جدل غير بيزنطي بين الحفاة والعقارب
نعم ولا ... لسلاح المقاومة!

 نصري الصايغ
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 25 أيار «مايو» 2005

الحدود كما بدت في أيار 2000

     الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد الأوروبي، ال1559، إسرائيل، لبنانيون من شرائح وطوائف، يطالبون بنزع سلاح الميليشيات (سلاح المقاومة). ليس في هذا غموض، الوضوح سمة هذه الرغبات/ المطالب/ القرارات، وتأجيل البت بآليات تنفيذ هذا المطلب، وتمويهه عبر لبننته، أو تغطيته، بحوار داخلي، أو نقله من مستوى متفجر، الى كواليس الإقناع القسري، لا يلغي ما يلي: المطلوب، للتنفيذ، نزع سلاح المقاومة الإسلامية في لبنان، وإقفال ملف فلسطين في لبنان، الى الأبد. 

السؤال: هل للبنان مصلحة في استبقاء هذا السلاح، أم أن مصلحته، وسط الضغوط الدولية، الغربية، الإسرائيلية، اللبنانية (للبعض طبعا) أن يتخلى عن هذا السلاح، والاعتماد في مسيرته القادمة، على شبكة أمان واستقرار، توفرها هذه القوى بالذات؟ 

الاستطراد ضروري قبل محاولة الإجابة: 

لا يذكر التاريخ القديم ولا يفصح التاريخ الحديث، أن السلام دائم، وأن السلام مضمون، وأن السلام ترعاه المواثيق. محاولات البشرية الدؤوبة، لقتل الحرب، باءت بالفشل. السلام نادر الوجود. الحرب لا عمر لها، إنها خالدة، ولن تموت إلا بموت البشرية. 

الأرقام تفصح عن قاعدة: بين العام 1496 ق.م. والعام 1861م عرفت البشرية سلاما لمدة 270 عاما فقط، فيما عاشت 14542 حربا لفترة 3130 سنة. بمعدل 13 سنة حرب مقابل سنة سلام. وما بين عام 1945 حتى الحرب العراقية الإيرانية (1980) وقع 127 نزاعا مسلحا. (أندريه فونتين. لوموند. 11 أوكتوبر 1980). 

لماذا؟ 
الأسباب والتبريرات متوافرة دائما، ولا حاجة الى بذل جهد كبير. (ماكس بانز دي فليت). 

الهدف؟ 
كل كيان يحتاج الى أمن. والأمن يلزمه تسلح. لا نجد قولاً أو موقفاً عملياً ينفي هذا المطلب. كارتر: “الضمانة الأكثر دواماً للسلام، هي القوة المسلحة”. إيزنهاور وتشرشل: “نتقدم الى السلام الدائم عبر خفض حجم التسلح، ولبلوغ ذلك، علينا تطوير قوانا المسلحة”. أتشسون: “علينا في الوقت نفسه، بناء قوتنا المسلحة من أجل السلام”... “ولكي نحافظ على السلام نحن بحاجة الى جيش قوي”. 

فالحرب والسلام وجهان لقضية واحدة. فلكي تحصل على السلام عليك أن تستعد للحرب. وعندما تحارب فإنك تتطلع الى السلام. وهكذا دواليك، منذ قايين الأول، الى قايين العصر، في كل عصر. وعليه، فإن الطريقة الفضلى لنزع الأسلحة، هي في زيادة التسلح، والطريقة الأسلم لبناء السلام، هي أن تمارس الحرب. 
 

بوانكاريه: الويل للضعفاء

نعود إلى السؤال: سلاح المقاومة، شر لا بد منه، أم فضيلة يلزم الحفاظ عليها، أم هو رجس سياسي يلزم اجتنابه؟ 

لا يذكر التاريخ أبدا، أن دولة، أو مقاومة، أو ثورة، سلمت أوراق قوتها، وتحديدا سلاحها، قبل بلوغ الغايات التالية: إما هزيمة العدو، إما التوقيع على سلام، وإما تسوية متينة مع ضمانات. وحده المستسلم، يسلّم سلاحه، ويُجرَّد من قواه، تفرض عليه شروط وسقوف ومراقبة. 

