عن دور المسلمين الشيعة في لبنان

طراد حماده
جريدة النهار (لبنان)
الجمعة، 22 نيسان «أبريل» 2005

     ألقت الاحداث السياسية اللبنانية، اسئلة عديدة، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، عن مكانة المسلمين الشيعة في حركة هذه الاحداث ودورهم في صناعة الفعل والحراك السياسي اللبناني الراهن. لقد ظهر السؤال عن دور المسلمين الشيعة في حركة المشهد السياسي اللبناني الراهن، كبحث عن دور غائب، او مترقب، لهذا المكوّن الرئيسي من مكونات الشعب اللبناني، والذي لا يكتمل المشهد اللبناني الا بإدخال الوانه الصريحة ضمن أطياف الصورة الجامعة. خاصة ان للمسلمين الشيعة في لبنان، مشاركة طويلة في تاريخ هذا البلد القديم والحديث والمعاصر، وقد لعبوا، في العقود الاخيرة من القرن المنصرم، دوراً بارزاً ومتنامياً. ودفعوا تضحيات عالية من اجل وحدة لبنان وسلمه الاهلي ووفاقه الوطني؛ وتوّجت هذه التضحيات، بتصدي الشيعة مع الطوائف اللبنانية عامة، لواجب تحرير الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الصهيوني. 

كما ساهموا بشكل، او بآخر، باعادة إعمار لبنان بعد الحرب؛ سياسياً وعمرانياً: على المستوى السياسي من خلال اتفاق الطائف، والمشاركة في العملية السياسية للادارة اللبنانية، وكذلك على المستوى العمراني، من خلال مساهمة الطاقات الاجتماعية والاقتصادية في عملية اعادة الاعمار. واذا أمعنّا النظر في التحولات الاجتماعية اللبنانية، وجدنا أن المسلمين الشيعة، كانوا الاكثر استقبالاً وتقبلاً لهذه التحولات مع فاعلية المجتمع المدني؛ وعمق التغيّر الاجتماعي، مما يتلاءم وقيم الحرية والديموقراطية والثقافة المنتجة لهما. 

وعليه، نجد أن المسلمين الشيعة من المساهمين في بناء الحياة الثقافية في لبنان؛ من فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، ونبذ التعصب والاصولية المتشددة، وبث روح الاجتهاد في النص الديني، وتعددية قراءة هذا النص والانفتاح على المذاهب الاخرى، وعلى الحوار بين الاديان، وقبول الرأي الآخر، ونصرة الفلسفة بمعناها القديم والمعاصر؛ والانفتاح على قضايا العصر بما فيها النظرة النقدية للتراث والوقوف الى جانب الابداع لا الاتباع؛ والابتكار لا التكرار والاجتهاد لا السلفية والتقليد. 

وتتمثل هذه الحركة في دور لافت لفئة الشباب؛ إن "حزب الله" على سبيل المثال لا الحصر، حزب يعتمر بروح الشباب ودورهم وفاعليتهم. ولعل الجامعة اللبنانية التي تعتبر جامعة الفقراء من المسلمين الشيعة صورة ناطقة عن حيوية الشباب في القبول على العلم، وتعزيز دور الثقافة والحوار الثقافي بكل أشكاله وميادينه. وفي السياسة يبرز دور الشباب: من رجال الدين ذوي الاعمار الشابة والمتوسطة، الى الفئات الشعبية الاخرى. لقد تراجعت الزعامات التقليدية والعائلية في الطائفة الشيعية عن مراكزها القيادية لمصلحة الفئات الشعبية الشابة، دون ان تفقد، دور التواصل مع الاجيال الجديدة، فيما نجد من دراسة معمقة لزعامات الاحزاب في الطوائف اللبنانية الاخرى، وجوداً بارزاً للزعامات العائلية التقليدية، والزعامات شبه العسكرية التي أنتجتها الحرب الاهلية اللبنانية. لا نقول إن المسلمين الشيعة تخلصوا كلياً من مخلفات حكم امراء الحرب، لكنهم كانوا الاكثر انتاجاً لقيادات جديدة وشابة على وجه الخصوص. إن الاحكام المتسرعة على المقاربات السوسيولوجية والسيكولوجية لتظاهرة ساحة رياض الصلح، لا تقدّم صورة واقعية عن طبيعة المشاركين فيها. لا من زاوية التمايز بين النوعية والكمية، كما هو الامر عند بعض المتخلفين ثقافياً والذين على رغم ارتدائهم كل انواع الملابس العصرية، يعيشون من الناحية الإبستمولوجية (المعرفية) عصر زعامة الاقطاع والنبلاء في القرون الاوروبية الوسطى، ولا النظر من ناحية الكلام الأجوف عن ثقافة الديموقراطية لاشخاص، يتكفل التحليل الفلسفي والنفسي، بالكشف عن المضمر في عقولهم ومخيلتهم عن مفهوم إلغاء الآخر، ونفيه، والنظر اليه باعتباره الجحيم وفق تعبير جان بول سارتر الشهير. 

