتعاطف التي لم تكن مجدية، وسقط أثناء ذلك عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، مخلفة دمارا بنيوياً هائلا، نفسيا واجتماعيا واقتصاديا وماديا، ما يزال لبنان واللبنانيون يعانون منه حتى الآن. 

على الأثر هبّ اللبنانيون فرادى ومجموعات من مختلف الاتجاهات لمقاومة الاحتلال ونتائجه رغم انعدام التوازن الميداني والسياسي، وخاضوا على مدى نحو عشرين عاماً طافحة بالدموع والآلام مواجهات ضارية وحربين مدمرتين عامي 1993 و1996، قبل أن ينجحوا في تحقيق انتصار باهر تمثل بإجبار القوات الغازية على الانسحاب من بلدنا، إلا من أراضٍ صغيرة لا تزال قابعة تحت الاحتلال وهي مزارع شبعا اللبنانية. 

شكل “حزب الله” الذراع الضاربة لحركة المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال وعصبها الرئيسي، وتمكن بفعل إرادة اللبنانيين وتضحياتهم ودعم أشقائه وخاصة سوريا وإيران من إنجاز ما بات احد أهم الفصول في تاريخ لبنان الحديث، وكان لفرنسا دور رائد في التوصل إلى “تفاهم نيسان” الذي فتح الباب واسعا أمام حركة المقاومة في الميدان، ومنحها في الوقت نفسه اعترافا دوليا واسع النطاق. 

منذ العام 2000 تاريخ تحرير القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية، ولبنان يتعرض لانتهاكات جوية خطيرة يعجز موضوعيا عن إيقافها، وقد عبرت الأمم المتحدة مرارا عن قلقها منها، ويواصل العديد من المسؤولين الإسرائيليين إطلاق التهديدات المتتالية التي تطال أمن لبنان، وملكيته الحيوية في مياهه، وبناه التحتية التي أنفق أبناؤه الكثير في سبيل إعادة بنائها، فيما تلتزم المقاومة موقفا دفاعيا بحتا عبر الحدود الدولية، وتعمل ضمن استراتيجية الدولة اللبنانية وبالتنسيق مع الجيش اللبناني من أجل ردع أي عدوان إسرائيلي محتمل يلحق افدح الأضرار ببلدنا وشعبنا، ويفتح منطقة الشرق الأوسط برمتها على احتمالات خطيرة. 

يشكل سلاح المقاومة قوة حماية استراتيجية للبنان ليس بإمكانه التخلي عنها تحت أي ضغط أو تهديد، لأن ذلك يجعل لبنان واللبنانيين تحت رحمة النار الإسرائيلية التي أذاقتهم المر طوال عقود، ويفقدهم أي معنى بالحرية والاستقلال وحق التصرف بمستقبل بلدهم وفرص تطوره، ولهذا تجوب الدبلوماسية الإسرائيلية العالم بحثا عن سبيل لوضع “حزب الله” على لائحة الإرهاب وضرب مشروعية المقاومة قانونيا، بدعم صريح من الولايات المتحدة الأميركية التي كانت أول المتجاوبين ومعها بعض أتباعها الاقربين، وبدعم من اللوبي الصهيوني المنتشر في شتى دول العالم مستخدما أدواته المعروفة لا سيما المالية والإعلامية لهذا الغرض، وضمن هذا المسعى المتواصل ولد في مجلس الأمن الدولي القرار 1559 في إطار تسوية كبيرة تمت بين الولايات المتحدة وبين فرنسا، على حساب وطننا الصغير، تقاطعت مع ظروف داخلية بالغة التعقيد، تمثلت ذروتها بالتمديد للرئيس اللبناني إميل لحود لثلاث سنوات إضافية. 