لا يذكر التاريخ أبداً، أن دولة أو مقاومة أو ثورة، لم تزد من حجم تسلحها، وبناء قوتها العسكرية بعد السلام. يذكر الكاتب جان بيكوت في كتابه (Les Saigneurs de la guerre) أن حجم الإنفاق العسكري، في كل الدول، بما فيها دول العالم الثالث الفقيرة، يفوق الإنفاق على الصحة والتعليم وال... وهو يتزايد باطراد، ومعظم الديون متأتية من “التنمية المستدامة” للقوات المسلحة. 

ويذكر جان كريستوف روفان في مؤلفه (L'Empire et les nouvaux barbares) أنه كان من المتوقع، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، واختفاء حلف وارسو، أن ينخفض حجم الإنفاق العسكري لدى دول حلف الأطلسي. غريب. القاعدة لا شذوذ عنها، أميركا وحدها، تفوقت في إنفاقها، على خمس دول صناعية كبرى بما فيها الصين. 

إذا كانت هذه هي الطريق التي سنتها البشرية خلال مسيرتها، فلماذا يشذ لبنان وقد بات قوياً وممتنعاً عن هذه القاعدة. فلم يهزم العدو الإسرائيلي بعد. لقد انسحب. وبين لبنان وإسرائيل خط أزرق يُخترق. إضافة الى أن إسرائيل تعتبر أنها من أكثر الدول إنفاقا على المجهود العسكري. وهي ثكنة لا تشبع سلاحاً، ولا تتوقف عن إنتاجه وتذخيره. لا بل إنها دولة عسكرية. وصاحبة تفوق تكنولوجي ساحق. ومعاهدها الاستراتيجية تطلق تحذيرات حول نقص في التجهيز والتطوير، براً وبحراً وجواً وفضاءً (صواريخ منصات إطلاق، أقمار صناعية). بل إن عددا من راجحي العقول أمثال رئيس المحكمة العليا السابق الذي نبه الى فقدان الإرادة الوطنية في القتال، والتحضير للمعارك “ان وهم السلام الذي يفقدنا ضرورة الشعور بحتمية أن نقاتل لندافع عن أنفسنا، يقلقني كثيرا. إنه يمنعني من النوم ويضر بصحتي كثيراً”. (Israel en Israel). 
 

نعم للمقاومة ولا لسلاحها!

ولا يبدو أن سلاماً سيحضر قريباً، ولا يبدو أن تسوية ممكنة، بعد اغتيال أوسلو، وإطلاق النار على قدمي “خريطة الطريق”. وبالتالي، لا معاهدة بين طرفين، ولا ضمانة، حتى الآن. 

أحمق، علمياً وعسكرياً وسياسياً، من لا يلتفت الى ضرورة احتفاظ لبنان بقوته، للأسباب الواردة أعلاه. فماذا عن الأسباب الأخرى؟ 

- لنفرض أن إسرائيل أقدمت على انسحاب من مزارع شبعا المحتلة؟ فهل هذا يفرض أوتوماتيكياً، أن تتخلى المقاومة عن سلاحها؟ 

الجواب: نعم لدى فريق، ولا حاسمة عند المقاومة ومن يرى رأيها. 

نعم، لأن مبرر استعمال السلاح من أجل التحرير، قد انتفى. فالأرض اللبنانية، تحررت من الاحتلال، فوداعاً للسلاح. 

لا، لأننا نعيش في جوار بؤرة صراع، تفجرت في العام 1948، وانتشرت هذه البؤرة، فأصابت مصر وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين، مباشرة وبعنف غير مسبوق، وبأحدث حروب صاعقة، استعملت فيها كل التقنيات المتطورة، وهي ما زالت تثير، على مستوى الأنظمة، حسابات دقيقة، وعلى مستوى الشعوب العربية، توترات تبلغ أحياناً، حدود العنف الأقصى، وأحيانا حدود “الإرهاب”. 

لبنان مقيم في هذه الجغرافيا. خلّص نفسه مرارا من نيران هذه البؤرة، التي تحتضن أصعب قضية سياسية، إنسانية واستراتيجية، منذ العام 1916، ولم ينج من هذه النيران مرارا أخرى فحضرت بكامل عدتها وسعيرها في الثمانينيات واستمرت حتى 25 أيار 2000. 

