بنت جبيل، ميتشيغان، حزب الله

 يوسف بزي
جريدة المستقبل (لبنان)
الأحد، 29 أيار «مايو» 2005

     ضجة الهتافات الدينية والحزبية الحماسية تحت الرايات الكثيفة والخافقة، جعلت أغلب الجمهور غير مدرك، إذ سمع عبر الميكروفونات اسم وليد جنبلاط، ان هذا الزعيم الدرزي (الاشتراكي)، "المعارض" هو الآن على المنصة الهائلة والبعيدة، فأسرع كثير من الناس لإصدار اصوات الاحتجاج والتنديد (هوووو) أو عمد الى اطلاق الصفير. قلة هي التي انتبهت، فصفقت تهذيباً وببرود ظاهر. ولثوان قليلة كان اللغط والاستغراب والدهشة مسيطرة على جمهور حزب الله في المهرجان الحاشد الذي اقامه يوم الاربعاء الفائت في بلدة بنت جبيل الحدودية، لمناسبة الذكرى الخامسة لتحرير الجنوب اللبناني.

استهجن الجمهور الجنوبي وجود أحد أبرز قادة المعارضة اللبنانية في مهرجانهم، وهم الذين يظنون بأنفسهم قوة "الموالاة" وحلفاء سوريا، ومؤيدين للرئيس اميل لحود، ويظنون أكثر ان تلك المعارضة ما هي إلا تحالف طوائف واحزاب مدعوم من الغرب يستهدف الشيعة وتنظيمهم المسلح.

باغتتهم قيادة حزبهم بأن جعلت وليد جنبلاط هو الكلمة الأولى في المهرجان وضيفه الأبرز في المناسبة الأعز على وجدان سكان الشريط الحدودي: اندحار اسرائيل وانتصار المقاومة.

هذا ما جعلهم مرتبكين، يمدون اعناقهم صوب المنصة العريضة ليتأكدوا حقاً من أن وليد جنبلاط في ديارهم. ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي بدوره كان يقرأ خطابه مستعجلاً، كمن يريد أن ينجز مهمة صعبة بأسرع وقت ممكن، ناظراً إلى الجمهور بضحكة صامتة وعينين حائرتين كأنه ادرك غرابة الموقف برمته.

لا نعرف اذا كنا سنحسب شجاعة هكذا خطوة لحزب الله ام لوليد جنبلاط،انما بالتأكيد نعزو الفضل فيها إلى الانتخابات وحساباتها وما تمليه من مبادرات تتجاوز اللقاءات والاجتماعات الاعتيادية. أما أهل بنت جبيل وجوارها فأخذتهم المفاجأة قبل أن يروا في الأمر "حكمة" اضافية يظهرها حزبهم القدير.

خمس سنوات انقضت على التحرير ورسم الخط الأزرق، ولا يزال أهل حزب الله وعسكره على استنفارهم وتعبئتهم، ولا تزال سياسته معتصمة بالسلاح والعصبية القتالية يؤازرهم بلا تردد سكان تلك المنطقة تحديداً أكثر من غيرهم. ولذا بات الحزب وانصاره يطلقون على بنت جبيل اسم "عاصمة التحرير والمقاومة". فمزاج السكان هنا دينياً وعسكرياً لا يقبل بغير عقيدة حزب الله سياسة وادارة وأمناً.

ونحن الوافدين من بيروت إلى بنت جبيل رحنا نتخيل ان لهذا "الاستنفار" العسكري او العقائدي لوناً هو الأسود، وصرنا نرى على هذا القياس بياضاً باهتاً في بيروت، قبل أن نلحظ على الطريق بمحاذاة الضاحية الجنوبية ميلاً إلى الرمادي، وفي محيط صيدا تشعرنا العلامات واللافتات على حضور ما لهذا الاستنفار، لكنه مبعثر قليلاً، وعلى طول مسافة الطريق والقرى والبلدات المنتشرة ما بين الساحل والهضاب، ما بين صور والنبطية سنجد حالاً رمادية، أو سوداء خفيفة متفرقة، لكن ما إن نصل الى الداخل، الى تخوم الشريط الحدودي وقلبه، حتى نجد سواد هذا الاستنفار تاماً وطاغياً.

