آلية التسوية: قاعدة الآلية التناسبية

جوزف عيسى
جريدة المستقبل (لبنان)
الأربعاء، 4 أيار «مايو» 2005

     كثر الكلام في الآونة الأخيرة في الأروقة السياسية وبين أقلام باحثين وندوات ناقشت موضوع التمثيل النيابي في لبنان، وتركز البحث حول حجم الدوائر والنظام الانتخابي، غير أن قانون الانتخاب لم يزل موضع خلاف بين القوى السياسية موالية كانت أم معارضة، والاستحقاق الانتخابي يقترب، ولقد التزم دولة رئيس الحكومة إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية، إذ يحكى عن تسوية ما بين أركان السلطة والمعارضة لتمرير الاستحقاق الانتخابي وفق آلية لم يفصح عنها حتى الآن، وإذ بنا نعتبر أن الوقت لم يعد يسمح لوضع قانون انتخابي يتلاءم مع خصوصية البنية المجتمعية اللبنانية، نجد أنه من الضروري أن يكون ضمن برنامج المجلس النيابي الذي سينتخب إقرار قانون للانتخاب، لكي لا يصبح القانون أسير الاستحقاقات الدستورية كما في كل مرة، لذلك نطرح للنقاش على من هم في موقع القرار وقادة الرأي التالي:

إن بين الدائرة الانتخابية والنظام الانتخابي علاقة جدلية تؤثر في صحة التمثيل، فكلما كانت الدائرة كبيرة وجب اعتماد النظام النسبي، وكلما كانت الدائرة صغيرة وجب اعتماد النظام الأكثري، غير أن اعتماد نظام أكثري أم نظام نسبي مرتبط أيضاً بجدلية التوافق والتناسب بين الشرائح المجتمعية والسلطة السياسية، ففي مجتمع ما هناك مناطق جغرافية وشرائح مجتمعية، مناطق (C) (B) (A)... وهناك شرائح (Z) (Y) (X)...(1) "فإذا كان الواقع أن التطابق مؤمن بين الشرائح المجتمعية والدوائر الانتخابية، لا يتعارض ذلك مع التمثيل الأكثري، كأن نقول مثلاً إن شريحة مجتمعية (X) متواجدة في منطقة (A)، أما عندما تكون الشريحة (X) متواجدة في منطقة (A) ومنطقة (B)، والشريحة (Y) متواجدة في منطقة (B) ومنطقة (C)، تصبح المعادلة القائمة على النظام الأكثري غير قادرة على تأمين التمثيل الصحيح.

إن مجتمعاً سياسياً يتشكل من شرائح مجتمعية تتواجد في عدة مناطق، يتواجد في منطقة (A) مثلاً شريحة (X)، ومنطقة (B) شريحة (Y) ومنطقة (C) شريحة (Z) يمكن عندها أن تتحد المناطق طبقاً لهذه الشرائح، ويكون الانتخاب على أساس النظام الأكثري صحيحاً.

إلا أنه عندما يكون الواقع المجتمعي يقوم على معادلة تواجد شرائح مجتمعية غير متجانسة في عدة مناطق، كأن يكون مثلاً في منطقة (A) شرائح (Y) (X) و(Z)... ومنطقة (B) شرائح (Y) و(Z)... ومنطقة (C) شرائح (X) و(Z)... لا نستطيع أن نعتمد على النظام الأكثري، إذ قد تأتي النتيجة أنه في منطقة (A) تفوز شريحة (X) وتتمثل في حين تحرم شريحة (Y) وشريحة (Z) من التمثيل وهكذا دواليك.

الأمر نفسه يحدث إذا اعتمدنا دوائر صغرى أو دوائر كبرى، إلا أن مدى التأثير يتعاظم كلما كبرت الدائرة ويتضاءل كلما صغرت، والامر مرتبط بكيفية التحالفات السياسية، فإذا اعتمدنا الدائرة الفردية (فيها مقعد واحد)، هي منطقة (A) والتي تضم شرائح (Z) (Y) (X)، فماذا تكون النتيجة؟ تسيطر شريحة (X) على شريحتي (Y) و(Z) وذلك بسبب أن شريحة (X) حجمها العددي أكبر من الشريحتين الأخريين.