فهل يمكن للبنان أن يطمئن إلى سلامه والى استقراره والى إنمائه وإعماره، وهو على تخوم بؤرة صراعية، قد تتخطى تخومه، وتقيم في دياره، لما لهذا الصراع من آثار على شرائح شعبية في لبنان، ذات قواعد وتقاليد، ثقافة مستمدة من الدين واللغة والحضارة وال... ولما لهذا الصراع من تأثير على القوى السياسية كافة، سلبا وإيجابا، في لبنان؟ 

لم يكن لبنان، في حياده الإيجابي، ممسكاً بمفاتيح أبوابه كلها من الداخل، ولا كان قادرا على إقفالها في وجه هذا الصراع، فانخرط فيه، وبلغ فيه غاية التحرير. ومطلوب من لبنان، أن يسلم مفاتيح أبوابه، لضمانات دولية، فيما بؤرة الصراع، بكل فنونه: حجراً ومقاومة وقصفاً وتدميراً واستيطاناً واغتيالاً، لا تزال متوقدة، ولا يبدو أنها ستخمد قريباً. 

بهذا المعنى السلبي فقط، يلزم أن يحتفظ لبنان بورقة المقاومة، كي يقوم بواجبه، بحماية أرضه وحدوده، ومنع إسرائيل من استسهال تهديده، وفرض إرادتها عليه، وإخراج لبنان من دائرة التأثير المعنوي، في مسار إيجاد الحل الإقليمي، لقضية فلسطين، إذا أمكن ذلك. 
 

سلاح المقاومة خطر... على مَن؟

متى يكون هذا السلاح مضراً بلبنان؟ 

أولاً: إذا تهوّر، وخرج عن إطار الحدود الكيانية للبنان، وتصور أن باستطاعته أن يؤدي وظيفة فلسطينية أو سورية أو إيرانية أو... أن باستطاعته تجاهل الحدود الدولية، وضرورات اللعبة السياسية، في الوعاء الإقليمي والمدى الدولي. 

تجربة المقاومة شديدة الوضوح في هذا الصدد. خاضت مقاومة لبنانية حاسمة في لبنانيتها، حتى الحدود الدولية المعترف بها لبنانيا، باستثناء مزارع شبعا. ولما بلغت الحدود، توقفت من تلقاء نفسها. 25 أيار الألفين بلغ حدود إنجازه. من الحمق تصور المقاومة الإسلامية، وهي تخترق الحدود المعترف بها لكيان لبنان. قالت: بفلسطينية النضال الفلسطيني، كما كانت هي لبنانية في المقاومة الإسلامية. 

لا أتطرق الى التأييد والتأثير والإعلام والمواقف المعلنة لهذه المقاومة، وقد كانت بالغة الأثر في القدوة والشهادة والسطوة والصدقية. لأنني أبحث فقط بسلاح المقاومة، المطلوب أن يتنازل عن مقامه، لصالح التطمينات والضمانات والعهود والوعود. 

ثانياً: يكون سلاح المقاومة مضراً إذا تحول لأداة حسم في الداخل اللبناني. أو، إذا تصرف “حزب الله” سياسيا، ضمن النظام المرعي، مستقوياً بإمكانية استعمال هذا السلاح. ونظرا لحساسية الواقع اللبناني المطيّف بمنسوب فائق ومتفوق، فإن هذا السلاح سيبقى شوكة تسيء للعلاقات السيئة في الأصل، بين الطوائفيات المتصالحة أو المتصارعة. 

لا علاج للمخاوف الداخلية المتبادلة، فهذه عقدة سياسية مستحكمة في أسس النظام السياسي اللبناني، وفي مقومات كل مؤسساته. فإذا انتفى الخوف والتخويف من السلاح، فقد تُستحضر عقدة الإنجاب والعدد، كما تستحضر عقدة الحال و”أسلمة البلد”. لبنان لن ينجو في القريب العاجل من تجارة الخوف، فهو أفضل دينامو، لتحريك الحياة السياسية المستذئبة. 

