معادلات صعبة

عباس بيضون
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 29 نيسان «أبريل» 2005

     شعر حكم البابا بالضيق حين طالعته صورة السيد حسن نصرالله يهدي العميد رستم غزالة بندقية غنمها مقاومو حزب الله في القتال ضد اسرائيل. حكم البابا السوري الذي يعيش في دمشق لم يفهم لماذا استحق قائد المخابرات البندقية التي كلفت بالتأكيد دما غاليا. اما ثمنها الرمزي فهو كل الدم الذي بذل في القتال ضد اسرائيل. لم يفهم السوري لماذا استحق غزالة البندقية وهو الذي لم يخض قتالا ولا حربا. كانت حربه الحقيقة على مواطنيه وشعبه ولم يكن الخطر الذي دفعه سوى الرأي المخالف ولو بالشبهة والفعل المخالف ولو بالنية. احسب ان لبنانيين كثرا سألوا انفسهم ذلك الصباح ما الذي فعله رستم غزالة بلبنان واللبنانيين ليستحق بندقية كهذه قيمتها الرمزية تضحيات الآلاف الذين جادوا بانفسهم ليحرروا بلادهم. ماذا فعل رستم غزالة ليستحق فعلا هدية كهذه هي انتصار شعب وميراث شعب. كان بعض الساسة المصريين يهدون لضيوفهم الاجانب اثارا مصرية عمرها آلاف السنين ووجد بين المثقفين المصريين من طالبهم بالكف عن التصرف في املاك الأمة. احسب ان بين مثقفي لبنان والشيعة وحزب الله من ينتقد ان يهدى نصر تاريخي للمخابرات من اي لون وصنف. لا أشك ان لبنانيين كثيرين ومقاومين كثيرين سألوا سؤال حكم البابا: ماذا فعل رستم غزالة ليستحق ما أهدي له. بل اظن ان كثيرين ذهب سؤالهم الى ابعد فخطر لهم ان من المنطق ان يكون الامر معكوسا فيهدي العميد المغادر بندقية اسرائيلية مغنومة الى سيد المقاومة ورمزها. قد يكون كثيرون تساءلوا كيف تهدى بندقية كهذه الى واحد صنعته الاولى اذلال اللبنانيين، ولكل لبناني نافذ او مؤثر قصة عن ذلك، ثم ان الشبهات التي تحيط بدوره في اغتيال الرئيس الحريري لم تدرأ بعد ولم يقم دليل على براءته منها، ثم ما هي الاخطاء التي اقرّ بها الرئيس الاسد إن لم تكن ما صنعه رستم غزالة وما اقترفه. 

شعر حكم البابا بالضيق كسوري وكان بذلك صادقا. لم تهمه سورية رستم غزالة ولم يجد فيها بالطبع تزكية من اي نوع، بل ان هذه السورية ردته الى مقلب آخر هو جريرة المخابرات على الشعب السوري. المخابرات التي حازت من السيد نصرالله صك براءة وشهادة تزكية لم تنلهما من شعبها وستستقوي بهما على شعبها. لم يسعد حكم البابا ولم يسعد سوريين آخرين كثيرين ان يتطهر غزالة وسواه مما جره على اللبنانيين والسوريين بدماء المقاومة وان يكن ظهيره وحجته دماء الشهداء اللبنانيين والسوريين. 