وإذا اعتمدنا دوائر المنافسة فيها على أكثر من مقعد (مقعدين وما فوق) ماذا تكون النتيجة؟ إذا تحالفت شريحة (Z) مع شريحة (Y) لأن عددهما معاً يساوي أكثر من عدد شريحة (X) منفردة، ما يؤدي الى إقصائها، بالرغم من أن شريحة (X) عددها يساوي أكثر من الشريحتين (Y) و(Z) منفردتين، وهذا ما يصح على الدوائر الكبرى فقد تتحالف شرائح مجتمعية بعددها الأكثري وتقصي شرائح مجتمعية بعددها القليل، أو أن تتحالف شرائح مجتمعية بعددها القليل لتقصي شريحة مجتمعية عددها أكبر من أي من الشرائح المتحالفة.

أما في حال اعتمد الانتخاب النسبي وهو الذي يتوافق مع الدوائر الكبرى، سيؤدي ذلك الى تمثيل صحيح طبقاً للمعادلة التالية، تضم منطقة (A) ومنطقة (B) ومنطقة (C)... في دائرة انتخابية واحدة (كبرى)، فإذا أجرينا العملية الانتخابية ستتم بإحدى احتمالين: إما أن يتشكل لوائح عن كل شريحة مجتمعية متجانسة، أو أن تتحالف شريحتان مع بعضهما مثلاً في لائحة واحدة، فإذا جاءت اللوائح متجانسة، شريحة (X) في لائحة وشريحة (Y) في لائحة وشريحة (Z) في لائحة. فكيف تكون النتيجة؟ تحصل كل من الشرائح الثلاث على نسبة تعادل حجمها الحقيقي، وفي هذه الحال ليس من خطر على إقصاء أي من الشرائح الأخرى، وإذا تحالفت شريحة (X) مع شريحة (Y) لا يمكن إقصاء شريحة (Z)، بحيث ستنال عدداً من المقاعد يتناسب مع حجمها الحقيقي طبقاً لما بينا أعلاه.
 

في الأسباب الموجبة

لما كان الدستور محدداً للوظائف السياسية التي ينبغي أن يؤديها قانون الانتخابات. ولما كان النائب يمثل شريحة مجتمعية غير منفصلة عن الوظائف السياسية المعبر عنها بالدستور، بشكل يؤمن التوازن القائم على معادلة تمثيل الأمة والطائفة والمنطقة، بمعنى أن لا يكون النائب ممثلاً لمنطقة دون مراعاة تمثيله للطائفة وللأمة، أو أن يكون ممثلاً لطائفته دون مراعاة تمثيله للمنطقة وللأمة، أو أن يكون ممثلاً للأمة دون أن يكون ممثلاً لطائفته ومنطقته.

ولما كانت روحية الوظيفة السياسية التي قامت عليها التسوية اللبنانية في الطائف، تؤمن هذا التوافق أو التناسب، التي بموجبها تكون الإرادة الشعبية معبراً عنها في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، تأميناً للعيش المشترك وتفعيلاً لصحة التمثيل، بما يتوافق مع جدلية التناسب، بين العددية الشعبية من جهة، وبينها وبين الحفاظ على حقوق الطوائف والمناطق من جهة ثانية.

ولما كان قانون الانتخاب يفترض أن لا يكون مخالفاً للدستور، بل ينبغي أن يكون متفقاً مع أحكامه، بما يوفر عدالة التمثيل وشرعيته لشتى فئات الشعب ويؤمن المشاركة الفعالة للمواطنين على اختلاف توجهاتهم، وللمجموعات المعترف بها في الدستور، وبما لا يتناقض مع وحدة المجتمع.

ولما كان المجلس النيابي ينبغي أن يكون المؤسسة الحاضنة للشرائح المجتمعية على اختلاف توجهاتها وقواها السياسية، تحقيقاً للاستقرار السياسي وتأميناً لإمكانية ممارسة الشعب سيادته عبر المؤسسات الدستورية.

نجد أن اعتماد آلية انتخابية تسمى الآلية التناسبية، يؤمن صحة التمثيل السياسي تحقيقاً للأبعاد المختلفة المحددة في الدستور، وذلك وفق المعادلة التالية:

ـ تعتمد المحافظة دائرة انتخابية طبقاً لما جاء في وثيقة الوفاق الوطني (بعد إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية).

ـ إذا كان المجلس النيابي يتألف من 128 مقعداً نيابياً، يقسم لبنان الى 128 منطقة، بحيث يصبح لكل منطقة مقعد نيابي، وبشكل يؤمن التناسب بين المناطق من حيث عدد المقترعين في كل منطقة(2).

ـ مكننة العملية الانتخابية، واعتماد البطاقة الانتخابية المرمزة، بمعنى أن تحتوي على رمز للمنطقة ورمز للطائفة ورمز للدائرة الانتخابية.