يطالب البند الأول من القرار الدولي 1559 بانسحاب القوات الأجنبية من لبنان، والمقصود ضمنا القوات السورية، وهو البند الذي أسميه بالشق الفرنسي من القرار، فيما يطالب البند الثاني بحل الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها، والمقصود ضمنا المقاومة اللبنانية، وهو ما أسميه بدوري الشق الأميركي من القرار، وبواسطة توليف هذين البندين معا، ولدت تسوية مقطعية للعلاقات الأميركية الفرنسية المتوترة بسبب العراق والنزاعات التجارية المختلفة وقضايا الأمن في أوروبا، لكن هذه التسوية جاءت لمصلحة إسرائيل، وعلى حساب لبنان صديق فرنسا القديم والدائم، الذي وجد نفسه فجأةً في مواجهة مثلثة الأبعاد، العدو الإسرائيلي المتربص بنا عبر الحدود بانتظار نزع سلاح المقاومة، والمجتمع الدولي الذي تديره الولايات المتحدة منفردة في إطار حربها الاستباقية ضد ما تسميه بالإرهاب والتي أدت بها إلى احتلال أفغانستان والعراق، واضطراب داخلي تحت سماء لم تكن صافية أساسا وهذا ما يجدر الاعتراف به. وأياُ يكن الموقف من هذا القرار، فإن الواقعية المجردة تقتضي الاعتراف بأنه بات حقيقة واقعة أحدثت وتحدث اضطرابا هائلا في لبنان والمنطقة، تستفيد منه الولايات المتحدة التي تسعى بقوة لإحكام سيطرتها المنفردة على الشرق الأوسط برمته وعلى إمكاناته وثرواته المتعددة وخاصة في مجال الطاقة.

في الرابع عشر من شباط لهذا العام أودت جريمة مروّعة بحياة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، الرجل الأكثر إثارة للجدل والاهتمام في تاريخ لبنان الحديث من خلال سعيه الدؤوب لخدمة بلده وإعادة اعماره، ولقد اتسمت علاقاتنا معه بالاختلاف تارة والتعاون تارة أخرى في العديد من المسائل الداخلية، قبل ان ينشأ تفاهم عميق تحول لاحقا إلى صداقة شخصية متينة بيني وبينه، وذلك حول القضايا الجوهرية التي تطال أمن لبنان ومستقبل أبنائه، وكنا متفقين تماما حول الحاجة القصوى لبقاء المقاومة كما هي حاليا، أفرادا وسلاحا، جاهزة لردع أي عدوان إسرائيلي محتمل، في اطار الاستراتيجية الدفاعية للدولة اللبنانية، وكنا متفقين تماما على مشروع الدولة الحديثة العادلة التي تضمن لأبنائها الأمن والمساواة وفرص العمل المتكافئة والمستقبل الزاهر بعيدا عن الطائفية البغيضة، وكنا سويا ملتزمين بالتطبيق الكامل لاتفاق الطائف باعتباره العماد السياسي التوافقي لهذا المشروع. 

ذهل اللبنانيون جميعاً للحدث الجلل، وبدلاً من التماسك المطلوب لمواجهة النتائج المترتبة على عملية الاغتيال، حدث تصدع وطني خطير، اصطفت فيه القوى السياسية مقابل بعضها البعض، وجرى استخدام دماء الرئيس رفيق الحريري التي لم تكن قد جفت بعد، في سبيل التحريض والتعبئة الشعبية بشكل لم يسبق له مثيل، وسط اتهامات شديدة الخطورة من دون أدلة أو براهين موثوقة، حمّلت السلطة اللبنانية ومعها سوريا ضمناً مسؤولية الوقوف وراء الجريمة النكراء، مما فتح الباب واسعاً امام التدخل الأجنبي، الذي توافرت له فرصة ذهبية لوضع القرار 1559 موضع التنفيذ الفوري، وتهديد أمن لبنان الدفاعي وجعل استقراره الداخلي في مهب الريح، مما اضطرنا وحلفاءنا إلى النزول بقوة إلى الشارع، من أجل المطالبة بالحقيقة الكاملة غير المنقوصة في جريمة اغتيال الحريري، ومن اجل إرسال رسالة مزدوجة إلى شركائنا في الوطن وإلى العالم، وهناك في ساحة رياض الصلح، حيث تظاهرنا يوم 8 آذار عام 2005، جددنا تمسكنا ولا نزال باتفاقية الطائف، وطالبنا قوى المعارضة المختلفة ان تتداعى إلى طاولة حوار حقيقي وجاد حول جميع القضايا الخلافية دون استثناء، والخضوع لإرادة الشعب اللبناني عبر انتخابات حرة، كما أكدنا على الحاجة الملحة لسلاح المقاومة ما دام الخطر الإسرائيلي عبر حدودنا قائما بالفعل، مرفقاً باستعدادنا للنقاش حول كافة المسائل المصيرية في بلدنا بما فيها قضية المقاومة، وقد عبرنا بالطبع عن رفضنا المطلق للتدخل الخارجي الذي يمس بالسيادة الحقة والحرية الكاملة والاستقلال التام. 