بعد تظاهرة الشكر لم يعد مستغربا اي شيء. الارجح ان تدابير كتظاهرة الشكر واهداء البندقية لا تناقش فقط في دلالاتها السياسية. نقاش واسع خاض فيه ويخوض كثيرون، لكن ثمة ابعادا اخرى لذلك لنقل انها ثقافية وانسانية، لنقل ايضا ان رمزيتها تتعدى احيانا السياسة ولا تبقى عندها. قامت مظاهرة الشكر في الاتجاه المعاكس، كان دم الحريري لا يزال طريا وكان احرى بكلمة الشكر ان تتوجه هذه الناحية. اما اهداء البندقية لرستم غزالة فهو قسمة ضيزى اذا كان لنا ان نعتمد على العبارة القرآنية. قسمة ضيزى او موازنة مختلة. مهما كان الموقف السياسي لا ميزان بين دماء الشهداء وعمل المخابرات، مهما كان الموقف السياسي لا ميزان بين شبهة قتل الحريري وتكريم من النوع الذي حصل عليه رستم غزالة. لا ميزان بين هذا التكريم وبين مشاعر اغلبية اللبنانيين تجاه غزالة كرمز وكشخص. لنقل ان تدبيرا كهذا لا يناقش في ابعاده فحسب ولكن ايضا في اسلوبه ولغته. 

الارجح ان السجال السياسي ابتلع الابعاد الاخرى لكنها لا تزال مع ذلك باقية، بل مؤلمة وممضة واحسب ان شعور حكم البابا بالضيق، له نظير لدى لبنانيين كثيرين. 

لا يعنيني كثيرا عدد الملتقين في العاملية وقوتهم التمثيلية وكثرتهم وفعاليتهم. فهذه امور على جدارتها لا تمنع امرءا من ان يكون له رأي وان يكون له رد، والمدافعة بالكثرة والغلبة لا تقطع حجة ولا تقيم منطقا. يهمني اكثر ان لا يمنع العدد ولا الكثرة احدا من ان يجاهر بما يظنه صوابا. بل يهمني ان لا يكن بين الملتقين في العاملية كثير من الذين يبحثون فيه عن صدارة من اي نوع وعن موقع يحسب لهم شخصيا. وبكلمة ادق ان لا يكون فيه كثير من الذين تكبدوا عنتاً ليكون لهم اسم على لوائح امل وحزب الله، ولينفذوا من الخلاف او المناقشة بين الجهتين. 

لنقل ان لقاء هوامش شيعية لا يضيرها. بل لربما يزكيها ان نكون هوامش وان تبقى هوامش الى حين. لكن هوامش صلبة لم يرهقها العزل والابعاد والنبذ، فمن المهم للبنان وللشيعة ايضا ان تبقى لدى المثقفين جميعا خميرة الاستقلال الفكري وروح الاقلية المناهضة. 

هذا بطبيعة الحال داع الى الترحيب بلقاء لم أحضره، لكني لا انكر على اهله حقهم في ان يحضروا وببطاقة شيعية ايضا. حقهم في ان يلتقوا ليقولوا ان لهم ايضا صوتا وان الذين لا يهمهم من الشيعة سوى محاورة حزب الله ومفاوضة حزب الله لا يريدونهم ان يوجدوا ولا يظنون ان لهم اصلا وجودا او حقا في وجود. لبنانية هؤلاء المثقفين وهم قوة في الثقافة اللبنانية لا تعني سياسيي المعارضة ولا تدخل في موازينهم. حين يكون الحوار رأسا مع الطوائف لا تزن اقلية مغلوبة ومعزولة. وحين يغيب اي برنامج مواز يؤخذ فيه اللبنانيون من داخل موشور اخر وهيكلية اخرى فان حال هؤلاء المثقفين ستكون، كما ورد في مقال لجوزيف سماحة، حال شبيهة بحال “المسيحيين الوطنيين” في طور آخر. هذه حال بائسة بالتأكيد لكنها ليست زرية ولا مدعاة للسخرية كما قد يخطر لبعض من يحضرهم هذا التشبيه. انها حال مشرفة وستبقى مشرفة ونبيلة، وقد تكون المأثرة الثانية للشيعة بعد التحرير أن افضل مثقفيهم هم هكذا. اذ اننا لا نفكر ان مواطنة حقيقية يمكن ان تنشأ اذا لم يكن خونة الطوائف هؤلاء او خوارج الطوائف هؤلاء خميرتها وبشارتها. 