واذا دققنا في دور المرأة ومساهمتها في الحياة السياسية، والثقافية والاجتماعية نجد عند المسلمين الشيعة، دوراً متنامياً لمشاركتها في السياسة والحياة العامة. إن نظرة بسيطة الى التظاهرات والمسيرات التي نظمها "حزب الله" على سبيل المثال لا الحصر نجد فيها أعداداً مضاعفة من النساء، يرتدين الشادور او يرتدين الجينز لا فرق. لكن دور المرأة في حركة متصاعدة وصريحة، من المنزل الى الجامعة الى مركز العمل. وكذلك ما تعلق بالاقبال على ثقافة العصر، فالمناطق الشيعية مزدهرة بمقاهي الانترنت، ومراكز النشاط الثقافي والاعلامي ومراكز الابحاث والدراسات ومعاهد تعليم اللغات الاجنبية اضافة الى المقاهي الثقافية الجديدة، ودور المرأة ظاهر للعيان، في كل هذه الفاعليات كما في الاعلام الخاص، او الاعلام الوطني العام. لقد راقبت من خلال عملي كاستاذ في الجامعة اللبنانية وتدريسي مادة فلسفة الدين وقضايا معاصرة مستوى الانفتاح عند الطلاب من المسلمين الشيعة على رؤية دينية منفتحة ومتجددة ومتعددة القراءة للنص الديني، وكذلك من خلال إشرافي على مجموعة من رسائل الماجستير في جامعة "آزاد" الاسلامية واطروحات الدكتوراه في "الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية" في لندن، مستوى ما بلغته الثقافة الاسلامية الشيعية من انفتاح وتطور ومتابعة للفلسفات المعاصرة، وعلاقتها بالدين مع رغبة عارمة في معالجة قضايا العلاقة مع الآخر وقبوله والاعتراف به لا نفيه، وكذلك على الحوار بين الحضارات والثقافات والاديان. هذا على المستوى الثقافي بما فيه ثقافة الدين وفلسفته المعاصرة. 

على المستوى السياسي كان المسلمون الشيعة عنصراً من عناصر الفعل من موقع المقاومة والتحرير والمساهمة في تكريس السلم الاهلي واعادة الاعمار في لبنان، والتفاعل مع القضايا العربية والاسلامية من فلسطين الى العراق، والحفاظ على الاستقرار والمنعة وممارسة الديموقراطية وتبادل السلطات بشكل لا مثيل له في ارقى الديموقراطيات العالمية، كما هو الامر في ايران. ان ولاية الفقيه لا تناقض الديموقراطية، وهذا حديث طويل، لنا عودة اليه في مناقشة مع الدكتور وجيه كوثراني وغيره من الذين يخشون التناقض بين ولاية الفقيه والديموقراطية. 

لم يمارس المسلمون الشيعة الارهاب على المستوى العالمي، بل كانوا ضحية كبرى من ضحاياه، وهذا حديث يطول. وكانوا حريصين على الوحدة الاسلامية، من العراق الى لبنان وسيظلون حريصين عليها، وكانوا مبرزين في الدفاع عن قضية فلسطين وشعبها والقدس وحقها على المسلمين، وفي جبهة المقاومة والممانعة لمواجهة كل مشاريع التدخل الاجنبي، من الحرب على العراق الى مشروع الشرق الاوسط الكبير. إن المسلمين الشيعة وجدوا أنفسهم، من موقع الفعل السياسي في نطاق الامة والدفاع عن مصالحها وقيمها في مواجهة طروحات من نوع "الهلال الشيعي"، وضحية لاعمال ارهابية صريحة، كما حصل في مدينة الحلة في العراق وما إستتبعه من اعتذار رسمي من قبل الحكومة الاردنية، بعد حركة الاحتجاج الشعبي الواسع ضد ممارسات مرفوضه من الاسلام والمسلمين، وكذلك من خلال المشاركة الحضارية في الانتخابات العامة. وما أدراك ما واجهوه في سبيلها وسبيل قيامة العراق ووحدته وحريته وطرد الاحتلال الاميركي منه، من تجنيات لا حصر لها ولا عدد. وقد تقبلوا بكل حلم وصبر، في الحاضر ما كانوا قد تحملوا من إجحاف وظلم في الحكم الاستبدادي. لقد قاوم المسلمون الشيعة بفعلهم السياسي، كل انواع الاستبداد، وكل انواع الاحتلال الاجنبي. 