لا أخوض في هذا السجال المتقن الإغلاق، والذي لا يفضي إلا إلى محاكمة النوايا. لذلك، أخلص الى وضع السلاح في إطار وظيفته الواضحة: التحرير والدفاع عن لبنان منعا لأي اعتداء، عسكري أو سياسي أو دبلوماسي أو حقوقي، الآن أو في المستقبل، إضافة الى كونه ورقة قوية، إذا توافرت مفاوضات لحل المشكلة الفلسطينية. 

فالحزن للضعفاء في ساحات الحرب... والويل للضعفاء في ساحات المفاوضات. في الحرب تسلخ جلود الضعفاء، وفي المفاوضات تسلخ جلود البلاد والشعوب. هكذا يحدثنا زرادشت، الحروب والأقوياء وصناعة ما بعد الانتصارات. 

وجوابا مختصراً عن السؤال: لم يستعمل حزب الله سلاحه في حروب لبنان السياسية، فيما استجمعت القوى اللبنانية، كل المحرمات (الطائفية / الاستخبارات / الوصاية / الفساد) في كل معاركها السياسية، فسقط لبنان في محظور الاغتيالات وما استتبعها. 

وإذا لم يكن تاريخ هذا السلاح شافياً، ويخشى من انفلاته، إذا تغيرت الظروف، وتبدلت القيادات، فمن الواجب إخضاع هذه المسألة للحوار بدقة جواباً على هذا المحظور بالتحديد. 

ثالثا: سلاح المقاومة خطر على الوضع اللبناني، اذا تحوّل عن غرضه اللبناني. قيل، ان هذا السلاح لخدمة اغراض سورية (الجولان) واغراض ايرانية (؟؟؟). لا بد من التوضيح. إن العلاقات بين الدول والمنظمات وبينها بين انواع المقاومة (العسكرية والسلمية) ليست تهمة، بل هي وصف لحالة موضوعية، اتسمت بها العلاقات بين هذه الاطراف. فلا ثورة او مقاومة بدون تحالفات ومساعدات واتفاقات مع اطراف في الداخل والخارج. كل ادعاء آخر، غباء ملائكي. الطهرانية رذيلة سياسية، في هذا المقام. حتى الدول، تقيم في ما بينها علاقات وأحلافاً وتكتلات. فالدعم ليس تهمة إلا اذا كان لأداء وظيفة غير موضعية، ولخدمة اغراض الدول الداعمة، ولقد ظهر ان التحرير لم يكن للجولان او منعا لهجوم على مفاعلات نووية ايرانية، بل كان سخاءً دموياً واستشهادياً لتحرير جنوب لبنان، المقيم في الجنوب اللبناني، وليس في جنوب سوريا او على تخوم إيران. 
 

لاءات المقاومة

هذه هي بعض ملامح الصورة الاساسية والحدود المرسومة، لهذا السلاح. حرصت المقاومة على تكريس ما يلي: 
1 سلاح المقاومة لن يرفع في وجه اللبنانيين. 
2 سلام المقاومة ليس في خدمة اي نظام او دولة، وإن كان وجوده وقوته يدعمان حقوقاً ومطالب على علاقة بالقضية الفلسطينية وتعزز مقاومة الضغوط، بما لها من فضيلة إلزام العدو بإجراء حسابات دقيقة لجموح عدوانيته. 
3 سلاح المقاومة يمكن ان يكون له تأثير بالغ، اذا التأم شمل التفاوض، في ظروف دولية وإقليمية مناسبة لتأمين حقوق الشعب الفلسطيني، لا تنازل عن السلاح إلا... 

تلك هي ابرز علامات القوة كسلاح معنوي. أما مدى تأثيره عسكريا، فلا يقاس بتوازن بين العديد والعتاد، بل بين تأثير كل سلاح، وفق ظروف استخدامه، على الطرف الآخر. 

اثبت سلاح المقاومة الاسلامية، انه نافس تأثير ومفاعيل السلاح الاسرائيلي، مع فارق هائل لا يقاس، بين تفوق الآلة العسكرية الاسرائيلية، ووضاعة السلاح المقاوم في لبنان. سطوة السلاح الاسرائيلي التي لا تنازع، في ميدان المقاومة الكمية والنوعية، لم تمنع سطوة المقاومة التي صاغت يوميات قتالها، بشجاعة ودقة وبسالة وحسابات وتأثير، جعلت من اسرائيل تعدل وتغير من سياساتها، حتى بلغت رتبة الانتصار، فانسحبت اسرائيل في “يوم العار” وفق التقويم الاعلامي الصهيوني، في 25 أيار 2000. 

