"القلق الشيعي" انعكس كثافة وتماسكاً وفضيحة تصيب اليسار ..والتقليد إلى انحسار 
انتخابات الجنوب: تجديد لبري وغطاء أهلي للمقاومة

 ابراهيم الأمين
جريدة السفير (لبنان)
الثلاثاء، 7 حزيران «يونيو» 2005

     ما حصل في الجنوب كبير، وكبير جداً، وأي اعتراض سياسي على قانون الانتخاب أو على طريقة تأليف اللوائح، لا يلغي حقيقة أن ما حصل يوم الخامس من حزيران يشكل تحولاً استثنائياً في الإدارة السياسية لواحدة من أكبر طوائف لبنان ولمنطقة تمثل نقطة التقاطع الاستراتيجي لموقع لبنان الإقليمي. 

والملاحظات التي يمكن إيرادها في معرض قراءة ما حصل، تتناول كل شيء ما عدا صعوبة سوف تواجه الباحثين عن سر التعبئة التي جعلت الجنوبيين والشيعة منهم على وجه الخصوص، يُطلقون موقفاً لا يشبه البتة المواقف التي ملأت البلاد منذ الرابع عشر من آذار، ولا يعني هذا الكلام أن هذه الفئة تعترض بأن لا ترى مصلحة في خروج سوريا من لبنان، لكنها لا تلتقي مع القوى السياسية التي بدت في انتخابات بيروت ضعيفة التمثيل، ولكنها أقرب إلى المناخ السياسي الذي يقول بأن لبنان لا يزال يسير بقوة نحو الانتقال من حقبة ومناخ إلى حقبة أخرى ومناخ آخر. 

والحصاد الهائل الذي حققه تحالف “أمل” و”حزب الله” لا يلغي حقيقة أن النصاب السياسي لم يكتمل جنوباً بعد. وخطأ التحالف الاستثنائي كان ولا يزال في عدم القدرة على تحمل فكرة شريك إضافي، ولو كان حجمه صغيراً بحجم القوة التجييرية التي أظهرها الشيوعيون على انقساماتهم المزرية. لكن الخطأ يمكن العثور عليه في الأصوات التي نالها المقاوم أنور ياسين والتي مثلت عيّنة من احتجاج، ثمة ما هو شبيه له ولكنه مكبوت عند جمهور غير قليل من جمهور المقاومة. 

انتهت الانتخابات، وحصل ما حصل. ولن يكون أنور وما يمثله في هذه اللحظة السياسية غريباً عن واقعه، وهو لن يشعر بأن فوز الآخرين المنافسين يمثل خسارة لخطه السياسي. وهو الأقرب إلى المنطق الذي يعرف حجم المداخلات والتدخّلات المقبلة على لبنان، وحيث سيكتشف الآخرون أن أنور سيكون مرة جديدة في المقدمة. 

والملاحظات التي يمكن إيرادها حول العملية الانتخابية في دائرة الجنوب كثيرة، لكن عنصر الشبه الفعلي بينها وبين انتخابات العاصمة يكمن في وجود عدد من الفائزين بالتزكية وخصوصاً في الأوساط المسيحية والسنية. ووجود دعوات إلى المقاطعة في الأوساط المسيحية، ووجود تكتل قوي بين المتحالفين الأقوياء ما منع أي فرصة لفوز الآخرين. 

أما ما يميّز الجنوب عن بيروت فيتصل بأن الجنوبيين كانوا أمام استحقاق خاص، يتصل أولاً بحالة من القلق تسود الأوساط الشيعية منذ وقت غير قصير، وهي تعاظمت بعد التطورات الأخيرة التي انتهت إلى إخراج سوريا من لبنان وهي التي كانت رافعة قوية للصعود الشيعي السياسي في الدولة. كذلك تعرّض المقاومة، وهي الورقة الاكثر قوة وحيوية عند هذه الطائفة و”حزب الله” أي القوة الحاملة لهذه المقاومة الى ضغوط غير عادية داخلياً وخارجياً. 

ومع ذلك، فإن صراعاً عنيفاً قام بين برودة كانت متوقعة بسبب فوز سهل ومناخ اعتراضي على تكرار القوتين البارزتين لآلية التحالف ذاتها برغم ما حصل في البلاد من تطورات، وبين حماسة لافتة في تسجيل أعلى نسبة تصويت لها هدف سياسي يتصل بإشعار الآخرين، من شركاء في الدولة ومن معارضين ومن دول الوصاية الجديدة أن ما يُخطط له بما خصّ الجنوب كمنطقة استراتيجية وما يستهدف القوى الحيوية فيه، سواء على مستوى المقاومة أم على مستوى الحضور في الدولة، هناك آليات لمواجهته تستند أولاً الى قاعدة تمثيلية حقيقية لها وزنها الشعبي غير العادي ولديها آلياتها المختلفة. 