بالعودة الى الاحداث اللبنانية كان المسلمون الشيعة الاكثر هدوءاً في الحملات السياسية والاعلامية الصاخبة التي تفجرت في لبنان بعد قرار التمديد للرئيس اميل لحود. واذا كانوا محسوبين على الموالاة؛ لظروف داخلية معروفة، فإنهم كانوا الاكثر شوقاً لانتخابات لا يخشون من نتائجها. ولم يمنع ذلك من حركة فاعلة لفئات سياسية وثقافية وشبابية من المسلمين الشيعة في صفوف المعارضة، وقد تمثلت سياسة "حزب الله"، وكذلك "حركة أمل" بالدعوة الى الحوار الوطني، على قواعد أضحت معروفة في بيانات سياسية وبرامج تجعل من هذا الحوار المخرج السليم لوأد الفتنة. 

واذا كان الشيعة قد ساهموا في واجب التحرير فإنهم يعملون على مساهمة عقلانية في واجب الوفاق الوطني والسلم الاهلي والحفاظ على اتفاق الطائف، وضرورة الدولة. نعم ضرورة الدولة؛ لا الفراغ الدستوري ولا الذهاب الى ما قبل الحرب الاهلية من اجل تحضير القاعدة الصالحة لانتاج حرب أهلية جديدة. 

وتمسكهم باستقلال لبنان وسيادته يدفعهم الى رفض القرار الدولي 1559. ما تعلق منه بالشق الداخلي لأنهم في موقع الدفاع عن لبنان وحمايته من المطامع الاسرائيلية العدوانية ولأنهم يدافعون عن عروبة لبنان وعلاقته بالعرب والمسلمين وكذلك عن علاقته بسوريا. إن سوريا بالنسبة للبنان التاريخ والجغرافيا والمصالح والقيم والثقافة. وكذلك كان تحالف "حزب الله" مع سوريا، يحمل طابعاً استراتيجياً، عربياً واسلامياً، كما هو الامر مع فلسطين وبقية دول الطوق من مصر الى الاردن وكذلك السعودية وبقية دول الخليج وصولاً الى المغرب العربي وايران الاسلامية، ولم يكن بهدف منافع ومكاسب آتية، ولا نظام أمني متشدد، ولا رافعة للاخطاء بل رافعة للوطن على ما ذهب اليه سماحة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله. 

لا يمكن أحداً أن ينكر ان العقد الاخير في لبنان تمثل بثنائية نصرالله – الحريري المقاومة والاعمار، وكذلك الاستقلال والسيادة والحرية مع بقية الطيف اللبناني في المعارضة والموالاة على السواء. وليس حرص المعارضة على الحوار مع "حزب الله" و"حركة أمل"، وحرص "حزب الله" و"حركة أمل" على الحوار الوطني الجامع الا صورة عن هذا الدور المركزي الوطني. دون أن نستعيد السجال الاعلامي الملتبس حول "الطائفة الغائبة" و"الطائفة المارقة" و"عدم المساهمة في الاستقلال الثاني"، و"رافعة الوجود السوري" ووراثة "الوجود السوري" و"تغطية النظام الأمني" وسوى ذلك من الاقاويل التي لا تغيّر شيئاً من الواقعة الحقيقية والحقيقة الواقعية على ما يذهب فلاسفة الوجود. 

تتذكرون مقولات حرب الالغاء. في ايام الحرب الاهلية المظلمة. ثمة ما يستدعيها بطريقة غير مباشرة في السجال السياسي الراهن للمعارضة والموالاة. القوى الفاعلة عند المسلمين الشيعة تحاول أن لا تكون طرفاً في سجال حرب الالغاء، بل قوة محركة في سجال الحوار الوطني الجامع والاتفاق على الثوابت الوطنية بمشاركة كل القوى السياسية اللبنانية، المؤيدة لسوريا او المعارضة لها، اذا استخدمنا مصطلحات السجال السياسي المشار اليه. وعليه يكون المسلمون الشيعة، في موقع الفعل الوطني الموحد والجامع لا المشارك في التفتت والانقسام وما يجلبه من مخاطر على النظام اللبناني العام ومستقبله السياسي. 