ـ إشراك المغتربين (المهاجرين) في العملية الانتخابية، وإعطاؤهم حق الانتخاب.

ـ يتم احتساب النتائج بشكل يؤمن التناسب بين المناطق والطوائف والدائرة الانتخابية، وفقاً لما سنبينه أدناه، (في طريقة احتساب النتائج وفقاً للآلية التناسبية).
 

لماذا نعتمد الآلية التناسبية؟

إن الانتخابات هي الوسيلة التي يتحدد بموجبها قياس القوى الفعلية القائمة في المجتمع بما لا يخالف الدستور، بحيث يتم قياس القوى السياسية الحقيقية المنبثقة من الإرادة الشعبية.

ومن أجل ذلك، تعتمد قاعدة تسمى الآلية التناسبية.

تقوم قاعدة الآلية التناسبية على معادلة قياس القوة التمثيلية للمرشح بما يتفق مع أحكام الدستور، بمعنى قياس نسبة تمثيل المرشح للأمة (الدائرة الانتخابية القائمة على الهيئة الناخبة الواحدة)، نسبة تمثيل المرشح للمذهب الذي ينتمي اليه، ونسبة تمثيل المرشح للمنطقة التي ترشح عنها(3)، وذلك من خلال التالي:
ـ قياس نسبة قوة المرشح في الدائرة الانتخابية.
ـ قياس نسبة قوة المرشح في المذهب الذي ينتمي اليه.
ـ قياس نسبة قوة المرشح في المنطقة التي ترشح عنها.

في ضوء ذلك يأتي المجلس النيابي ممثلاً للأمة جمعاء، والنواب كل منهم يمثل شريحة مجتمعية تتناسب مع الحجم الحقيقي للقوى السياسية، في الدوائر الانتخابية وفي المناطق وفي المذاهب.

ففي دائرة انتخابية يتنافس عليها مثلاً ثلاث لوائح (أ) (ب) (ج)، كيف يتم احتساب النتائج ومعرفة من الفائز؟
 

في طريقة احتساب النتائج وفقاً للآلية التناسبية

لنأخذ مثلاً في محافظة الشمال والتي تضم 28 مقعداً موزعين على الشكل التالي: 11 للسنة، 9 للموارنة، 6 للأرثوذكس، 2 للعلويين، ويتم توزيع المقاعد على المناطق (مقعد لكل منطقة)، بعد إعادة النظر بتقسيمها.

لنفترض أنه تنافست ثلاث لوائح في محافظة الشمال، لائحة (أ) لائحة (ب) ولائحة (ج)، واقترع 252350 ناخباً، وجاءت النتيجة على الشكل التالي: حصلت اللائحة (أ) على 82031 صوتاً، وحصلت اللائحة (ب) على 110000 صوت، وحصلت اللائحة (ج) على 60319 صوتاً، فكيف تحتسب النتيجة؟

لاحتساب النتيجة ومعرفة من هم الفائزون علينا أن نمر بعدة مراحل حسابية.

أولاً علينا معرفة النسبة المئوية لكل لائحة:
اللائحة (أ) 82031*100/252350= 32.5
اللائحة (ب) 110000*100/252350=43.5
اللائحة( ج) 60319*100 252350= 23.9

ثانياً علينا معرفة عدد المقاعد التي حصلت عليها كل لائحة:
اللائحة (أ) 28*32.5/100 =9.1
اللائحة (ب) 28*43.5/100 = 12.18
اللائحة (ج) 28*23.9/100 = 6.692

فإذا جمعنا 9+12+6=27 يبقى مقعد يعطى للائحة (ج) صاحبة الكسر الأكبر.

تحصل اللائحة (أ) على 9 مقاعد واللائحة (ب) على 12 مقعداً واللائحة (ج) على 6+1=7 مقاعد.

ثالثاً علينا معرفة قوة كل مرشح في الدائرة الانتخابية وفي المذهب الذي ينتمي اليه وفي المنطقة التي ترشح عنها، تحتسب نتيجة كل مرشح على الشكل التالي:

أ ـ مجموع ما حصلت عليه اللائحة مقسوم على عدد المرشحين في اللائحة، بمعنى أنه إذا كانت اللائحة مكتملة تقسم النتيجة على 28 (عدد المقاعد المخصص للدائرة)، وإذا كانت اللائحة غير مكتملة، 19 مثلاً، تقسم النتيجة على 19 (عدد المرشحين في اللائحة) (4) ويتم الاحتساب على الشكل التالي: نأخذ مثلا من اللائحة (أ)

82031/28=2929.6785 صوتاً، معدل قوة المرشح في لائحته (الدائرة الانتخابية).