كذلك كان لافتاً أن هذه المعركة تُخاض بتكاتف غير مسبوق بين القوتين البارزتين، اللتين تصرّفتا انتخابياً بما يتجاوز الأرث الثقيل من الخلافات والحروب الكبيرة بينهما، حتى أن مراجعة لعدد الأصوات التي تقدّم بها مرشحو حزب الله عن مرشحي حركة أمل وتبيان مواقعها الجغرافية، يظهر أن الذين شطبوا الرئيس بري ومرشحي أمل هم أولاً من خارج الدوائر الشيعية، ثم هم ثانياً من القوى السياسية التي تعتقد أنها اقرب إلى “حزب الله” منها إلى حركة “أمل”، وهو أمر برز في القرى والمدن والبلدات ذات الحضور الخاص لقوى من اليسار أو التقليد إضافة إلى مدينة صيدا. وهذا يشير إلى حقيقة جديدة ربما تحتاج إلى تفسير ودرس، وتتعلق بالتزام حديدي لا سابق له من جانب محازبي ومناصري الطرفين بالتصويت للائحة من دون حملات تشطيب. كذلك عدم القيام بأي نوع من المبادلات الانتخابية التي تحصل عادة في بعض القرى والبلدات او مع بعض القوى والشخصيات ذات الحضور الانتخابي. وهو دليل على نجاح غير عادي علماً أن قيادتي الحركة والحزب وبتدخل وإشراف من الرئيس بري والسيد حسن نصرالله قامتا بنشاط لافت بين الكوادر والقواعد. حتى ان بلدة مثل جبشيت، وفيها قتلى كثر جراء الحروب بين التنظيمين وكان التصويت فيها مختلف كلياً في الدورات السابقة، إلا أن التصويت فيها هذه المرة عكس بصورة كبيرة نوعية التحالف والتماسك. اذ اقترع 2959 ناخباً في البلدة، وحصلت لائحة الحزب والحركة على 2900 صوت. 

ويكفي للتدليل على أهمية ما حصل وتماسك الناخب الشيعي لاعتبارات مختلفة، مراقبة الأرقام التي خرجت بها الانتخابات. حيث نجح التحالف في جذب 303175 مقترعاً من اصل 666191 ناخباً في دائرتي الجنوب. وبرغم أن الأوراق الملغاة بلغت 4604 أوراق في الدائرتين. فان ما حصلت عليه اللائحتان الفائزتان كان بحده الأقصى (107,853+154,056=261,909 أصوات) وبحدها الأدنى (99,539+149,307=248,846 صوتاً). بينما حصل الخاسرون على حد أقصى هو (19,646+15,737=35,383 صوتاً) وحد أدنى هو (6,784+4,408=11,192 صوتاً). 

ومن الملاحظات اللافتة نمط التعئبة التي سادت الناخب في مدينتي صيدا وجزين، حيث أفلحت ماكينة النائبة بهية الحريري وماكينة النائب أسامة سعد في حشد نسبة اقتراع عادية وكأن هناك منافسة قوية، وبدت مقاطعة الجماعة الإسلامية من دون تأثير جدي. بينما نجح نواب جزين برغم التزكية والمقاطعة والحملة السياسية وحتى الدينية المركزة ضد النواب الثلاثة وضد قانون الانتخاب وضد التحالف القائم، في تأمين اقتراع يطابق ما حصدته اللائحة نفسها في الدورة السابقة. حتى أنه لو جرت الانتخابات على أساس القضاء لكان الفريق المقاطع يحتاج إلى تعبئة غير ممكنة في الشارع لتوفير نسبة اقتراع تواجه الفريق الآخر. وفي المحصلة كرّرت صيدا إشارتها القوية بأنها عاصمة الجنوب المقاومة، وهو رصيد سيُضاف إلى ما لديها عند الجنوبيين، كما أن جزين أعطت إشارة جديدة على اقترابها من المناخ الإجماعي في الجنوب ككتلة جغرافية وديموغرافية. 

