"حزب اللـه" وحسابات الانتخابات وما بعدها

ابرهيم بيرم
جريدة النهار (لبنان)
الإثنين، 16 أيار «مايو» 2005

     تدور في الكواليس السياسية رواية مفادها ان احد الصحافيين والمنظرين السياسيين الذين يكنون تقديراً لـ"حزب الله" زار في المدة الاخيرة الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله، وعلى مدى اكثر من نصف ساعة بسط الصحافي رؤية طويلة عريضة عن خريطة الوضع في المنطقة والعالم، خصوصاً في اعقاب التطورات الدراماتيكية التي برزت اثر صدور قرار مجلس الامن رقم 1559 واغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. 

واسهب الرجل نوعاً ما في الحديث عما يحمله هذا المستجد من اخطار على المقاومة وسلاحها في الجنوب، مما قد يفضي الى واقع داخلي واقليمي معقد، يصعب معه على الحزب الدفاع عن هذا السلاح المشهور منذ نحو 20 عاماً، وبالتالي يفرض عليه القاءه طوعاً او قسراً. 

وعندما انتهى الصحافي من العرض الذي جهد في التحضير له وجمع عناصره، اجاب السيد نصرالله بايجاز انه يدرك هذه الاخطار جميعها "ونعلم علم اليقين ابعادها والمشاركين فيها، لكننا لن نفرط بسلاحنا ولن نلقيه، واذا ما اشتدت الضغوط علينا فاننا سنوجه الصواريخ التي نملكها، والتي يعتقدون ان عددها نحو 12 الف صاروخ، باتجاه الشمال الاسرائيلي، ونحن على ثقة بأننا سننزل ضربة موجعة باسرائيل واننا سنحرق جزءاً كبيراً منها، وليكن بعدها ما يكون! 

جوهر هذا الكلام يعكس حقيقة أساسية وهي ان الحزب لم يدخل بعد دائرة التفكير والعمل على اساس ان اوان تجريده من السلاح قد حان، وان علية تطويع نفسه وقواعده وجمهوره، لدخول معترك العمل السياسي من دون الرافعة التي اوجدت له هذه المكانة، واوصلته الى هذه المرتبة. 

وعليه لم يكن غريباً، ان يتوجه الحزب الى معركة "الانتخابات النيابية، هذه المرة مجدداً تحالفه مع الرئيس نبيه بري" والسير تحت عباءته مع جموع تلك القوى والشخصيات الدائرة في فلكه، بقيمة مضافة، وهي حصوله على مقعد نيابي جديد في صور، شغر بوفاة صاحبه. 

فالمبررات التي قادت الحزب في الدورات السابقة، الى سلوك المسلك عينه، ما برحت موجودة، وفي مقدمها الحفاظ على بندقية المقاومة، ونسج كل التحالفات على اساس تأمين شبكة امان لها. 

وقد انضاف اليها في المدة الاخيرة عامل مستجد، هو التطورات الدراماتيكية بعد اغتيال الرئيس الحريري، والتي وضعت هذه البندقية على المشرحة واستطراداً جعل الطائفة الشيعية في موقع المحاصر. 

لذا، لم يكن الحزب مضطراً هذه المرة الى ان يبذل الجهود، لاقناع قاعدته وجمهوره بهذه العودة الى اطار التحالف اياه، فالمقدمات المعلنة والمضمرة داخل الحزب بدأت تنتشر منذ زمن. 

فقبل مدة قصيرة، زار وفد من الفاعليات الجنوبية المستقلة، أو الخارجة من حركة "أمل" احد كبار قادة الحزب، وبعد حوار وجدل استمر نحو 3 ساعات، خرج الزوار بانطباع جلي، مفاده ان الحزب ليس في وارد تطوير تحالفاته والخروج عن خطابه ودوره رغم كل التطورات. 

وافهم القيادي الحضور، ان الحزب يحاذر امرين هما انه لا يفكر بالاستئثار منفرداً بادارة زمام الساحة الشيعية، وعليه لن يفك ارتباطه ببري، وانه لا يعتزم ايجاد اطر تكون واجهة له للعلاقة مع الآخر، الذي لا يريد الدخول في نسيج الحزب او الانضواء في خلاياه. 

وبذا يكون هذا القيادي قد اقر بأزمة مزمنة في الحزب، وهي انقطاع جسور التواصل مع من هم من خارجه، ان كانوا افراداً او شرائح او مجموعات. 

هذا في المعلن، اما في المضمر، فالحزب له مع عناصره وكوادره، تبرير آخر وتفسير مختلف لهذا التحالف مع حركة "أمل" الذي يتجدد مرة كل 4 اعوام، وينفرط عقده في الانتخابات البلدية والاختيارية ليضحي صراعاً حقيقياً تزج فيه الاسلحة السياسية وتجرد من خلاله الحملات الاعلامية، وتبذل جهود استثنائية كي لا تقع الواقعة. 

