مستقبل المقاومة، مستقبل لبنان

 حسن فضل الله
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 25 أيار «مايو» 2005

     أي مستقبل للمقاومة في موسم المتغيرات اللبنانية والإقليمية؟ سؤال متجدد تواجهه هذه المقاومة مع كل متغير سياسي او امني يشهده لبنان او يصيب البيئة الإقليمية لهذه المقاومة، هكذا بدا الأمر في محطات عديدة خصوصاً في مراحل تطور المفاوضات مع بدء مؤتمر مدريد العام 1991 وخلال المراحل اللاحقة ثم طرح بصيغة جديدة بعد التحرير العام 2000. 

السؤال ذاته يطرق اذهان المقاومة في هذه المرحلة المتقلبة. الأجوبة المباشرة المعلّقة إلى حين تحاول أن تقلب السؤال بما يتناسب مع مقتضياتها، فأي مستقبل للبنان بدون مقاومة؟ ربما تكون الإجابة هنا أكثر حضورا استنادا إلى تجربة الماضي القريب، فالمستقبل سيكون نسخة مكررة عن مرحلة ما قبل التحرير الممتدة على عقود زمنية مليئة بالمآسي السياسية والأمنية والإنسانية، قاسمها المشترك هو العدوان الإسرائيلي الذي لم يوفر حجرا او بشرا، دولة او شعبا.

الوقائع التاريخية لا ترتبط هنا برؤية ايديولوجية، ولا بالثقافة السياسية القائمة على التهويل من الخطر الإسرائيلي وإنما هي مستندة إلى حقائق حسية عاشها اللبنانيون عموماً وأبناء المناطق الحدودية بالتحديد، هذه الحقائق التاريخية ترسم صور المستقبل الذي ينتظر لبنان من دون مقاومة، وهو ما يدفع المقاومة للتمسك بخيار وحيد، أي اعتماد الصيغة السياسية العسكرية المعمول بها حالياً لحماية لبنان، هذه الصيغة ترسو على مقولة وجود تكامل بين الدولة، الشعب، المقاومة، الجيش، اثبت نجاحه في تجربة امتدت خمس سنوات حافظ فيها لبنان عموما ومناطق الحدود خصوصا على استقرار و أمان وازدهار عمراني، مقابل خمسين عاما من القلق و التوتر والتهجير بفعل السياسات الإسرائيلية المتبعة ضد لبنان، والتي كانت ذروة استهدافاتها العسكرية والسياسية اجتياح العام 1982 وما نتج عنه من تنصيب حكم موال لإسرائيل وتوقيع اتفاق 17 أيار قبل أن تطيح به المقاومة وصولا إلى 25 أيار 2000 التاريخ الفعلي لاستقلال لبنان عن التدخلات الإسرائيلية وتحرير أرضه بعد تحرير إرادته السياسية التي ظلت لسنوات رهينة تلك التدخلات. 

شكل التحرير إنجازا وطنيا، جاء في سياق تطور تاريخي للمقاومة، وتوّجته مقاومة حزب الله بأشكالها المختلفة وفي طليعتها المقاومة المسلحة. الأهم في التحرير كان طريقته والقدرة على المحافظة عليه، وتحصينه شعبياً وسياسياً، وهو أمر ما كان ليتم لولا مجموعة عوامل منها: 

- إدارة المقاومة للصراع بحكمة وعقلانية آخذة بالاعتبار الواقع السياسي والسكاني في لبنان، بحيث تعاطت المقاومة مع هذا الواقع بحساسية بالغة مما ساعد على تقديم الانتصار كنموذج حضاري يلتف حوله اللبنانيون والعرب، فأكسبها ذلك محبة الصديق واحترام العدو. 

- تحرك المقاومة تحت السقف العام لمشروع الدولة دون الوقوع في أخطاء سياسية او ميدانية على المستوى الداخلي، فلم تمارس سلطة ولا هي استثمرت جهادها لتحقيق مكاسب فئوية ضيقة، او جعلت انتصارها مناسبة لفرض آراءها ورؤاها على بقية اللبنانيين.

- قوة الردع التي تملكها المقاومة في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، صحيح أن لا توازن في الميزان التسليحي لكن هناك توازناً أرسته المقاومة منذ تفاهم نيسان عام 1996 وتمكنت من خلاله من حماية المدنيين أولا ومن ثم حماية كل لبنان.

- البعد الشعبي للمقاومة الذي عبّر عن نفسه في مناسبات عدة كان أبرزها في تظاهرة رياض الصلح الشهيرة التي أظهرت حجم الحضور الشعبي اللبناني في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها المقاومة.

إن هذه العوامل معطوفة على نجاح معادلة الدولة - المقاومة ما زالت تحكم مسار عمل المقاومة في مهمتي التحرير والحماية، من دون أن يعني ذلك أن المتغيرات الإقليمية والدولية لا تترك تأثيرات مباشرة على هذه المقاومة، ولا تفرض عليها صياغة رؤية سياسية ميدانية لمواجهة احتمالات المستقبل المتغيرة بفعل المتغيرات الحاصلة سواء في الداخل اللبناني او على صعيد موازين القوى الإقليمية.

