هل بمقدور المعارضة الجنوبية المواجهة؟

ابرهيم بيرم
جريدة النهار (لبنان)
السبت، 4 حزيران «يونيو» 2005

     يتوجه الجنوب غدا الى صناديق الاقتراع، بأدنى حد ممكن من مواصفات المعركة الانتخابية، ولولا نحو 12 مرشحا من خارج لائحة "الائتلاف" بين حركة "امل" و"حزب الله" آثروا البقاء بعناد في الميدان لكان في امكان هذين التنظيمين الادعاء ان الجنوب برمته صار "ملكا عضوضا" لهما وان قاطنيه على اختلاف اطيافهم السياسية وانتماءاتهم العربية والمذهبية عقدوا لهما البيعة. 

طبعا الامر ليس بهذه الصورة، فالجنوب المشهود له بالحراك السياسي، وبرفض التسليم للأمر الواقع لا يمكنه ان يسلس القياد لتنظيمين تظهر الوقائع انهما يمتلكان وان بدرجات متفاوتة حضورا شعبيا في المنطقة لا يتجاوز في احسن الاحوال الـ 35 في المئة وفق احصاءات المراكز المتخصصة. 

ولكن ثمة وقائع ومعطيات موضوعية وذاتية حالت دون اظهار الحضور الحقيقي لقوى الممانعة والاعتراض وجعلت شخصيات منها تعزف عن خوض المعركة، ومن ثم تدعو لاحقا الى المقاطعة الشاملة ترشيحا وانتخابا، لكي يكون ذلك "وصمة عار" لـ"اللائحة المحدلة". 

ومن البديهي ان هذا السلوك الاعتراضي ليس بالضرورة امرا ناجحا ويدل على "قوة"، كما انه لا يخدم الهدف الاسمى من الانتخاب واكتساب المقاعد وهو التأسيس لحالة مواجهة تطرح ثمارها، وتؤدي الغاية المطلوبة وهي الاثبات بالملموس ان بين جنبات الجنوب قوى حقيقية اصلية، في المعارضة والاعتراض. 
 

كامل الاسعد 

وكان مشهدا حزينا حقيقة انتهاء الزعامة الاسعدية بقيادة كامل الاسعد على النحو الذي انتهت اليه بالخروج من الحياة السياسية للجنوب. فالرجل الذي اسقطه المرض، يشهد له بانه ظل يناضل الى اللحظة الاخيرة للمحافظة على آخر ما تبقى له من مواقع وحضور يأخذ عليه كثر وحتى من انصاره انه لم يسع الى تطوير مواقعه سياسيا وشعبيا، وابى حتى ان يورثها في شكل طبيعي لولده كما ورثها هو عن والده "الزعيم" احمد الاسعد. 

ومع ذلك يشهد له كثر ممن لم يكونوا في عداد شعبيته يوما بأنه تعاطى السياسة، ضمن اصول ديموقراطية تقبل بمشاركة الآخر المنافس، ولا تكرس كل جهودها لاقصائه الى حد الالغاء ومن ثم تفاخر بذلك. 
 

حبيب صادق 

وفي مقابل خروج هذا الرمز المعارض في الجنوب كان ثمة خروج لرمز جنوبي آخر، هو النائب السابق حبيب صادق. 

فقد شاء هذا الرجل الذي تعرفه كل المنابر الجنوبية عريقا في اعتراضه وعنيدا في المواجهة، وتعده شيخا من شيوخ النضال والحراك السياسي، انه يعطي لعزوفه عن الترشح معنى سياسيا، فجمع حوله عددا من المثقفين الجنوبيين ومن ثم اطلق "نداء المقاومة". ولاسباب اخرى مختلفة، عزفت شخصيات مسيحية وبالتحديد في جزين ومنطقتها عن خوض المغامرة. 

ومن مواقع تنطلق من حسابات اخرى، لها صلة بالمزاج السني العام الذي انقلب عداء شرسا لسوريا بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، اعلن العرقوب السني (شبعا، كفرشوبا، الهبارية...) مقاطعة العملية الانتخابية في الجنوب ترشحا وانتخابا. 