لا علامات على يوم التحرير طوال الطريق سوى ما يدل على انه يوم عطلة وحسب. المناسبة يتم احياؤها فقط هناك في "عاصمة التحرير" فأهل الزهراني والنبطية كانوا يستقبلون رئيس مجلس النواب بذبح الجمال والخراف اثناء جولته التي وزع فيها طرقات ومدارس ومشاريع أخرى وكلمات كثيرة هي من أُعطيته ومن أُعطية الدولة ومن أُعطية "مجلس الجنوب" يوزعها في القرى والبلدات لمناسبة الانتخابات، ساعياً لمبايعة يحصدها كاملة من الأهل والعائلات و"الفاعليات".

أما في بنت جبيل والقرى المجاورة، فلا يحضر سوى حزب الله، الذي وزع الشارات والبيارق، ونشر عسكره بملابسه الموحدة، وزرع رجاله الأمنيين ببدلاتهم وسماعاتهم المتدلية من الآذان.

فسكان بنت جبيل وجمهورها، لم يعودوا بعد الى تقاليد السياسة اللبنانية القديمة، والتي من قوامها، انتظار الزعماء المحليين آتين اليهم في المواسم الانتخابية، جالبين بعض المغانم والحصص من الدولة لتوزيعها عليهم، فهم باتوا محتكمين لحزب الله وحده، في النظر الى الأمور وفي لغتهم، وفي تدبير عيشهم وفي ترتيب علاقتهم بالدولة وبالآخرين. بات حزب الله هنا أسلوب حياة وعقيدة شعبية صارمة.

الدكتور مصطفى بزي، استاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية وهو احد ابرز الناشطين محلياً في العمل الاجتماعي والسياسي والبلدي، والآتي من تجربة حزبية مديدة وقديمة، يبدي تأييده المطلق لحزب الله وسلاح المقاومة: "الفخر والاعتزاز والاحساس بالكرامة والحرية". بات مصطفى بزي، منذ التحرير، منغمساً في شؤون بلدته "العمل البحثي والأكاديمي، والمشاركة مع الناس في واقعهم والمساهمة في تنمية الحياة المحلية هي عين السياسة"، يقول، وهو يضيف "لكي ننعم بالطمأنينة والحماية وقوة الردع بوجه اسرائيل لا بد من سلاح حزب الله".

أهل بنت جبيل يعرفون أن ولاءهم للحزب والمقاومة، جعلهم عرضة لاهمال متعمد وكيدي من قبل الحزبية الجنوبية الأخرى، التي لها سلطة توزيع المنافع والمشاريع الرسمية على مناطق الجنوب، يعرفون ان ولاءهم هذا يجعلهم بعيدين نسبياً عن سائر اللبنانيين، ويعرفون ان الثمن الاقتصادي، ركوداً وبطالة، يفوق طاقتهم. ومع ذلك، وحسب قول احسان بزي، الموظف الحكومي: "لا شيء يعادل 27 سنة إذلال وقهر يوميين سوى هذا الفخر طوال خمس سنوات". 

لم يتجرأ رئيس البلدية على الافصاح عن العراقيل التي توضع عمداً بوجه مشاريع البلدة وإن ألمح الى تلك الكيدية التي تجعل الجنوب مقسوماً إلى جهتين: جهة منتفعة بالهبات والعطايا وجهة محرومة إلا من رعاية حزب الله.

عندما دخلنا إلى باحة منزل رئيس البلدية كان شرطي البلدية الشاب يراجع رئيسه بشأن تحركاته في الطرقات، يوم المهرجان، الذي أحال البلدة إلى مربع أمني مطوق بمئات العناصر. وكان على رئيس البلدية أن يتصل بالمسؤول الحزبي ليؤمن على شرطيّه ويحدد له عمله.

