لائحة الجنوب.. تجاوز تعسفي للتاريخ

حسين أيوب
جريدة السفير (لبنان)
الإثنين، 16 أيار «مايو» 2005

     عندما شكّل نبيه بري اللائحة “المحدلة” في العام 1992، قررت أن أقاطع الانتخابات النيابية جنوباً. قيل لي يومها “ولكن، على الاقل ، صوّت لعزيزنا “الاستاذ حبيب صادق”. أجبت “هذا سبب إضافي للمقاطعة”. كان شعوراً سيئاً أن يستجدي اليسار والحزب الشيوعي اللبناني تحديداً مقعداً انتخابياً. شعور ولّده الوعي بأن حسابات من اختاروا “الاستاذ حبيب” لم تكن بالضرورة وطنية، “بل انتخابية جنوبية بحتة”. كانت البطن الجنوبية غير مختبرة انتخابياً منذ العام 1972. ولعل العالق في ذاكرة اللاعبين الجدد هو “البعبع الاسعدي”، ومن قبيل التحوط، كان لا بد من هذا الائتلاف المحدلة ولو تحت عنوان “وحدة لبنان”. كان ذلك حافزاَ لي، وربما لآخرين، للمقاطعة. 

كرت السبحة، وبقيت “قاصراً” بالمعنى السياسي، فلم أمارس “حقي الانتخابي” منذ ذلك الحين، لا في الانتخابات النيابية ولا البلدية. حتى انني لم أكلف نفسي عناء الحصول على بطاقة انتخابية حتى الآن. 

فكرت، هذه السنة، للمرة الاولى، بالمشاركة في الانتخابات. مبرر التصالح مع الفكرة، أمران اثنان، أولهما قول السيد حسن نصر الله، في يوم من الايام، ان البرلمان الآتي هو سياسي بامتياز وربما سيحدد مستقبل لبنان لعقود طويلة. السبب الآخر، هو ذلك الحراك الكبير الذي شهده البلد في الأشهر الماضية. لقد ولد لديّ أمل للمرة الاولى منذ سنوات طويلة، أنه صار بمقدور اللبناني أن يشارك في الانتخابات من دون أن يملي عليه أحد خياراته، بالترغيب أو الترهيب. 

ولأنني ولدت وترعرعت في بيت وعائلة وقرية وبيئة مقاومة، صرت اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أكثر انحيازاً للمقاومة بما هي فعل تحرري لصالح الارض والناس. هل يعقل أن أفرط بالورقة الوحيدة أو الخيار المستقبلي الاساس من أجل حماية بلدي؟ فكرت بأن أستخدم هذه البطاقة التي أكاد أملكها لدعم قناعتي. أن أحمل الى صندوق الاقتراع ورقة صغيرة مشاركة مني في هذا “الحق الانتخابي”. 

معادلتي هي الآتية: مهما كان القانون الانتخابي، وطالما أن النسبية الانسب مؤجلة، فإن المنطق السياسي لا الانتخابي، المنطق المستقبلي لا الظرفي، يقول بأن تبادر القوى السياسية الجنوبية الى وضع معيار أوحد للائحة الائتلافية: “حماية المقاومة لبنان”، فتكون البداية كتلة من الجنوب تتمدد باتجاه كل الوطن حاملة العنوان نفسه. وصادف ان كلاً من الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصر الله قد تناوبا في الشهور السياسية الاخيرة على التقدم، أقله نظرياً، الى حيث لم يتقدم أحد من قبلهما. ان يتحدثا علناً وفي مجالسهما الخاصة عن الحزب الشيوعي اللبناني “كضرورة وطنية”. حتى ان هناك من قال، انه بعد رفع اليد أو الوصاية السورية، صارت صناعة اللوائح لبنانية مئة بالمئة، فماذا يضير لو انضم أهل اليسار الى اللائحة الجنوبية. حتماً في ذلك إضافة حقيقية لكل من “حزب الله” و”أمل” ولمن معهما وللجنوب والمقاومة والمجلس النيابي ولبنان. 