أرحب بهؤلاء واشكرهم على تضحية لم اكن مستعدا لها. لقد نشأ كثيرون منهم مثلي في شقاق انطولوجي مع جماعتهم وطائفتهم. شقاق هو غالبا واجب الثقافة وقابلتها، على ان هذا البعض لم يكبر على تضحية لم أجد نفسي حاضرا لها، هي ان يتسمى رغم علمانيته وراديكاليته باسم شيعي وان ينضوي في لقاء شيعي. في ذلك درجة من التضييق على الذات وتقديم للظرف والمسؤولية على الموقف الفردي وهذا نوع آخر من الاخلاص يوطن البعض نفسه له ولا يوطن البعض الآخر. الا ان في بقاء الآخرين أيضاً على راديكاليتهم فضيلة ايضا. وأنا أجد في هذا وذاك ما يدعوني الى تحية الجميع والاعتداد باستقلالهم وخروجهم. التقى مثقفون في العاملية، على الرغم منهم او من بعضهم، تحت اسم طائفي، وفعلوا ذلك ليخرجوا من خلط اشنع بينهم وبين الاكثرية الغالبة. فعلوه ليشيروا الى ناحية يفضل محاورو الطوائف ان لا يروها وان لا يتبنوها فهم لا يحمدونها لغيرهم ولا لأنفسهم، الطائفي لا يحترم سوى الطائفي. فالمروق الطائفي ولو باسم الطائفة يظل مروقا في نظر الجميع، اختارت اقلية مثقفة ان تجادل باللغة الوحيدة التي يسمعها الجميع داخل الطائفة وخارجها، كانت هذه “سياسة” اندرجت في سياق لبناني. اندراج كهذا لا يعمّي على أحد طبيعة اللقاء وماهيته. ليس ضروريا لذلك التقرب من الطوائف بمشاكلتها، ما دام هذا الجمع الضئيل لا يفيده في شيء ان يكون له وجه طائفة ومظاهرها. من التشبه بالطوائف التظلل بعباءة عالم جليل احترمه واحمد جرأته واختلافه لكن “الأبوات الروحية” وهي من عواقب التأخر اللبناني الراهن ليست مما يفترض بخونه طوائف اتباعه. 

البيان في بعض جوانبه محمود ايضا. لكن المجتمعين ينسون انهم هامش في طائفتهم وان المبرر الاول لاجتماعهم قول الامور بحرفها وكما لا تقال في ديبلوماسية الطوائف وتخريجاتها اللغوية ولفظيتها السائدة، المبرر الاول لاجتماع شيعي ان يقول ما لا يقال في نادي الطوائف اللبنانية. بذلك يستثمر المجتمعون منبتهم الشيعي ويطيقون في سبيله ان ينضووا تحت اسم شيعي. اما الكلام بديبلوماسية الطوائف فلا يستحق هذا العنت ولا تلك المجازفة. الغريب ان البيان لمّا وصل الى حزب الله وهو بيت القصيد من اللقاء كله، تكلم كما يتكلم وليد جنبلاط او سياسي آخر من هذا الصف. اي بلغة تغلب عليها الغمغمة والتخريج والتضارب الضمني، كلام كهذا مما يقتضيه الظرف والحوار والتقدير السياسي. هذا مفهوم، لكن امرا كهذا من شأن فئة طائفية او سياسية، وأنا اعوذ باللقاء الشيعي ان يعتبر نفسه كذلك، وان يختصر طموحه في ان يكون داخل الشيعة رافدا حزبيا سياسيا صغيرا ومحصورا، سرعان ما ترهقه العزلة ويرهقه اكثر دوران المتسلقين الموصومين حوله ومنه. افضل ما يسع اللقاء الشيعي ان يفعله هو ان يكون تيارا ومنبرا، ان يكون نذيرا ودعوة فحسب، اما التنظيم السياسي فيرده شريحة صغيرة وهامشا بلا جدوى.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page