تقع المقاومة هنا بين اشكاليتين كبيرتين تتغذى إحداهما من الأخرى، إشكالية دولية أميركية بالتحديد تتسلح هذه المرة بقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي (1559) ما يعطيها، بخلاف ما كان سائدا في الماضي، قوة دفع سياسية لتصعد حمى ضغوطها على الدولة والمقاومة معاً بهدف إجبارهما على تطبيق مضمون القرار. إذا كانت الضغوط الأميركية مكشوفة لجهة حملها للمطلب الإسرائيلي الدائم وهو نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيانها، فإنها هذه المرة تستظل بالقرار نفسه بذريعة تطبيق الشرعية الدولية، وهي شرعية بالمناسبة ضُرب بها عرض الحائط في الغزو الأميركي للعراق، ومعطلة على مدى عقود زمنية في كل ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. 

الإشكالية الدولية الضاغطة تتحكم بخياراتها المستقبلية المتاحة طرق عدة منها، تحويل القرار إلى الفصل السابع والعمل على تطبيقه بالقوة، القوة هنا ستكون موجهة ضد الدولة اللبنانية، باعتبار أن القرار نفسه يحيل أمر التنفيذ إلى الدولة نفسها، فهل هذا ما تريده الولايات المتحدة الأميركية في الوقت الذي تقدم نفسها فيه كأنها الراعي الجديد للتركيبة السياسية المقبلة؟ 

بالتأكيد هذا الخيار غير وارد، لأن استخدام القوة في التطبيق يفتح الأبواب اللبنانية على عراق جديد بكل أدواته الأمنية والسياسية الملتهبة. إذا كانت الإدارة الأميركية غير قادرة على إيصال الأمور إلى نقطة التصادم فإنها ستجد نفسها معنية بممارسة سياسة الاحتواء والعزل في آن معاً، تشديد الضغوط سواء المباشرة بمزيد من القرارات او عبر المنظمات الدولية، وتقديم الإغراءات السياسية للمقاومة نفسها على الجبهتين المحلية والإقليمية. 

داخل هذه الإشكالية الدولية يمكن للعامل الإسرائيلي أن يطل بأدوات مباشرة، التلويح بالآلة العسكرية الإسرائيلية سيظل في حساب المقاومة ووسيلة ضغط أميركية، لكن استخدام هذه الآلة يعني فتح صراع عسكري تعرف إسرائيل والولايات المتحدة متى يبدأ لكنهما لا يستطيعان تحديد مداه ومتى ينتهي. 

الإشكالية الثانية هي لبنانية تطرحها قوى سياسية محددة على قاعدة انتفاء الحاجة إلى دور المقاومة وترك أمر مزارع شبعا إلى الدبلوماسية. تبدو المقاومة هنا معنية بالتعاطي معها انطلاقاً من قناعتها بأن البيئة الداخلية يجب أن تظل متماسكة ومحصنة كي لا تنفذ منها الإشكاليات الدولية. 

ان مراجعة سريعة للإشكاليات المحلية المطروحة أمام المقاومة اليوم سنجدها نسخة مكررة عما واجهته منذ العام 1982 بمفردات جديدة او بقوى جديدة، بعضها لم يؤمن بفكرة المقاومة ضد الاحتلال، وبعضها الآخر لا يريد أن يتحمل أعباء وأكلاف المواجهة. 

عندما انطلقت المقاومة بقواها وفصائلها المختلفة لم تكن محل إجماع لبناني ولا هي تشكلت بقرار رسمي فلم تصدر بقانون او بمرسوم، وإنما نشأت من مبادرات حزبية وشعبية بعدما تخلت الدولة عن مسؤولياتها تجاه قضية مصيرية كقضية الاحتلال والسيادة، بل تشكلت في ظل مناخ غير مؤات على المستوى الرسمي ، بحيث كان على فصائل المقاومة ان تواجه الاحتلال وظهرها مكشوف، إلى حين إقرار اتفاق الطائف وإعادة تشكيل الدولة بما يتلاءم مع متطلبات ذلك الاتفاق الذي اكسب المقاومة مشروعية رسمية بخلاف سنوات الانطلاقة. 

إذا كان تشكل المقاومة كقوة تحرير جاء بعيدا عن المناخ الرسمي وعلى تضاد معه في مرحلة من مراحل الصراع مع إسرائيل، فإن الدفع الذي أخذته بفعل الاحتضان الرسمي أعطاها مزيدا من الحصانة والمشروعية، لكنها مشروعية متبادلة، السلطة أخذت من المقاومة كما أخذت المقاومة من السلطة، لأن الحصانة الأكبر كانت الحصانة الشعبية بخاصة في المناطق التي كانت مسرحا للمواجهة مع الاحتلال من بيروت إلى الحدود مرورا بكل التقاطعات المناطقية والسياسية. 

المبادرة كانت منذ البداية شعبية انطلاقا من فهم قوى المقاومة للخطر الإسرائيلي على لبنان باعتباره خطرا وجوديا يهدد بنيانه السياسي والاقتصادي الفريد في المنطقة كوطن للتعايش بين المجموعات الدينية المختلفة وكمركز للتلاقي بين الثقافات. 