وبقدر ما احرج الامر "حزب الله" بالتحديد الذي وجد نفسه وجها لوجه مع كتلة بشرية ينطلق من بين ظهرانيها، ليبرر حضوره المقاوم ويقدم كل اطروحته السياسية للاستمرار في تمسكه بالبندقية ساهم لاحقا، في تبهيت صورة اللوائح المعارضة، وفي انسحاب المرشحين، وبالتالي ، في ترك الميدان للطرفين اللذين بكرا في اعلان لائحتهما المشتركة ليتحاشيا وعودا اطلقها كل منهما للعديد من الشخصيات والقوى وليتجنبا مواجهات وحالات عصيان داخلهما بدأت بالتشكل والافصاح عن نفسها منذ زمن. 
 

رياض الاسعد 

وهكذا لم يتبق في ميدان المواجهة عمليا سوى اثنين هما تيار المهندس رياض الاسعد، والحزب الشيوعي. 

والمعلوم ان هذين الطرفين، تعرضا لاغراءات وضغوط عدة كي ينسحبا من المعركة، ممن كان يفترض بهم ان يكونوا معهما في الميدان نفسه، وفي الخندق عينه. وكان السجال حول فوائد المواجهة، واضرار الانسحاب، مستمرا طوال الفترة الماضية. فالفريق الداعي الى المقاطعة، يريد عمليا ان يميت سلفا النصر "الحتمي" لـ"لائحة المحدلة"، وبالتحديد في منطقة الزهراني، وان يفقد هذه اللائحة "فضيلة" التباهي بنسبة التصويت العالية، والتي لن تتحقق الا اذا فقدت المعركة احد طرفيها. 

لكن للمهندس الاسعد في المقابل حسابات اخرى، واجواء تحول دون انسحابه من الميدان او فراره من المعركة، فالرجل الذي دخل المعترك النيابي في شكل قوي في انتخابات عام 2000، يمتلك طموحا كبيرا لتأسيس حالة سياسية يكون هو محورها وقطبها، وقد كرس كل جهده لهذه الغاية، وتفرغ لتحقيق هذا المأرب، فنسج علاقات واسعة على امتداد كل الجنوب، ورعى حالات سياسية وثقافية جعلته قريبا جدا من الجنوبيين، وبمعنى آخر حجز رياض الاسعد لنفسه مساحة في الصدارة السياسية والاجتماعية للجنوب، سيبقى فيها، حتى وان حيل دون دخوله الندوة البرلمانية في هذه الدورة. 
 

الشيوعي 

اما بالنسبة الى الحزب الشيوعي فالحالة متشابهة، فهذا الحزب لا يستطيع الهرب من المواجهة مهما قست الظروف، وقدره ان يبقى في الميدان حاضرا وان كانت عدته وعتاده قد صارا قديمين بعض الشيء. 

والشيوعي، بترشيحه انور ياسين الاسير المحرر بعد اعتقال في السجون الاسرائيلية دام 17 عاما انما يلقي الحجة على "حزب الله" الذي، وان كانت له الصدارة في تحرير الجنوب، فالشيوعي وسواه من القوى، قصب السبق في هذا الميدان. 

ولربما احرج ترشيح هذا الرمز المقاوم، الذين غادروا منذ زمن بعيد ثقافة المقاومة وميدانها وولجوا المقاولة والمحاصصة والتهافت على المغانم، فلجأوا الى تمزيق صور هذا الاسير كأنهم يخشونه كرمز وليس كمنافس جدي. 

وعليه يسعى طرفا المحدلة في الجنوب الى تغطية كل "الثغر" التي شابت تحالفهما وخياراتهما في الترشيح، من خلال امر اساسي، هو رفع نسبة التصويت ليظهرا شرعية شعبية في العملية الانتخابية. 

واذا كان هذا الامر في حال تحققه، مفيدا لحركة "امل" التي تعاني ضمورا في الحضور والخطاب، فان الحزب سيفقد باللعبة كلها صدقية وشفافية كانا يعتد بهما سابقا. فكل القوى التي "احتكت" بالحزب في المدةالاخيرة سواء في الجنوب او الجبل او بيروت، وجدت ان قيادة الحزب باتت تتقن الى حد بعيد اللعبة التقليدية تجيير المواقف. 

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page