لقد ظن الكثيرون ان السيد نصر الله عندما يقول انه في ظل التحديات الآتية على لبنان، تصبح الحسابات مختلفة، أي يصبح نقصان مقعد لهذا الطرف أو ذاك، لهذه العائلة أو تلك، أمراً تفصيلياً أمام ضرورة اتساع المشهد وشموله قوى صاحبة مصلحة حقيقية في حماية فعل المقاومة ومواجهة الرياح الآتية من الغرب، من ما وراء الأطلسي تحديداً. ثم هل يمكن لأي تحالف ائتلافي جنوبي حقيقي عصبه الاساس حماية المقاومة، أن يجد أجدر من الشيوعيين وأهل اليسار، ليكونوا جزءاً منه، لما يمثلونه، في ساحة المقاومة، من قيمة وازنة في التاريخ والحاضر وربما المستقبل، والتضحيات والشواهد كثيرة ترويها الالسن والبيوت الجنوبية. 

أما وقد أعلنت اللائحة الائتلافية، وتباهى كل من “حزب الله” وحركة “أمل” ب”مروحتهما الائتلافية”، فقد شعرت بأن البعض مصر على قراءة التاريخ خطأ، وربما يتوغل في الحاضر والمستقبل، بالخطأ نفسه. وتبقى العبرة في سلوك اليساريين أنفسهم، وفي قدرتهم على تقديم بديل موحد أو تظهير مشهد مضيء قادر على إحداث خرق سياسي غير ظرفي في الساحة الجنوبية. 

حبذا لو يتحد يساريو الجنوب ولبنان ويتجاوزون خلافاتهم التقليدية. فهل يعقل أن يتباهوا بديموقراطيتهم وانفتاحهم وهم يرفضون الجلوس الى طاولة واحدة، فيما لا يستثنون من “ديموقراطيتهم” قوى ورموزاً سياسية وطائفية طالما تخاصموا معها؟ 

وباستثناء “حزب الله” قوة راجحة جنوباً، فإن الكثيرين من المتصدرين والمحتكرين مقاعده اليوم، هم مجرد أسماء وبعضها مجرد إضافات من نوع لزوم ما لا يلزم وبعضها الآخر يحصي تراجع نفوذه المتهالك وبعضها مجرد ديكورات. ويمكن في هذا السياق سرد أسماء كثيرة بلا صفة تمثيلية حقيقية ولكن اللياقة الادبية تقتضي عدم التسمية. والخلاصة ان هؤلاء لا يمثلون في الجنوب أكثر من انفسهم، فلماذا يصبحون “ضرورة وطنية لوحدة لبنان”، بينما يستمر التعامل مع اليسار حالة سياسية اجتماعية منبوذة؟ 

لو فكر “حزب الله” جيداً، لاستطاع بحسابات مختلفة أن يكون صاحب كتلة نيابية عريضة، من كل مناطق لبنان وطوائفه، أولويتها حماية لبنان في مواجهة الآتي من “أجندات”، أما وقد قرر المضي بلا تعديل، في ساحته قبل أن يجعل الآخرين يعدلون في حساباتهم، فإن الغيارى على المقاومة، سيكونون بحساباتهم، غير المعطوفة على حسابات ضيقة، دينية أو فئوية، غير المعطوفة على الدنيا أو الآخرة، انما على التضحية البلا مقابل، هم أهل المقاومة الاصيلون والبرهان هو الآتي من أيام، ورحم الله أناساً لا يستعيدون بين فترة وأخرى تجربة تعاطي البرلمان اللبناني مع اتفاق السابع عشر من أيار! 

من يقنعنا بحيثية أن مقاومة تبحث عن ضرورة توسيع قاعدة مشروعيتها اللبنانية، يقرر حزبها الطليعي اليوم اعتماد وسائل من زمن إقصاء غابر، وسائل تنتقص من مشروعية المقاومة لا من مشروعية وشرعية الآخرين حتى ولو كانوا لا يملكون مشروعا بديلا حتى الآن؟ 

مرة جديدة، هناك من يفوّت فرصة المصالحة بين مقاومة الامس واليوم والغد. هناك تاريخ يحفظ الاسماء والاشياء. هناك ناس يمعنون في صناعة الحاضر. وهناك غد ينتظر ليراكم. فلماذا هذا التجاوز التعسفي للتاريخ؟

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

 

Main Page