13 نيسان 1975 – 13 نيسان 2005
كنتَ وكانت حرب

 زينب خليل
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 13 نيسان «أبريل» 2005

     لا طاولة للطعام في البيت. تجلسان على الأرض لتناول صحن “الكبّة”. ابريق الشاي يغلي، تسرعين الى مطبخك الصغير لترفعيه عن النار كي لا يفور الماء ويصبح تنظيف المكان شاقا عليك وانت المنهكة اصلا. 

تأتين بالصينية والأكواب فأنت تعلمين انه مع آخر لقمة من عشائه يجب أن يكون الشاي جاهزا. لا يشربه الا مع سيجارة “جيتان”. يمزمزهما معا. ينفخ دخان سيجارته في وجهك.. تضحكين. أنت لا تشربين السجائر لكنك تشاركينه لذتها. 

لا شرفة للبيت، لا سرير، لا تلفزيون، لا غسالة، لا مرآة حائط. لا. لا غرفة ثانية في المنزل. فقط جدران اربعة وباب يغلق كل مساء على حب ثمل ينهك جسديكما. 

لا سيارة.. لا حساب مصرفيا.. لا ضمان اجتماعيا، لكن حياتكما تستمر. يضيق العيش في “الضيعة” فتشدان الرحيل الى بيروت الى غرفة صغيرة وعمل لك مضن على هامش مدينة لا تعترف بأمثالك. 

وكما في قصص الكادحين الذين يعيشون من فتات المدن، انت تذهب الى عملك صباحا وتبقى هي في الغرفة، تكنس وتجلي وتطبخ وتلاحق “صيصانا” اربعة، دخلوا الى حياتكما في الوقت المستقطع من السعي وراء لقمة العيش. لكنكما تعاودان الكرة وتسرقان من العمر عمرا آخر لتودعها “صوصا” خامسا يشي به بطنها المكور. 

الاولاد يصرخون وهي تصرخ ومذيع الاخبار ينعى بصوته وطنا على حافة الانهيار. مهلا.. نحن في الثمانينيات. ثمة مذياع في البيت لا تتوقف ملاحقه الاخبارية. ثمة حرب وثمة “بيروتان”. صودف انكما في الشطر الغربي منها وصودف انك تعمل “هناك” في الشطر الآخر وعليك ان تجتاز كل يوم حواجز الرعب. هي تدرك ذلك وتلعن كل صباح الحرب وعملك والمدينة. 

هي امرأة لا تعرف القراءة والكتابة. تنتمي لزمن آمن فيه والدها انه من العار ارسال الفيتات الى المدرسة “كي لا تكتب رسائل الغرام”، لكنها أغرمت بك من دون ان تمسك باصبعها قلما. فقط لانها تحسن جيدا فن الاصغاء، صدقتك كما تصدق نشرات الاخبار التي تعرف اين وكيف تستمع اليها. 

صباحا ترسل “صيصانها” الأربعة الى المدرسة وعند اول رصاصة، تحمل بطنها المكور وتركض لتعود بهم الى البيت. في طريق عودتها تحتال على الرصاص وتصمم على انها لن ترسلهم مجددا الى المدرسة. لكنها في اليوم التالي تضعف أمام سحر الكلمة واغراء الورقة البيضاء. هي تريد لصيصانها ان يتعلموا القراءة ويحفظوا الاشعار. 

لن تترك الحرب تنتصر على حلمها. 

أنت في الثامنة والثلاثين من عمرك تريد منزلا بشرفة لتلعب ابنتك البكر على دراجتها ويلاحقها اخوتها صراخا وضجيجا. انت تريد طاولة للطعام تجلس على رأسها. مرآة كبيرة تنظر فيها كل يوم مع امرأتك لتتأكدا من ان العمر لا يجري وان الزمن لا يسابقكما وانكما لا زلتما شابين رغم “الصيصان” الذين سيصبحون خمسة بعد اسابيع قليلة. تنظر الى البطن المكور: “صبي ولاّ بنت”؟ في قرارة نفسك كنت ترغب بالصبي، تريد أخا لصبيك الوحيد. 

ولكننا في العام اربعة وثمانين. لا مكان للاحلام في بيروت. لا مكان لفنجان شاي وسيجارة على شرفة منزل. المدينة الفاقدة عقلها كانت تسير على عكس ما تريد. الحرب ليست حربك ولست طرفا فيها لكنها تلاحقك الى الفراش. 

كنت محبا للحياة تدندن الحانا جميلة، فجأة صارت اخبار الموت المجاني تبكيك. يئست من المدينة ففكرت بالعودة الى القرية، في داخلك شعرت انك ميت لا محالة، وان هذه الحرب صارت قريبة.. على باب غرفتك بالرغم من انك لم تشارك في قرارها. 

كان شباط وكان سبتا اسود، كنت نائما وفي حضنك تغفو طفلة لك مدللة. ما الذي أيقظك؟ سمعت صوتا يناديك “ان امض الى الخارج”. نهضت الى قدرك. رجتك رفيقة الدرب الا تخرج. قلت ان شيئا غريبا يحدث وان عليك ان تخرج لتتفقد الجيران. 

لكنك لم تعرف ان ثمة مقاتلا ارعن فاقدا لإنسانيته؛ مقاتلا أضلّ قضيته كان يتخيل المشهد وينتظر حتى تكتمل فصوله. 

وهو يدخن سيجارة خلف مدفعه سيطلق قذيفة “وهمية” لا وظيفة لها إلا ايقاظك من النوم، ستخرج من غرفتك وسيخرج ناس كثر ليستطلعوا القصة. ستجدون جسما غريبا وانتم الذين لم تحملوا يوما السلاح ولم تختبروا أشكاله. 

في غمرة دهشتكم سيأتيكم جسم غريب آخر يرسله لكم ذلك المقاتل. قذيفة “حقيقية” هذه المرة ، ثوان قليلة وسيتحول المكان الى كومة غبار وستنتشر رائحة الموت. 

ستخرج امرأتك مسرعة من البيت لتبحث عنك. تجر بطنها المكور امامها. ستتعرف الى وجوه جيران لها غارقين في دمائهم.. هذه ريما.. نور.. عصمت.. وأنت.. أين أنت؟ 

ستجدك متكئا الى حائط المبنى. وجهك متبسم. يداك ذابلتان. عيناك تشخصان الى البعيد. 

لم تحاول إيقاظك من غفوتك الأخيرة. لقد علمت انك ستلبسها السواد والحزن ما بقي من عمرها وانك رحلت قبل ان تكمل شراء المنزل وطاولة الطعام وقبل ان يخرج “الصوص” الخامس. لا أدري ان عرفت انه كان صبيا اسمر عنيدا كما تخيلته دوما.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page