ووفق ما هو مفترض، فإن قوة الردع والتوازن لدى المقاومة الاسلامية في لبنان قد تضاعفت، فأحد ابرز وجوه المقاومة، حدثني مرة عن الحمق الاسرائيلي، اذ كيف ينسحب من الجنوب اللبناني، تاركا شمال فلسطين المحتلة لمرمى نيران حزب الله، وفاتحا مدى بعشرات الكيلومترات امام الصواريخ. 

ازدادت المقاومة قوة... وحجم الاضرار البالغ الذي يصيب اسرائيل، إذا فتحت جبهة القتال، سيكون كبيراً جداً، ولعل هذا التوازن الجديد يمكن ان يؤدي الى اقامة التوازن المانع لإسرائيل من ممارسة الشطط. 

سؤال: هل قوة المقاومة قوة للبنان ام ضعف له، بحيث يصبح في عين إعصار الضغوط الخارجية والداخلية. 

طبيعي ان اسرائيل ومن معها، تتضرر من قوة حزب الله المتنامية وتحاول بكل الوسائل منع هذا النموذج المحاذي لاحتلالها من الفاعلية. فتزيد من حجم الضغوط ووسائل الحصار. 

فقوة المقاومة ترفع من وتيرة الضغوط، ولكنها تمنع، بنسبة عالية، من وتيرة الاعتداء. فللقوة ضريبة يجب ان تدفع مجدداً لحمايتها، تماما كما قال مرة رئيس وزراء فرنسا السابق لوران فابيوس: “نحن دولة غنية، علينا ان ندفع ثمن ذلك تضحيات كبيرة ومؤلمة”. الحفاظ على قوة لبنان يتطلب تضحيات، أما حرمان لبنان من عناصر قوته المناسبة له في الوضع الاقليمي الراهن، فتضحية بلبنان واستقراره وفتح أبوابه على المجهول. 
 

مبارزة الجيش والمقاومة

لعل ساذجا يسأل: وهل سلاح المقاومة يسهل عليه الدفاع عن لبنان، وما هي مهمة الجيش اللبناني؟ 

اقول ساذجا وأضيف، ان من الغباء القاتل، ان نستمر في طرح هذا السؤال.

عسكريا: الجيش الاقوى يسحق الجيش الاضعف، اسرائيل هي الاقوى بما لا يقاس بجيوشها، إزاء ضعف الجيوش العربية مجتمعة، الجيوش العربية للقمع، مارسته بتفوق وتمارس الاستعراض وحماية العروش. 

عسكريا: اثبتت اسرائيل انها هزمت العرب عام 1948، وعام 1967 وعام 1973 (بعد تفوق لأيام لجيوش مصر وسوريا) وهزمت وستهزم جيوشا اخرى ولكنها لم تستطع ان تهزم المقاومة اللبنانية. قبل اجتياح 1982، وقبل اتفاق 17 ايار وبعده، وصولا حتى التحرير. 

علميا: الجيوش الكبيرة تهزمها المقاومة الصغيرة الجبارة التي تستنزف الجيوش ودولها، بريطانيا لم تصمد إزاء استنزاف غاندي السلمي لاقتصادياتها. 

علميا: النموذج اللبناني هو النموذج الوحيد الناجح، أدى وظيفة الانتصار، فيما الجيوش العربية، انهالت علينا انكسارا بعد انكسار. 

سؤال: لماذا لا نكون عاقلين، ونتعاطى مع موضوع النزاع كالاردن وقطر ومصر وسواها؟ 
سؤال وجيه جداً ولكن... 