في الثلاثين من نيسان/أبريل الحالي تكون القوات العربية السورية قد أنهت انسحابها من لبنان بعد وجود استمر منذ العام 1976، نجح السوريون خلاله في إيقاف الحرب الأهلية، وتوحيد الجيش اللبناني وإعادة بنائه مع سائر القوى النظامية، وإعادة بناء المؤسسات السياسية، وتمكن اللبنانيون بفضل دعم سوريا الصريح والمتواصل من إجلاء القوات الإسرائيلية المحتلة من لبنان، وهذا ما يقتضي الشكر والعرفان بالجميل، غير ان ذلك ترافق للأسف مع أخطاء ارتكبت من قبل لبنانيين وسوريين في مواقع المسؤولية المختلفة، أشار إليها الرئيس السوري علانية وبشجاعة، وهي أخطاء أساءت إلى العلاقات اللبنانية السورية التي نريدها دائماً مميزةً وممتازة لمصلحة لبنان أولا، ذلك أن سوريا هي درعنا الإستراتيجي في غياب التسوية في المنطقة، وهي رئة لبنان الاقتصادية الوحيدة إلى عمقنا العربي وإلى العالم، ولذلك فإن تطوير هذه العلاقات على أسس موضوعية تتطلع إلى المستقبل وتكفل مصالح البلدين والشعبين يشكل إحدى اهم أولويات اللبنانيين في الفترة القادمة. 

أما وقد بات انسحاب القوات السورية من لبنان وشيكا، وصدر القرار الدولي بتشكيل لجنة تحقيق دولية حول جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وهما مطلبان مهمان للمعارضة في لبنان، فإن علينا أن نتلمس سبلاً للخروج من المأزق الراهن، وإني هنا أجدد الدعوة للقوى السياسية في لبنان لحوار جدي يطال في العمق بناء مستقبل مشرق لأجيالنا القادمة، تحت عناوين ثابتة وهي التمسك بالوحدة الوطنية والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، ورفض غلبة فريق على آخر، ورفض الاحتكام إلى السلاح والعودة إلى الحرب الأهلية، والتمسك بالحرية والديموقراطية، واعتماد نظام انتخاب تمثيلي وعادل، وبناء دولة عصرية تقوم على أسس القانون، ورفض التدخل الخارجي أياً يكن في شؤوننا الداخلية. إن فرنسا البلد الذي نحفظ له نحن “حزب الله” بود كبير دوره الأساسي في إنجاز تفاهم نيسان، وفي إحدى عمليات التبادل الرئيسية للأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، والذي يحفظ له جميع اللبنانيين الصداقة ويتشاطرون معه قيم التسامح والسلام والديموقراطية، مدعو إلى المساهمة في دفع الحوار الوطني والمصالحة الداخلية من موقعه كصديق، بعد أن استفز دوره في القرار 1559 كثيراً من اللبنانيين الذين لا يحبون أن يروا فرنسا أسيرة لهيمنة أميركية متوحشة ومعتدية حتى ولو كانوا يعتقدون ان نظام المصالح الدولية شديد التعقيد في عالم متغير. 

وهنا يجب أن لا يغيب عن بالنا جميعا، أن بلدنا ولأسباب جغرافية وسياسية وثقافية متشعبة يختصر في داخله غالبية القضايا الرئيسية في المنطقة، يؤثر فيها ويتأثر بها، إذ تسبب الاحتلال الأميركي للعراق بالإطاحة بالاستقرار في المنطقة، وأوجد عوامل توتر جديدة من شأنها أن تهدد إيران وتركيا وسوريا جيران العراق، والشعب الفلسطيني يخوض غمار مواجهة مشرفة لتحرير أرضه ونيل حقوقه الكاملة في الحرية والسيادة فيما ترفض إسرائيل تطبيق القرارات الدولية، كما أن إسرائيل لا تزال تحتل الجولان السوري منذ العام 1967، في الوقت الذي تواصل بناء ترسانتها النووية غير عابئة بمطالب المجتمع الدولي، لذلك فإن لبنان لن يكون قادراً على مواجهة التحديات القادمة، ما لم يتماسك أبناؤه متحدين، بيقين كامل أن بلدهم الصغير والجميل يستحق الحياة، وأنهم هم يستحقون وعن جدارة العيش فيه بحرية وكرامة. 

* السيد حسن نصر الله (أمين عام حزب الله)

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page