ملامح رجل انتصر حين قُتل

 جهاد بزي
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 1 حزيران «يونيو» 2005

     أجلس في المقاعد المخصصة لزوّار المجلس النيابي. ثمة نواب عاديون في المجلس لا تلتفت إليهم عين ولا عدسة مصور. وثمة نجوم. تحت القبة رجل تحدق فيه كل العيون هذا المساء. يمضي وقته صامتا، وحين ينادى على اسمه يرفع يده. ساعده ملفوف ومطوي على بطنه. تحت القبة رجل حزين هذا المساء، وفي القصر جنرال يضحك جذلان لأنه باق في القصر ثلاث سنوات أخرى. لا أرى الجنرال. أرى الرجل العابس على غير عادة. الرجل الصامت. أتعاطف معه. أنا أيضا لا أريد أن يبقى الجنرال في القصر. 

قبل يوم من هذه الجلسة “التاريخية” كنت أحدق في عنصري مخابرات يلصقان صور الجنرال ضاحكا على أعمدة وسط البلد الذي ما انتمت إلى أحد. وظلت جدرانه عارية من الصور. أختنق. غدا، في الثالث من ايلول، ينقضي الأمر. غدا يجول الجنرال في القصر مطمئنا إلى بقائه في بيت لم يعد من حقه. الآن، ليلا نرتب البلد لمشهدنا الجديد. نتمم كآبته. عناصر مخابرات يفرضون علينا شعبية لرجل من دون شعبية. مخابراتنا يلصقون صور جنرالنا على الرغم من عيوننا. الآن نحتسي ما تبقى من ديموقراطية مرّة في قاع كأس وطننا. الآن يصير الكأس فارغا إلا من صورة جنرال يبتسم. 

الآن، في المجلس النيابي، أنظر في رجل يضطر إلى رفع يده من أجل إبقاء الجنرال في قصره. مرغما كان. ما أصعب أن يضطر رجل إلى رفع يده مرغما. كل هذا الغبن يا رفيق الحريري... كل هذا الغبن. 

انتظروه حتى صار على درج المجلس النيابي وأشعلوا السماء بالمفرقعات. في ساحة النجمة التي كانت ثكنة ممنوعة عن النمل الذي لا يملك تصريح مرور إلى المكان، رفع “المواطنون” صورة عملاقة للجنرال ضاحكا وأطلقوا مفرقعات النصر. كانت الأصوات اقرب إلى دوي انفجارات. مواطنون محايدون من دون رتب ومن دون بطاقات تعريف ولا مسدسات ولا حماية. مواطنون لا شك في تميّزهم حتى يسمح لهم بالعبور إلى الثكنة المحصنة، يرفعون صورة ربطت حبالها بشرفات المقهى الذي كان يجلس إليه الرجل. صورة انتصبت تستفز بلدا برمته. أما الجنرال في الصورة فكان يضحك للسنوات الثلاث المقبلة. السنوات العجاف. 

... ثم قُتِل. مذ قتُل وأنا أنظر في صوره. قبل أن أراه في المجلس النيابي كانت الصورة لرجل سياسة. قطب وشخصية هائلة يغريني دائما البحث في الإنسان العادي فيها. بماذا يفكر؟ هل هو مجرد عمل سياسي ووجاهة أم أمر آخر يدفعه إلى مثل هذا الانخراط في يوميات مرهقة؟ هل يحمل رجل مثله حلما حقيقيا أم يركن أحلامه ويعيش في تعقيدات مهنته؟ هل يفكر بغده الشخصي كرجل يكبر في السن ويصير جدّا، أم أنه يهرب من أسئلة مرآته بالغرق في تفاصيل مركزه وفي تفاصيل السياسة؟ أسئلة ساذجة لا تعني أحدا. تمرين للذهن. لهو داخلي. لا أدري. 

حين رأيته في المجلس عابسا شعرت أن حكايته أخرجته من السياسة إلى الشخص. الرجل الذي أجبر على ما لا يريد أن يقوم به. المظلوم الذي يختنق بظالميه. المظلوم في معركة غير متكافئة. المظلوم في معركة ضد آخر يستقوي بآخرين. ثمة من يعجز عن الانحياز إلا إلى المظلوم. أنا انحزت إليه في معركته مع جنرال القصر. كنت أنتظر اليوم الذي يثأر فيه الرجل لظلم لحق به. كنت أظن أن الوقت كفيل بتغيير الأشياء. لكن الوقت لم يمهله. قُتِل. وقد قُتِل مظلوما. وقد قتل وثمة شعور بالغبن يحاصر قلبه. لا نهاية لواقع أكثر كآبة من مثل هذه النهاية. 

منذ الرابع عشر من شباط وأنا أنظر في صوره. لعلها الملامح نغيّرها في أذهاننا مع تبدلات مشاعرنا حوله. والمدينة لا تخلو من وجهه. في أي شارع مشيت سأراه، وسأتذكره في المجلس النيابي وسأتذكر صورته في الانفجار. وسأتذكر أي انقلاب وقع بعد ذاك الانفجار. كلما نظرت في صورته استغربت ولم أفهمه. هذا الرجل الذي عشنا حكايته كخرافة. ملأ أخبارنا وشاشتنا. ملأ كلامنا. فهمنا عليه ولم نفهم عليه. أحببناه ولم نحبه. وحين قتل صار إعصارا. 

في الصورة أتذكر مرارته. حين يحارب رجل بهذه الشراسة ويقتل قبل أن يرفع عن كتفيه الظلم وينتقم فهذا حزين. لكن الصورة تبدل في ملامحها من جديد. تفقد حزنها. الآية انقلبت. عادت الابتسامة إلى صوره في مدينته. انتصر أخيرا. انتصر حين قتل. يا للتاريخ حين يصر أن يحفر اسما في كتابه. يا للرجل الذي ما إن يولد حتى تكتب له حكاية ستحكى أبدا. 

رجل انتصر بدمه. كان مليئا بحياة استثنائية حتى احتاجوا إلى كل هذا الدوي لسلبها منه. كان مليئا بحياة استثنائية لا يبدو عليها أنها تموت. حياة لا تقبل أن تغيب بصمت. حياة فوق العادة، حين تخطف تنشق الأرض وتتغير معالم الأمكنة. 

رجل انتصر بدمه. مسكين من عاداه. مسكين من أراد لنفسه كل شيء. أراد التاج وحب الناس وأراد التشفي بالغريم الذي اضطر إلى رفع يده. مسكين من أراد كل شيء فلم ينل في النهاية شيئا. مسكين من يقطن وحده في قصر كبير فلا يدخل إليه أحد ولا يخرج إلى أحد. مسكين من انتظر صامتا في قصره ذاك اليوم المشؤوم حتى تم الأمر ببقائه في قصره. مسكين هذا الذي كان قويا وانتهى خائفا كلما دق بابه من أن يطلب أحد منه أن يغادر. مسكين جنرال القصر. لا فرق إن غادر اليوم أو بقي حتى نهاية ايامه الممددة هناك. فقد هزم منذ زمن بعيد. خسر كل شيء. خسر الكرسي. خسر الناس. خسر التاريخ. والتاريخ سرعان ما سينسى الجنرال لحظة يوضب حقائبه ويصير القصر خلف ظهره. والتاريخ لن ينسى قط الرجل الذي اكتفى بدمه لينتصر على كل من عاداه. 

التاريخ أشد قسوة بكثير من انفجار.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page