لبنان، ليس قطر او الاردن او فلسطين، دفعنا ثمناً باهظاً لبلوغنا حالة عربية إنسانية نموذجية. بلغنا الحرية. وهذا ليس تفصيلاً. ألغينا احتلالاً، وهذا ليس هامشاً في السياسة. ثم، من قال إن لبنان يطبق دكتاتورية وقمعاً حفاظاً على سلام يحتاج كل يوم الى تخوين المواطنين وإرهابهم... القمع اللبناني، الذي يعتبر قمعاً مخففاً ازاء أدوات القمع العربية، لم يصمد، برغم كونه قمعاً يتفيأ القضية القومية، لقد ألغيت الوصاية والحماية السورية، برغم كونها داعمة وحامية للخيارات القومية. فهل يتصوّر عارف ومطلع، أن يتحول لبنان الى نظام قمعي، ضد ناسه ومواطنيه، لحماية سياسة دولية وإقليمية، قبل بلوغ الحل النهائي. 

لبنان، في مقاومته، مثل ويمثل النموذج لكثير من شرائح المجتمعات العربية، ونموذجه عبء على الانظمة العربية. والتاريخ، تصنعه الدكتاتوريات احيانا، وأحيانا ايضا، تصنعه قبضات الشعوب، وهذا القول، ليس شعرا. التاريخ معبأ بقبضات الشعوب. 

سؤال آخر: ما هذه الازدواجية: جيش لبناني بعديد كبير، ومقاومة مستقلة عنه، بعديد فاعل، وقرارها ليس بيد السلطة السياسية في الدولة اللبنانية؟ 
سؤال اكثر وجاهة ولكن... 

عرفت الاحداث الاوروبية في القرن التاسع عشر، جدالا واسعا حول كيفية التعامل مع الانصار، اي مع جماعات اهلية، تقاتل الى جانب الجيوش، او تناصرها او تساعدها. الدول التي كانت تشعر بضعف، مثل فرنسا في مواجهة ألمانيا، كانت تلح على منح هؤلاء وضعية قانونية غير مستقلة، تطبق عليها قوانين الحرب، فيما كانت ألمانيا القوية ترفض ذلك، وتعتبر الأنصار، ارهابا، فلا قوانين ترعى هؤلاء. ولما ضعفت ألمانيا، طالبت بما كانت تلح عليه فرنسا، فيما تمنعت الثانية.

لم تكن الجيوش وحيدة في القتال، كما انها لم تكن دائما مستقلة عن الجماعات المؤيدة لها. هذا في الحرب. فماذا عن ايام الهدوء؟ 

لا اعرف كيف نسمّي تأييد الولايات المتحدة الاميركية لبقاء قوات البشمركة في كردستان العراق، فيما هي التي تتولى، انشاء الجيش العراقي وتدريبه وتجهيزه، ولماذا لا ترفع صوتها عاليا بوجه حرس الحدود الاسرائيليين وميليشيات المستوطنات؟ 

لا نحتاج الى جواب، لأن محاولات الاجابة، نوع من التبرير، لا غير. 
 

قرار المقاومة بيد من؟ 

سؤال: ألا يجب ان يكون قرار السلم والحرب بيد السلطة السياسية! 

الجواب: طبعاً، بشرط ان تكون السلطة السياسية، سلطة منبثقة من ديموقراطية حقيقية لا تشوبها شائبة طائفية او تبعية او قانونية. (مثل القانون الانتخابي الراهن). 

جواب آخر: في بحث قدم في باريس في العام الفائت في ندوة “لنتخيل السلام”، برهان ساطع على ان الدول الديموقراطية لا تصنع حروبا في ما بينها، الحروب تنشأ بين دول ديموقراطية وأخرى دكتاتورية، وبين دول دكتاتورية وأخرى تشبهها. لم يحصل مرة ان حصلت حرب في القرن العشرين بين دول ديموقراطية، بما فيها، في الحربين العالميتين الاولى والثانية. 

إذاً: ان سلطة سياسية منبثقة من انتخاب ديموقراطي بقانون ديموقراطي، يتيح لنا المطالبة بالامساك بكل قرارات الدولة. ولأننا لم نبلغ بعد مرتبة التمثيل الديموقراطي، فإن لبنان مقتطع بين طوائفه بشكل حاسم وواضح ولاحقة عنه. مقتطع انتخابيا، إداريا، ماليا، إنمائيا، سياسيا، امنيا... لذلك، بدت حالة المقاومة، كأنها جزء من هذا الاقتطاع، فلماذا الاعتراض عليها والسكوت ومباركة الاقتطاعات الأخرى إلى المحاصصة؟ 

لنسدّد القول: 
إن التجربة التي اجتازها لبنان بنجاح عبر انفصاله واتصاله معاً، بالمقاومة، أوصلت لبنان الى نتيجة حاسمة: التحرير. فهل يستطيع الاستمرار بهذه التجربة، للحفاظ على قوته من دون توقيع لبنان ثمن “مغامرات مقاومة” غير محسوبة النتائج؟ 

لا قدسية للوسائل، بل “المقدس”، هو في الغايات. 