وثمة علاقة غريبة تربط بنت جبيل بالولايات المتحدة فالعداء لهذه الأخيرة يجد زخمه الأقوى هنا، بحسب عقيدة حزب الله ، لكن جالية المغتربين البنت جبيليين هي في أميركا، وشريان الحياة الاقتصادية في البلدة هو المال الأميركي، والبيوت الفخمة المشيدة على التلال كلها تقريباً حصيلة العمل في أميركا، وشبان البلدة كلهم تقريباً لا يودون سوى الذهاب إلى ميتشيغان حيث يستوطن الأقارب. فـ"الموت لأميركا" هو اللغة السائدة، أما المشاريع البلدية فلا تجد ممولاً لها سوى وكالة التنمية الأميركية، وبعد أخذ اذن حزب الله، الذي اعطاه أخيراً. الحرج الوحيد في كل ذلك "ان لا نضطر لاستقبال السفير الأميركي هنا" على الرغم من أن حفل جمع التبرعات الذي أقيم في أميركا حضره اعضاء في مجلس النواب الأميركي وممثلو الولاية.

انهم يريدون "خير" أميركا لا سياستها، فهم لا يقايضون التزامهم عقيدة حزب الله بأي شيء حتى ولا ولاءهم للدولة اللبنانية، فهذا الولاء لا يجد سبيله الا عبر سياسة حزب الله: "انه امتنا ودولتنا" قال الواقف قربي في مهرجان التحرير ملوحاً بالعلم الأصفر اللامع.

وحده ابراهيم نعيم بزي (ابونعيم) الذي تجاوز الثمانين من عمره، بدا ممتعضاً من حال البلدة، وهو جالس على اريكته وقد تكدست الجرائد والكتب من حوله. مد يده، وشد قبضته دالاً بقبضته المرتجفة على "ضيق العقلية السائدة هنا" كما قال. بدا متحسراً على ما كانته البلدة،"لقد ابتعدنا عن المزاج اللبناني وانغلقنا اجتماعياً".

صار ابو نعيم يستشهد بأقوال لجاك ريفير، الشاعر الفرنسي في معرض وصفه للناس البسطاء. قال ان البلدة التي كانت تعج بالبيوت الأدبية وبالأفكار السياسية باتت اليوم مقفرة: "هل تصدق اننا كنا نكتب العرائض من اجل التضامن مع ناظم حكمت" سرد لي ما يقوله الروائي الاسباني الحائز جائزة نوبل، خوسيه ساراماغو، تذكر قولاً لعبد الرحمن منيف.

ابو نعيم وصف الحال طوال العقود الثلاثة المنصرمة قائلاً: "اثناء الاحتلال كان مسرح الذل. وطوال سنوات التحرير كان مسرح الاهازيج". وسرعان ما طغى الغضب على نبرته اذ سرد لنا كيف ان الشبان والشابات في البلدة لا شيء يفعلونه سوى مساهرة الموتى، يذهبون ليل كل خميس الى القبور لإقامة طقوس الندب.. "ثقافة الموت والشهداء والندب... لا بهجة ولا حياة".

ربما لهذا السبب كانت بيوت بنت جبيل في ذاك اليوم، مشغولة كلها بالحديث عن السهرة التلفزيونية التي احيتها قناة حزب الله "المنار"، هناك في "حاكورة نص الضيعة" (ساحة البلدة القديمة) احاديثهم حول تلك السهرة التراثية كانت مأخوذة بهذا "الحدث الاستثنائي" وكيف ان الحماسة اخذتهم بعد تلك السهرة فبدأوا برقص الدبكة حتى بعد ان أُطفئت الكاميرات وكيف أن ابناءهم واقاربهم شاهدوهم عبر البث الفضائي في أميركا. واذ استغربنا هذا البث، اسروا لنا عن حيلة تكنولوجية تتيح للجالية هناك مشاهدة "المنار" الممنوعة أميركياً.

كانت بهجة السهرة التلفزيونية، حدثاً نافلاً في سياق حياتهم، هم المستنفرون سلاحاَ وسياسة، والنادبون وجداناً ووعياً.

انهم هناك، على الحدود، حيث الذاكرة من دم كثير وضغائن كبيرة، حيث الحياة الساكنة الرتيبة في احضان الطبيعة الرائقة، تضج بالألم وتعتمل بالموت والسلاح. حتى ليبدو ما حدث ما بين 14 شباط 2005 و14 آذار 2005 في نظر القاطنين هناك، حدثاً طفيفاً وقد وصل صداه ضعيفاً، لا يؤثر في استنفارهم ولا في مزاجهم.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page