والمفارقة الزائدة في الامر، ان الحزب يقنع بحصة للرئيس بري ولحركته، لا تتناسب مع واقع حضوره على الارض وحقيقة حجمه الشعبي. 

ثمة تحليلان تتداولهما قواعد الحزب، اولهما ان قيادة الحزب مضطرة الى سلوك هذا المسلك الملتبس في العلاقة مع بري، لسببين اولهما "اتقاء شره" وثانيهما ان الرجل مع تنظيمه بات في وضع شبيه بوضع الدولة العثمانية في نهاية عمرها المديد، وبالتالي ان فكرة الانتظار والرهان على عامل الوقت ليست بعيدة عن عقل الحزب. 

في كل الاحوال ثمة في الحزب من بدأ يبدي اعجاباً باداء الرئيس بري ابان الاسابيع الماضية، ويعتبر ان وجوده بات ضرورة لانه يعي احابيل اللعبة الداخلية يعرف النطق بلسانها، ويدرك مفرداتها. 

ومما لا شك فيه، ان الحزب بدا منذ زمن يسير، التفكير ملياً باسترداد "وديعة" كان محضها لبري، عندما لم ينافسه طوال الاعوام الماضية على الحصص الشيعية في الدولة مكتفياً منه بالمقابل، بتقديم الغطاء السياسي اللازم.وفي اطار هذا التفكير كانت مبادرة الحزب في تزكية قريب منه او محسوب عليه لعضوية الحكومة وكان ذلك مؤشراً بيّنا الى ان الحزب تخلى عن تعففه السابق عن التمثل بالحكومة، وبدأ "بروفة" جديدة في علاقته بالعمل الوزاري، وسيترتب على الشيء مقتضاه لاحقا، وان كانت البداية غير مشجعة. 

صحيح ان الحزب لم يكن مضطرا لبذل جهود غير عادية لتبرير تحالفه الانتخابي في الجنوب مع القوى نفسها، لكنه كان، وفق معلومات، مضطرا الى بذل جهود لتسويق مرشحيه هو، الجدد والقدامى منهم. 

فالحسابات والمعايير التي أملت على قيادة الحزب تسمية اشخاص بعينهم، ليحلوا محل آخرين، ما برحت ملتبسة بالنسبة الى قواعد الحزب وان كانت هذه القواعد قد تعودت تقبل ما ينزل من القمة من دون مناقشة لانها تعودت التزام التكليفات وعدم التمرد عليها. ولكن ذلك على بداهته وبلاغته، لم يحل دون أمرين الاول بروز كلام داخلي يسجل ملاحظات على الاسماء المطروحة للنيابة وكون بعضها مجهولا او أتى من منابت عسكرية وأمنية والثاني ان قياديين ومنظرين في الحزب أصيبوا بما يشبه الصدمة لان اسماءهم ترددت مرارا في بازار الاسماء المرشحة داخل الحزب وخارجه. 

وثمة معلومات تشير الى ان محاولات بذلتها قواعد حزبية، خصوصا في بنت جيبل، لابلاغ قيادة الحزب في الجنوب اعتراضها على مرشحين معينين، لكن القيادة رفضت تحديد موعد لبحث الامر باعتبار انه مفروغ منه. وثمة من يتوقع ان يكون الامر أكثر تعقيدا في ترشيحات البقاع حيث يدور حديث عن امكان الاستعانة بشخصيات صديقة للحزب او دائرة في فلكه، اذا اقتضى الامر. 

ولكن ماذا عن حسابات الحزب لمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية؟ لا ريب ان درجة القلق لدى الحزب قد تراجعت، لانه بات يدرك انه والرئيس بري سيكوّن كتلة من أكبر ثلاث كتل نيابية باقية في مجلس النواب المقبل. وبالتالي سيكون الامر عبارة عن نحو 80 نائبا (في حسابات معينة). ولكن السؤال هل سيكون تفكير الكتلتين الكبيرتين، وحساباتهما متقاربة مع تفكيره وحساباته؟ 

الثابت ان الحزب يعد نفسه حليفا لرمزي هاتين الكتلتين وهو مطمئن أكثر ما يكون الى قوته الذاتية والى التفاف الطائفة الشيعية حوله، وهما بالنسبة اليه ضمانه الكبير حتى الآن، كما انه يستبطن اطمئنانا آخر الى ان "التحالف" الذي برز في اعقاب اغتيال الحريري قد انفرط عقده.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page