ثمة إلحاح دولي إسرائيلي أميركي أوروبي ولبناني (قديم وحديث) لإلغاء حالة المقاومة، يتخذ من شعار السيادة والاستقلال ووحدة الدولة هدفاً، يلزم بلوغه وتثبيته. يصح ذلك في دول ولا يصح في اخرى، فلماذا لا تثبت بريطانيا العظمى هذا المبدأ على ما تدّعيه أرضها، عبر تعاطيها مع ممثلي ايرلندا المعتدلين المتقدمين للتفاوض باسم “الجيش الايرلندي السري”؟ لبريطانيا ظروفها، تتفاوض، فيما لم تصل بعد فرنسا الى هذه الدرجة للتفاوض مع الثوار في كورسيكا، ولا اسبانيا مع منظمة الإيتا الباسكية. 

للبنان وضع خاص، كغيره من الدول، ومع ذلك، فإن من الضروري التعاطي مع هذه المقارنات والذهاب الى مناقشة الموضوع داخليا. كان من المفضل ان تكون المقاومة تابعة للجيش، فريقا من الانصار. ولكن هذه الصيغة تبدو عمليا، أنها ذهاب للانتحار المزدوج: نحر المقاومة ونحر الجيش، في حال القيام بأي عمل مقاوم لعدوانية اسرائيل، او انه ذهاب الى شلل الاثنين، حيث ان اعتبارات الجيش اللوجستية والسياسية، تختلف عن احتياطات المقاومة التي تستطيع ان تتلقى تبعات الرد الاسرائيلي، من دون أضرار قاصمة وحاسمة. 

الجيوش تقاتل بتكتيك الجيوش، وهو امر مختلف ومتناقض مع تكتيك حروب المقاومة، لا يجتمعان معاً، لا يستتبعان، بل يتكاتفان ويتساندان. 

كيف؟ الالتباس ضروري، كي لا يعطى العدو ذريعة اتفاق القاهرة مرة اخرى. على أن من الضروري ان يكون ذلك، ليس استقطاعا عنوة، من قبل سلطة الدولة، او استقطاعا بالتراضي، كما يحصل مع زعماء الطوائف المتعاقبين على المحاصصة، وقد كان ذلك ميسوراً سابقاً، فهل هو ميسور لاحقاً. 

لا يبدو ذلك في الأفق. 

المطلوب نزع سلاح حزب الله، عبر إقناعه بتسليمه. الاكثرية النيابية، وانبثاق السلطة القادمة منها، ستخوض في هذا الحوار الصعب. فماذا لو لم تقتنع المقاومة وقالت: الظروف والضمانات أشد خطرا من الضغوط، ورفضت تسليم السلاح؟ 

إن قراءة الواقع، تفرض انتظار نتيجة هذا الحوار، ولكنه قد يفضي الى أمر مستبعد: نزع السلاح طواعية، أي تسليمه، أو نزعه بالقوة. 

حذار: سلاح حزب الله ليس مديراً عاماً في وزارة، وليس سلطة امنية في دولة، إنه حالة شعبية، تسبح في بحر من ماء طائفي واحد. فقد يضطر السلاح لأن يدافع عن نفسه وفق السيناريو الحالي: 
  1 الحزب لن يرفع سلاحه ضد اللبنانيين. 
  2 إذاً سيرفعه ضد اسرائيل. 
  3 إذاً، سترد إسرائيل في العمق. 
  4 إذاً ستشتعل حرب إقليمية كبيرة. 
  5 النتائج قد تكون كارثية على لبنان... وعلى إسرائيل كذلك. 

ما العمل؟ 
إيجاد صيغة سياسية رسمية لحماية قوة لبنان، وإلا فإن اللبنانيين سيدفعون ثمن تبني سياسة إسرائيل وأميركا ومن معهما.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page