في المقابل، يمكن إيراد ملاحظات على تصرّف ونتائج القوى المنافسة، والتي اختلفت اصلاً في ما بينها قبل أن تشكل تحالفاً سياسياً او انتخابياً. ومع ان رياض الاسعد يعتبر النتيجة جيدة له، وهو يتصرف على اساس انه كان حاملاً لرفاقه في اللائحة وليس محمولاً منهم، وهو امر يحتاج الى بعض التدقيق، فان النقاش الاصلي سوف يتكرر عند الشيوعيين والمناخ اليساري الذي بدا انه يخسر آخر قلاعه في هذا البلد. برغم انه اعتمد على خطاب عاقل من الناحية السياسية، وبرغم انه رشح شخصية لافتة ومحل تقدير مثل انور ياسين وتحاكي العقل الجماعي عند الجنوبيين الذين يصوّتون علناً لمصلحة المقاومة، الا ان النتيجة التي خرج بها هذا الفريق يمكن تمييزها بين نسبتين من الاقتراع. الاولى في الدائرة الاولى حيث حصد انور ياسين 8450 صوتاً وهي لا تمثل بتاتاً القوة التجييرية للحزب، بدليل ان انور حصد كمية كبيرة من الأصوات من غير الشيوعيين ومن مستقلين. بينما حصل المرشح الآخر وهو حسين صفي الدين على 6784 صوتاً وهو لم ينل أي صوت من أنصار رياض الاسعد بإقرار الاخير، كما انه حاز على اصوات ذات طابع عائلي من صور ومن اصدقاء له في صيدا وقرى الجوار، ما يشير الى ان القوة التجييرية للشيوعيين في الدائرة الاولى لا تتجاوز الاربعة آلاف صوت. 

اما النسبة الثانية فتخصّ الدائرة الثانية حيث حصل كل من سعد الله مزرعاني على 8886 صوتاً وعلي الحاج علي على 8456 صوتاً. وهي نسبة متقاربة، لكن العدد هو تجميع لعملية التبادل التي جرت مع الشركاء في اللائحة ومع بعض المرشحين المنفردين، ويمكن مراقبة ما حصل عليه عباس شرف الدين الذي احترم من قبل المحازبين الشيوعيين وانصارهم المقربين وهو 4408 أصوات. ما يعني ايضا ان القوة التجييرية للحزب الشيوعي في الدائرة الثانية لا تتجاوز الخمسة آلاف صوت. 

واذا ما جرى التدقيق في حالة الانقسام داخل هذا التنظيم القوي والتي دفعت قسماً غير قليل الى الامتناع عن التصويت للائحة واقتصار التصويت في الدائرة الأولى لأنور ياسين، فإن غياب البرنامج السياسي الموحّد وغياب المحفّزات الحقيقية وغياب الشخصيات الجاذبة، كل ذلك من شأنه أن يظهر الصورة على ما ظهرت عليه. وهو امر له فوائده، اذ لو كان الأمر مختلفاً في التحالفات لكانت النتيجة تائهة مرة جديدة، وأخّرت حساباً داخلياً في الوسط اليساري لا بد أن يكون أولوية. 

على أن ما يحتاج الى بعض المتابعة هو التصويت المصلحي القائم في أوساط “التقليد القديم” وهو الامر الذي يمكن ملاحظته من اصوات كل من بشرى الخليل (الدائرة الأولى) 4399 صوتاً و احمد كامل الأسعد ( الدائرة الثانية) 8404 أصوات. وفي هذا اشارة الى انه ليس امرا سهلا ان يحصد احمد الاسعد اصواتاً توازي اصوات المرشحين الشيوعيين. علماً ان هناك عوامل مختلفة أدّت الى هذه النتيجة. 

على أي حال فان انتخابات الجنوب تعكس اموراً مختلفة، فهي ثبتت الرئيس بري في رئاسة المجلس النيابي لولاية جديدة، وهي أعطت “حزب الله” مكانة متقدّمة لا سابق لها. وهي وفّرت أكبر استعراض للقوة تجريه الطائفة الشيعية في لعبة الطوائف المتنقلة الآن بين اللبنانيين... على أن رسالتها الأكثر حيوية هي المتصلة بما ينتظره الغرب في مرحلة ما بعد الانتخابات حيث يقول الاميركيون إنهم ينتظرون من السلطة الجديدة أن تبادلهم الخدمات بأن تنزع سلاح المقاومة بأسرع ما يمكن.. أي عودة الى سياسة الاوهام التي تقود أحياناً إلى نوع من الجنون الذي يترجم فتناً وحروباً وما هو أقسى من ذلك.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page