ب ـ مجموع ما حصل عليه المرشح في مذهبه مقسوم على عدد المقاعد المخصصة للمذهب في اللائحة، فلو أن مرشحاً مارونياً في دائرة الشمال، في لائحة مكتملة تضم 9 مقاعد للموارنة، يتم قسمة ما حصلت عليه اللائحة من المذهب الماروني على 9، ويتم الاحتساب على الشكل التالي: تبين أنه في اللائحة (أ) انتخب 25000 ناخب ماروني.

25000/9=2777.777 صوتاً، معدل قوة المرشح في المذهب الذي ينتمي اليه.

ج ـ مجموع ما حصل عليه المرشح في المنطقة المرشح عنها، لنفترض أنه حصل على 3500 صوت، قوة المرشح في منطقته.

رابعاً علينا معرفة من الفائز، قياساً على ما حصل عليه كل مرشح، وذلك باحتساب مجموع، معدل قوة المرشح في لائحته، ومعدل قوة المرشح في طائفته، ومعدل قوة المرشح في المنطقة التي يترشح عنها، وتكون النتيجة على الشكل التالي: 2929.6785+2777.777+ 3500=9207.4562 معدل قوة المرشح في اللائحة (أ). قد يحدث أن لا تتوافق النتيجة بين النسبة المئوية لكل لائحة وبين نسبة معدل ما حصل عليه المرشحون، عندها يتم اعتماد الطريقة التالية: البدء بالمرشح الذي حصل على المعدل الأكبر مع التقيد بالتوزيع المذهبي والمناطقي والنسبة المئوية لكل لائحة.

وهكذا يتأمن التناسب بين السلطة وبين المجتمع من خلال تأمين صحة التمثيل للقوى السياسية الفعلية. لقد حصلنا على نسبة القوى السياسية الحقيقية في الدائرة الانتخابية من خلال قياس النسبة المئوية لكل لائحة، وحصلنا على نسبة القوى السياسية الحقيقية في المناطق من خلال ما حصل عليه المرشحون في كل منطقة.

في هذه القاعدة، لا يستطيع المرشح أن يصل الى المجلس ما لم يؤمن حضوراً سياسياً حقيقياً في منطقته وفي مذهبه وفي الدائرة الانتخابية، هذا الأمر يؤمن تمثيلاً متوازناً حيث يمنع وصول المتطرفين من جهة، ويمنع وصول مرشحين ليسوا على علاقة بمناطقهم ومذاهبهم من جهة ثانية، الأمر الذي يؤمن صحة التمثيل مع الحفاظ على وحدة الأرض والشعب والمؤسسات.

قد يعتبر البعض أن هذه الطريقة القائمة على "الآلية التناسبية" معقدة، إلا أن بنية لبنان المجتمعية هي بنية غير متجانسة مركبة ومعقدة في آن، والفلسفة الوفاقية التي تقوم عليها التسوية اللبنانية تتطلب طريقة تتناسب مع الواقع المجتمعي، ففي مجتمع متجانس وبسيط يعتمد قانون بسيط، وفي مجتمع غير متجانس مركب ومعقد يعتمد قانون مركب ومعقد، إنها الخصوصية اللبنانية.

(1) إن مناطق (C) (B) (A)... يمكن أن تكون الدوائر الانتخابية في لبنان، كما أن الشرائح (Z) (Y) (X)... يمكن أن تكون طوائف طبقات، قوى سياسية...

(2) ليس المقصود أن يكون الرقم متساوياً مائة بالمائة، ولكن أن يكون الرقم متقارباً ما أمكن، بحيث لا تكون منطقة تضم 20000 ناخب وأخرى 10000، وأن يتم التناسب ما أمكن بين المناطق في الدائرة الانتخابية الواحدة، ("نسبياً" بين المناطق المادة 24 من الدستور).

(3) الجدير بالملاحظة أن هذه "الآلية التناسبية" تصلح لأن يكون لبنان دائرة انتخابية واحدة في مرحلة لاحقة ـ إذا ما انتظمت الحياة السياسية في أحزاب، وإذا ما تم الاتفاق على ذلك من قبل اللبنانيين ـ وتصلح لأن يشترك المغتربون في العملية الانتخابية، في السفارات اللبنانية (من خلال البطاقة الانتخابية المرمزة).

(4) في الحالتين (اللائحة مكتملة أو اللائحة غير مكتملة) لا يجوز أن تضم اللائحة الواحدة مرشحين يتخطى عددهم النصاب المعمول به في المناطق والمذاهب.
  

(*) باحث سياسي

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page