بالنسبة للنظام الامني، المعبّر عنه بتدخل الاجهزة العسكرية في الشؤون السياسية، لقد كان المسلمون الشيعة من أكثر الطوائف اللبنانية تأثراً سلبياً بهذا النظام. لأنه، ومنذ الدور الفاعل للاجهزة الامنية في الحياة السياسية اللبنانية كانت منطقة الجنوب، ذات الاكثرية الشيعية منطقة عسكرية، وكذلك منطقة بعلبك – الهرمل ولا تزال. هل تذكرون دور المستشار العشائري بطرس عبد الساتر، وكيف كانت تدار شؤون منطقة بعلبك – الهرمل من ثكنة أبلح؟ وكيف إضطر المرحوم المقدس السيد محسن الامين الى الاستحصال على إذن عسكري من شرطة بيروت لزيارة بعلبك – الهرمل من أجل اجراء مصالحة عائلية بين عشيرتين متخاصمتين؟ 

هل نحن بحاجة للتذكير، بكل تضحيات أهل الجنوب وكل المشاريع الانمائية التي لم تصل الى منطقة البقاع الشمالي؟ هل ترغبون في زيارة مفاجئة للفقراء في حيّ السلم؟ وهل تذكرون أحداث حي السلم وما أدراك ما أحداث حي السلم؟ هل تعرفون من يدفع ضريبة الحرمان من العلم من خلال وضع اليد على الجامعة اللبنانية؟ هل تذكرون حركة سائقي الفانات والسيارات العمومية من الشباب اللبناني المتروك لمصيره، لا هو قادر على الهجرة – لاسباب معروفة – ولا هو قادر على تأمين الحياة الكريمة في الوطن؟ هل تريدون الاطلاع على مصير الزراعات البديلة، وبرامج الأمم المتحدة للانماء، في منطقة بعلبك – الهرمل؟ هل تحتاجون الى إحصاءات دقيقة لمعرفة عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر، لكنهم يدفعون بأبنائهم الى الجامعات لتحصيل العلم، والى ساحات الجهاد للدفاع عن الوطن والكرامة والحرية والسيادة والاستقلال الحقيقيين؟ هل ترغبون في معرفة من هم الاكثر شوقاً للديموقراطية وتعديل سن الانتخاب لتأمين افضل مشاركة للشباب في صناعة المستقبل السياسي للوطن؟ والذين يتحاورون، بصوت عالٍ، وحرية نادرة؟ 

هل قرأتم في الصحف ووسائل الاعلام، أين يشعر العمال السوريون بالطمأنينة، وهم يشاركون أخوتهم من العمال اللبنانيين تحصيل لقمة العيش في صورة بعيدة عن كل أشكال "العنصرية" والتمايز الاجتماعي والثقافي؟ هل قرأتم عن بائع الكعك اللبناني الذي ظنه المعتدون بائع كعك سوري، لأنهما متشابهان؟ هل إستفاد الشباب الشيعي من الفقراء أكثر مما استفادت بقية الشباب اللبناني، من الوجود السوري؟ لا يستحق هذا الشباب اختصاره بمجرد "العسكر" فيما الآخرون يتجمعون في رحلة او كرنفال. هل يملك "حزب الله" مليون مقاتل من النساء والرجال والاطفال في تظاهرة رياض الصلح؟ او ان الخيال، حين يريد أن يجنح الى التمييز من عقدة الاستعلاء او عقدة "الاستشراف"، يستطيع أن يرسم الصورة التي يشاء. إن الخيال، هو عالم اللامكان، وعالم اللامكان لا حدود له. لكن الواقع هو عالم الوجود، وعالم الوجود متميّز بالحقيقة والخير المحض. وفيه ما فيه من امكان الخيال الخلاق؛ في الثقافة والسياسة على السواء. 

بكلمة واحدة، إن لبنان بالنسبة للمسلمين الشيعة وطن نهائي لا وطن ثانوي. واذا أردنا أن نحدد موقع الشيعة من أزمته الراهنة يجب الانطلاق من هذه الحقيقة الواقعية. ولنشغل الخيال الخلاق من اجل انتاج مشروع واقعي للوحدة الوطنية والوفاق الوطني؛ على قاعدة الحوار وممارسة ثقافة الديموقراطية من اجل قيامة لبنان من جديد. في هذا المكان، يجب البحث عن دور المسلمين الشيعة في لبنان. 
 

* استاذ في الجامعة اللبنانية - وزير الزراعة والعمل الجديد 

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page