هذه الفرادة لا تتيح للمعادلة الدولية فرض شروطها وتحويل الإشكالية المحلية إلى متغير سياسي وامني بحيث يؤدي الضغط الدولي إلى مواجهة المقاومة بأدوات داخلية، فلا إمكانية لعزل المقاومة لأنها تمتد على بيئة شعبية واسعة خارج إطار مناطقها وطائفتها الحاضنة، ولا مجال لإجبار السلطة المقبلة على خوض مواجهة معها لأن ذلك يطيح بمقوّمات البلد، فالمقاومة هنا ليست سلاح، ولا هي مجموعات مسلحة، او ميليشيا، وإنما هي ثقافة سياسية شعبية، تحولت بعد الانتصار إلى مكون رئيسي للبنان المستقبل. 

سلوك طريق الحوار والإقناع المتبادل هو المتاح أمام القوى اللبنانية بما فيها المقاومة، إما لترسيخ الصيغة القائمة بتوافق لبناني عام، وإما لحصر نقاط الخلاف مع المحافظة على استمرارية المقاومة كإحدى مقوّمات المنعة اللبنانية خصوصاً في ظل متغيرات إقليمية مفتوحة على المجهول. في هذا السياق يمكن هنا الحديث عن التطور الحاصل على الجبهة الفلسطينية، وهو تطور يسير نحو عودة الانفجار في ظل انعدام فرص حل حقيقي، فإسرائيل تعمل على كسب مزيد من الوقت لتنفيذ برنامج إعدام فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وبالتالي مواجهة رفض فلسطيني يولد مواجهة متنقلة، هل يستطيع لبنان في مثل هذه الحالة أن يركن إلى الدبلوماسية ليبقى بمنأى عن تأثيرات هذا التطور، وهل يتخلى عن عناصر قوته لمجرد أن هناك من يريد السير برزمة مطالب أميركية أهدافها لا تمت إلى المصلحة اللبنانية بصلة؟ 

المستقبل المطروح أمام المقاومة لم يكن في يوم من الأيام بالنسبة إليها مستقبلها الذاتي، ولا حمايتها ذاتيا، لأنها تملك من عناصر القوة وثقافة المواجهة ما يؤهلها لحماية ذاتها ومن حولها، كثير من عناصرها وكوادرها طال بهم العمر أكثر مما توقعوا او اعتقدوا، مشروعهم الأساس لم يكن حزبياً او شخصياً، فالنقاش حول المستقبل لا يرتبط بهذا الجانب، لذلك يتحول النقاش إلى البحث عن مستقبل لبنان نفسه، هذا ما تطرحه المقاومة في السر والعلن، لكن حتى الآن لم تقدم أي صيغة بديلة قادرة على تأمين المستقبل الأفضل للبنان لجهة حمايته من مخاطر العدوان الإسرائيلي فضلاً عن استكمال تحرير أرضه في مزارع شبعا اللبنانية وتلال كفرشوبا، الأمر لا يتعلق هنا بفرض رؤية خاصة او التفرد بالقرار او تحميل البلد ما لا يحتمله، وإنما يتعلق بتحملها مسؤولية وطنية ودينية وأخلاقية تجاه أهلها وبلدها، حتى لو تخلى آخرون عن هذه المسؤولية، فهي أخذت على عاتقها تحمل مثل هذه الأعباء، تلك هي ثقافة التكليف، الذي يفرض عليها مواصلة التصدي للمسؤوليات الوطنية في ظل بيئة شعبية وسياسية لبنانية وعربية تصر على مواصلة المقاومة لعملها وتخطي الموج العاتي الذي يصيب بلدها ومحيطها لكن بمرونة سياسية وميدانية، خبرتها في مراحل سابقة واستطاعت الوصول بالقارب إلى شاطئ الأمان. 

كانت المقاومة تجيب العام 1991 في ذروة المناخ التفاوضي المسيطر على المنطقة ردا على أسئلة تتعلق بمصير سلاحها، إن على الآخرين تحديد خياراتهم ابتعاداً او اقتراباً من خياراتها، فهي تجد نفسها اليوم أمام تكرار إجابة مشابهة رغم كل ما يحيط بها من مخاطر، ما دامت لا تنظر إلى الأمر من زاوية خاصة، بل من خلال رؤيتها لموقع لبنان ودوره المستقبلي على خريطة الصراع في المنطقة، المهم بالنسبة إليها أن المستقبل تقرره الشعوب لا المعادلات الدولية، والشعوب لم ترفع الراية البيضاء في اشد الظروف قساوة فكيف في هذه المرحلة. قرار الاستمرار في نهج المقاومة والتمسك بسلاحها لم يعد محصورا في اطر ضيقة وإنما هو قرار شعبي، هل من سأل شريحة واسعة من اللبنانيين عن رأيها في هذا المجال؟ الجواب سيأتي: التمسك بالمقاومة وسلاحها أكثر من أي وقت مضى.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page